فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 522

هذه بعض أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - ، ولقد وصلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة الكمال البشري فاتصف بكل صفات هذا الكمال البشري، ووجدت فيه كل صفة على أعلى درجاتها وكمال هيئتها.

وامتدحه رب العزة قائلًا: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) [سورة القلم: 4] .

ولله در القائل [1] :

يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق

أيروم مخلوق ثناءك بعدها أثنى على أخلاقك الخلاق

وقال البوصيري رحمه الله [2] :

مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأعْرَابِ والعَجَمِ مُحَمَّدٌ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ

محمدٌ باسطُ المَعْرُوف جَامَعَة ً محمدٌ صاحبُ الإحسانِ والكرمِ

محمدٌ تاجُ رُسْلِ الله قاطِبَة ً محمدٌ صادقُ الأقوالِ والكلمِ

محمدٌ ثابِتُ المِيثاقِ حافِظُهُ محمدٌ طيبُ الأخلاقِ والشيمِ

محمدٌ خبِيَتْ بالنُّورِ طِينَتُهُ محمدٌ لم يزل نورًا من القدمِ

محمدٌ حاكِمٌ بالْعَدْلِ ذُو شَرَفٍ محمدٌ معدنُ الإنعامِ والحكمِ

محمدٌ خَيْرُ خَلْقِ الله مِنْ مُضَرٍ محمَّدٌ خَيْرُ رُسْلِ الله كُلِّهِمِ

محمدٌ دِينُهُ حَقَّ النّذِيرُ بِهِ محمدٌ مجملٌ حقًا على علمِ

محمدٌ ذكرهُ روحٌ لأنفسنا محمدٌ شكرهُ فرضٌ على الأممِ

محمدٌ زينة ُ الدنيا وبهجتها محمدٌ كاشفُ الغُمَّاتِ والظلمِ

محمدٌ سيدٌ طابتْ مناقبهُ محمدٌ صاغهُ الرحمنُ بالنعمِ

محمدٌ صفوة ُ الباري وخيرتهُ محمد طاهرٌ ساترُ التهمِ

محمد ضاحكٌ للضيفِ مكرمة ً محمَّدٌ جارُهُ والله لَمْ يُضَمِ

محمدٌ طابتِ الدنيا ببعثتهِ محمَّدٌ جاء بالآياتِ والحِكَمِ

محمدٌ يومَ بعثِ الناسِ شافعنا محمدٌ نورهُ الهادي من الظلمِ

محمدٌ قائمٌ للهِ ذو هممٍ محمَّدٌ خاتِمٌ لِلرُّسُلِ كُلِّهمِ

ويقصدُ بسائر أخباره:

ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ أحواله حركةً وسكونًا ويقظةً ومنامًا سواءً كان ذلك قبل البعثة أم بعدها.

أمَّا حركاته:

فهي وسائل تربوية: يقصدُ من ورائها شدّ انتباه المتلقي ولفت نظره إلى أهمية ما يلقى عليه، ومن الأمثلة على ذلك:

1.قوله - صلى الله عليه وسلم -"التَّقْوَى هَا هُنَا ». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" [3] .

فهذه الحركة المتمثلة في الإشارة أفادتنا أن محلَّ التقوى هو القلب.

2.قوله - صلى الله عليه وسلم -: « أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ » . ثَلاَثًا . قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ » . وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ « أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ » . قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ" [4] ."

فتغيير النبي - صلى الله عليه وسلم - من وضعه وحركته أفادت خطورة ما جاء بعدها حتى يحذره القوم ويقدرونه قدره.

3.قول عبد الله بن مسعود قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا » .

قَالَ ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ « هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلاَّ عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ » . ثُمَّ قَرَأَ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [5] (153) سورة الأنعام .

4.وعن ابن مسعود أيضًا قال: خَطَّ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - خَطًّا مُرَبَّعًا ، وَخَطَّ خَطًّا فِى الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِى فِى الْوَسَطِ ، مِنْ جَانِبِهِ الَّذِى فِى الْوَسَطِ وَقَالَ « هَذَا الإِنْسَانُ ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِى هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا » . [6] .

ففي هذين الحديثين استخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرسم كوسيلة إيضاح لإيصال ما يريده إلى ذهن أصحابه، وهذا ما يأخذ به علماء التربية اليوم في التعليم والتلقي، وقد سبقهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ خمسةَ عشرَ قرنًا من الزمان.

وأما سكوته:

فإننا نستفيد منه أحكامًا شرعيةً، ومثال ذلك:

ما رواه الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى جِنَازَةٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ.. [7]

ففي هذا الحديث مشروعية السكون والسكوت عند دفن الموتى من أجل العظة والاعتبار.

وأمَّا ما كان في يقظته فلا إشكال فيه لأن أمر النبوة واضحٌ أثناء اليقظة.

لكنَّ الذي يستشكل على البعض فهو ما يراهُ - صلى الله عليه وسلم - في نومه، وكيف هو من الوحي؟ بل كيف هو من السنَّة الواجبة الاتباع ؟ خصوصًا وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علمنا أن النائم غير مكلف في ما ورد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: « رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يَفِيقَ » . [8] .

وإليك الجواب:

قامتِ الأدلةُ من القرآن والسنة - على أن ما يراه الأنبياء في نومهم هو من وحي الله تعالى إليهم، ففي القرآن الكريم نجد غلامًا حليمًا في أوائل العقد الثاني من عمره، قد فقه بالبداهة والفطرة: أن الرسولَ رسولٌ حتى في نومه، فالنوم لا يمكن أن يخرج الرسول عن رسالته ولو قال الرسول: إني أرى منامًا، فقل له: هذا أمر من الله واجب التنفيذ والطاعة والتسليم، كما قال الغلام الحليم إسماعيل لأبيه الخليل إبراهيم عليهما السلام وعلى جميع المرسلين الصلوات والتسليم حين قال له كما حكى القرآن: { قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات.

ومما يختص برسولنا - صلى الله عليه وسلم - مما جاء في القرآن الكريم، قول الله تعالى في سورة الأنفال: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (43) سورة الأنفال.

فالآية واضحة الدلالة في أنّ ما يراه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في نومه من رؤيا إنما هو من عند الله تعالى وليس من أي جهة أخرى، (إذ يريكهم الله) .

ومن الأدلة على ذلك أيضًا قول الله تعالى في سورة الفتح: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} (27) سورة الفتح.

فإذا انتقلنا إلى السنَّة المطهَّرة فسنجد أدلةً كثيرةً على ذلك:

من بينها ما جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى بسنده عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، [9] .

فالحديث ينص صراحةً على أن رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوحي وأنه كان لا يرى شيئًا إلا جاء واضحًا جليًا مثل ضوء النهار.

ولقد لفت نظري وأنا أتتبع ما أراه الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ حديثه غالبًا عن الرؤيا في نومه بقوله:"أُريت كذا"أو"أُريتكم..."فالفعل في أول الحديث يأتي بالبناء للمجهول ليدلنا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرى من قبل نفسه، وإنما هناك من يريه وهو الله تعالى.

فمن أمثلة ذلك ما روي عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهَا: « أُرِيتُكِ فِى الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ ، أَرَى أَنَّكِ فِى سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا فَإِذَا هِىَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ » [10] .

ولقد كانت هذه الرؤيا- وغيرها - من عند الله تعالى فأمضاها سبحانه، وكانت السيدة عائشة من أزواجه أمهات المؤمنين.

ومن أمثلة ذلك أيضًا ما خاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قائلًا فيما رواه البخاري ومسلم عَنْ سَالِمٍ وَأَبِى بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - الْعِشَاءَ فِى آخِرِ حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ « أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ » . [11] .

فالحديثُ كما نلاحظ قد بدأ بقوله:"أُريتكم"بالبناء للمجهول، ولأن علماء الحديث - وكل علماء الإسلام - يعلمون أن ما يراه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نومه هو من وحي الله تعالى، فقد أخذوا من الحديث المذكور درسًا عظيمًا، وهو أن من بين الأدلة على إثبات الصحبة أن يكون الصحابي قد عاش قبل عشرة ومائة للهجرة، فمن جاء بعدها وزعم أنه صحابي فإننا نردّ قوله أخذًا من هذا الحديث الشريف.

على أنه - صلى الله عليه وسلم - قد يبدأ حديثه مما يراه في نومه بقوله:"رأيت"وذلك في القليل النادر.

ومن ذلك ما رويَ عَنْ أَبِى مُوسَى - أُرَاهُ - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « رَأَيْتُ فِى الْمَنَامِ أَنِّى أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ وَهَلِى إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ ، فَإِذَا هِىَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ ، وَرَأَيْتُ فِى رُؤْيَاىَ هَذِهِ أَنِّى هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِى آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ » . [12] .

ورغم التعبير بقوله:"رأيت"إلا أن ذلك أيضًا من الله تعالى؛ بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان له أن يحيد عن المدينة (كدار) للهجرة ويهاجر إلى غيرها؛ لأن المدينة هي المكان الذي اختاره الله تعالى له، فلا يتركه أبدًا إلى غيره.

وقد وردت هذه الرواية عند البخاري أيضًا: « قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ » . وَهُمَا الْحَرَّتَانِ ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -" [13] وهي بذلك تتلقى مع الأمثلة التي ذكرناها سابقًا."

إن كل ما سبق يعطينا الدليل الأكيد على أن ما يراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء جميعًا أثناء النوم هو من الوحي الذي نلتزم به.

ومن الأدلة العقلية على ذلك: أن ما يراه الناس في نومهم إما أن يكون من الله تعالى أو من الشيطان؛ كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي رواه أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ » . [14] .

والشيطان - كما نعلم- ليس له سلطان على الأنبياء؛ لأن الله تعالى قد عصمهم من كيده فلن يأتيهم في نومهم، ولقد نزع الله تعالى حظَّ الشيطان من نبينا - صلى الله عليه وسلم - في مرحلة مبكرة من عمره- وهو طفل رضيع في بادية بني سعد، فحفظه بذلك من وسوسة الشيطان.

فقد روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتَاهُ جِبْرِيلُ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِى طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِى مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِى ظِئْرَهُ - فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِى صَدْرِهِ. [15] .

فنحن نرى أن الله تعالى قد طهر قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم - منذ صغره, فلم يكن للشيطان عليه سبيل، وما دام الأمر كذلك فإن ما يراه في نومه ليس من قبيل الشيطان أبدًا، وإنما هو وحي من الله تعالى [16] .

قوله:"سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها".

أي: أن ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة أم بعدها داخلٌ في إطار السنَّة، وقد لا يستشكل الأمر بالنسبة لما كان بعد البعثة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - صار بعدها رسولًا، وصرنا مأمورين بالاقتداء به امتثالًا لقوله تعالى: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) ) [الأحزاب:21] . أما قبل البعثة، فلم يكن الوحي ينزل عليه، ولم نكن مأمورين بالاقتداء به، فكيف تعدُّ أحواله قبل البعثة من السنَّة؟

والجوابُ:

أن أحواله وصفاتِه وأخلاقه قبل البعثة دليلٌ أكيد على نبوته وأمارةُ صدقٍ على رسالته فهي داخلة في مفهوم السنَّة، فقد كان يتحنّثُ (يتعبد) في الجاهلية في غار حراء، وكانت الأحجار والأشجار تسلِّم عليه، واشتهر بالصدق والأمانة.

وهذه الصفات وتلك الأخلاق كانت الركائز الأساسية التي اعتمد عليها وهو يدعو قومه.

فمثلًا شهرته بالصِّدق والأمانة قبل بعثته كان دليلًا قويًا على صدق رسالته، وجعل الكفار يعجزون عن اتهامه بضد هذه الصفات، ولقد قالوا عنه: إنه ساحر، أو كاهن، ولكنهم لم يجرءوا أبدًا على اتهامه بعكس الصدق والأمانة، وهذا ما اعتمد عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه في إثبات صدق نبوته حينما نزل عليه الأمر الإلهي: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] .

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ صَعِدَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ « يَا صَبَاحَاهْ » فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا مَا لَكَ قَالَ « أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِى » . قَالُوا بَلَى . قَالَ « فَإِنِّى نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ ) [17] .

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبدأ حديثه معهم بالإنذار مباشرةً، وإنما أخذ منهم إقرارًا بصدقه - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته، إذن فهو صادقٌ اليوم في رسالته.

وهذا - أيضًا - هو الذي اعتمد عليه هرقل ملك الروم في إثباته لصدق نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قصة طويلة ذكرها البخاري وغيره - أثناء حديث هرقل مع أبي سفيان - حينما سأل أبا سفيان الذي كان لا يزال حتى وقت سؤال هرقل له مشركًا [18] .

لقد جاء كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام - فأراد أن يعرف بعض أحوال هذا النبي الجديد - فجاءوا له بأبي سفيان فقال: كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِى عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ . قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لاَ . قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لاَ . قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ . قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ . قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لاَ . قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لاَ . قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لاَ ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةٍ لاَ نَدْرِى مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا . قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّى كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ . قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ . قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ . قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ . فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ ، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ ، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ ، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ . فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنِ ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ ، فَلَوْ أَنِّى أَعْلَمُ أَنِّى أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ [19] ..

ولقد صدقت توقعات هرقل، فبعد مضي ما لا يزيد على سبع سنوات فتح الله بلاد الشام للمسلمين بعد أن كان يحكمها الروم، وخرج هرقل من حمص التي كان يقيم بها.

والمهم في ذلك كله أن كثيرًا من أحواله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة تعطي الأدلة الواضحة على صدق رسالته بعد البعثة، وهذا ما جعل العلماء يعتبرونها جزءًا من السنة.

ـــــــــــــــ

(1) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 5 / ص 167)

(2) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 9 / ص 419) رقم القصيدة: 13788

(3) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا » . وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ « بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ » . صحيح مسلم (6706 )

(4) - صحيح البخارى (2654 ) ومسلم (269 )

(5) - مسند أحمد (4530) وهو صحيح

(6) - صحيح البخارى (6417 )

(7) - سنن ابن ماجه (1616 ) وهو صحيح

(8) - سنن النسائى (3445 ) صحيح

(9) - صحيح البخارى (3 ) مطولا

(10) - صحيح البخارى (3895 )

(11) - صحيح البخارى (116 ) ومسلم (6642 )

(12) - صحيح البخارى (3622 ) - الوهل: الاعتقاد والظن

(13) - البخاري (2297 )

(14) - صحيح البخارى (3292 )

(15) - صحيح مسلم (431 )

المخيط: الإبرة الظئر: المرضعة غير ولدها ويقع على الرجل والمرأة العلقة: الدم الغليظ المنعقد لأمه: ضم بعضه إلى بعض المنتقع: المتغير اللون

(16) - انظر تيسير اللطيف الخبير، ص:25-27.

(17) - صحيح البخارى (4801 ) تب: خسر

(18) - كان سؤال هرقل في السنة السابعة للهجرة وأسلم أبو سفيان بعد ذلك في السنة الثامنة عند فتح مكة.

(19) - صحيح البخارى (7 ) مطولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت