فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 522

ـ 4 ـ

1-تعريفُه:

أ) لغة: المُتفقُ اسم فاعل من"الاتفاق"المُفترقُ اسم فاعل من"الافتراق"ضد الاتفاق.

ب) اصطلاحًا: أن تتفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم فصاعدا خطا ولفظًا ، وتختلف أشخاصهم ، ومن ذلك أن تتفق أسماؤهم وكناهم ، أو أسماؤهم ونسبتهم ، ونحو ذلك.

وأما الاتفاق في الاسم فقط ، فالإشكال فيه قليل نادر ، والتعريف إنما يكون على الغالب الذي هو مثال الإشكال ، ويذكر ذلك في المطولات ، وهو إلى نوع المهمل أقرب .

2-أقسامُه [2] :

وذلكَ ينقسمُ إلى ثمانيةِ أقسامٍ:

الأولُ: مَنِ اتفقتْ أسماؤهمْ ، وأسماءُ آبائهم ، مثالُهُ: الخليلُ بنُ أحمدَ ، سِتَّةُ رجالٍ، ذكرَ الخطيبُ منهم اثنينِ فقطْ ، وهما الأولانِ ، فالأولُ: الخليلُ بنُ أحمدَ بنِ عمرِو بنِ تميمٍ، أبو عبد الرحمنِ الأزديُّ الفراهيديُّ البصريُّ النَّحويُّ -صاحبُ العروضِ- وهوَ أولُ مَنِ استخرجهُ ، وصاحبُ كتابِ"العَيْنِ"في اللغةِ ، وشيخُ سيبويهِ ، روى عن عاصمٍ الأحولِ ، وآخرينَ ، ذكرَهُ ابنُ حِبَّانَ في"الثقاتِ"، مولدُهُ سنةُ مائةٍ ، واخْتُلِفَ في وفاتِهِ ، فقيلَ: سنةُ سبعينَ ومائةٍ ، وقيلَ: سنةُ بضعٍ وستينَ ، وقيلَ: سنةُ خمسٍ وسبعينَ ، [3] قالَ أبو بكرِ بنُ أبي خيثمةَ: أولُ مَنْ سُمِّيَ في الإسلامِ أحمدُ: أبو الخليلِ بنُ أحمدَ العروضيُّ ، وكذا قالَ المبردُ: فَتَّشَ المفتشونَ فما وجدوا بعدَ نبيِّنَا ( - صلى الله عليه وسلم - ) مَنِ اسمُهُ أحمدُ قبلَ أبي الخليلِ بنِ أحمدَ. انتهى.

واعْتُرِضَ على هذهِ المقالَةِ بأبي السَّفَرِ سعيدِ بنِ أحمدَ ، فإنَّهُ أقدمُ ، وأجيبَ: بأنَّ أكثرَ أهلِ العلمِ قالوا فيه: يُحْمَدُ - بالياءِ - وقالَهُ ابنُ معينٍ: أحمدُ .

والثاني: الخليلُ بنُ أحمدَ أبو بشرٍ المزنيُّ ، ويقالُ السلميُّ بصريُّ أيضًا ، روى عنِ المُسْتَنِيْرِ بنِ أخضرَ ، روى عنهُ محمدُ بنُ يحيى بنِ أبي سمينةَ ، وعبدُ اللهُ بنُ محمدِ المسنديُّ ، والعباسُ بنُ عبدِ العظيمِ العَنْبَرِيُّ ، ذكرهُ ابنُ حبانَ في"الثقاتِ"أيضًا، وقالَ النسائيُّ في"الكُنى": أبو بِشْرٍ خليلُ بنُ أحمدَ بنِ بصريٌّ - وليسَ بصاحبِ العروضِ - قالَ الخطيبُ: ورأيتُ شيخًا منْ شيوخِ أصحابِ الحديثِ ، يشارُ إليهِ بالفهمِ والمعرفةِ قدْ جمعَ أخبارَ الخليلِ بنِ أحمدَ العروضيِّ ، وما رُويَ عنهُ فأدخلَ في جمعهِ حديثَ الخليلِ بنِ أحمدَ هذا. قالَ: ولو أنعمَ النظرَ لعلمَ أنَّ ابنَ أبي سمينةَ ، والمسنديَّ ، وعباسًا العنبريَّ ، يصغرونَ عنْ إدراكِ الخليلِ بنِ أحمدَ العروضيِّ ؛ لأنَّهُ قديمٌ .

قلتُ: قدْ ذكرَ البخاريُّ في"التاريخِ الكبيرِ": أنَّ عبدَ اللهِ بنَ محمدٍ الجعفيَّ - وهوَ المسنديُّ - سمعَ منْ خليلِ بنِ أحمدَ النحويِّ -صاحبِ العروضِ-، عن عثمانَ بنِ حاضرٍ ، فاللهُ أعلمُ . وكلامُ البخاريِّ يقتضي: أنَّ هاتينِ الترجمتينِ واحدةٌ ، وقدْ فرَّقَ بينهما النسائيُّ ، وابنُ حبانَ ، والخطيبُ ، وهوَ الظاهرُ ، واللهُ أعلمُ .

والثالثُ: الخليلُ بنُ أحمدَ بصريٌّ أيضًا ، يروي عن عكرمةَ ، ذكرهُ أبو الفضلِ الهَرَويُّ في كتابِ"مشتبهِ أسماءِ المحدثينَ"، فيما حكاهُ ابنُ الجوزيِّ في"التلقيحِ"عن خطِّ شيخهِ عبدِ الوهابِ الأنماطيِّ عنهُ .

قلتُ: وأخشى أنْ يكونَ هذا هوَ الخليلُ بنُ أحمدَ النَّحْويُّ ، فإنَّهُ روى عن غير واحدٍ منَ التابعينَ .

والرابعُ: الخليلُ بنُ أحمدَ بنِ الخليلِ ، أبو سعيدٍ السِّجْزِيُّ الفقيهُ الحَنَفِيُّ ، قاضي سمرقندَ ، توفيَ بها سنةَ ثمانٍ وسبعينَ وثلاثمائةٍ ، حدَّثَ عنِ ابنِ خُزيمةَ ، وابنِ صاعدٍ والبغويِّ ، وغيرِهمْ . سَمِعَ منهُ الحاكمُ وذكرهُ في"تاريخِ نيسابورَ".

والخامسُ: الخليلُ بنُ أحمدَ ، أبو سعيدٍ البُسْتِيُّ القاضي المهلَّبِيُّ . ذكرَ ابنُ الصلاحِ: أنَّهُ سَمِعَ منَ الخليلِ بنِ أحمدَ السجزيِّ المذكورِ ، ومن أحمدَ بنِ المظَفَّرِ البكريِّ ، وغيرِهما ، حدَّثَ عنهُ البيهَقِيُّ .

والسادسُ: الخليلُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ ، أبو سعيدٍ البستيُّ الفقيهُ الشافعيُّ . ذكرَهُ الحُمَيديُّ في"تاريخِ الأندلسِ". وذكرَ ابنُ بَشْكُوَالَ في"الصلةِ": أنَّهُ قَدِمَ الأندلسَ منَ العراقِ في سنةِ اثنتينِ وعشرينَ وأربعمائةٍ ، وروى عنْ أبي محمدِ بنِ النحاسِ بمصرَ ، وأبي سعيدٍ المالينيِّ ، وأبي حامدٍ الإسفرايينيِّ ، وغيرِهم . وحكى عنْ أبي محمدِ بنِ خزرجٍ أنَّ مولدَهُ سنةُ ستينَ وثلاثمائةٍ، روى عنهُ أبو العباسِ أحمدُ بنُ عمرَ العُذْرِيُّ . قلتُ: وأخشى أيضًا أنْ يكونَ هذا هوَ الذي قبلهُ ؛ ولكنْ هكذا فرَّقَ بينهما ابنُ الصلاحِ ، فاللهُ أعلمُ .

وقدْ أسقطتُ منَ السِتَّةِ الذينَ ذكرَهم ابنُ الصلاحِ واحدًا ، وهوَ الخليلُ بنُ أحمدَ، أصبهانيٌّ يروي عنْ رَوْحِ بنِ عُبَادةَ ؛ لأنَّهُ وهمَ فيهِ، وإنما هوَ الخليلُ ابنُ محمدٍ ، ووهِمَ فيهِ قبْلَهُ ابنُ الجوزيِّ ، وأبو الفضلِ الهرويُّ ، فإنَّهُ عدَّهُ فيمَنْ اسمُهُ الخليلُ بنُ أحمدَ وهوَ في"تاريخِ أصبهانَ"لأبي نُعيمٍ على الصوابِ: الخليلُ بنُ محمدٍ أبو العباسِ العجليُّ ، وروى من طريقِهِ عِدَّةَ أحاديثَ . وجعلتُ مكانهُ الخليلَ بنَ أحمدَ البصريَّ ، الذي يروي عن عكرمةَ كما ذكرهُ أبو الفضلِ الهَرَويُّ إنْ لَمْ يكنْ هوَ الخليلَ النحويَّ . وسأذكرُ بعدَ هذا جماعةً يعوضُ منهم عن هذينِ الاسمينِ ، إنْ كانا مكررينِ .

وقدْ وقعَ في أصلِ سماعنا من"صحيحِ ابنِ حبَّانَ"في النوعِ التاسعِ والمائةِ منَ القسمِ الثاني: أخبرنا الخليلُ بنُ أحمدَ بواسطَ ، قالَ: حَدَّثَنَا جابرُ بنُ الكرديِّ فذكرَ حديثًا ، قلتُ: والظاهرُ أنَّهُ الخليلُ بنُ محمدٍ ، فإنَّهُ سَمِعَ منهُ بواسطَ عدةَ أحاديثَ متفرِّقةٍ في أنواعِ الكتابِ ، ونبَّهتُ عليهِ لِئلاَّ يُغْتَرَّ بهِ ويُسْتَدْرَكُ .

وممَّنْ سُمِّيَ أيضًا الخليلُ بنُ أحمدَ: الخليلُ بنُ أحمدَ البغداديُّ، يروي عن يسارِ بنِ حاتمٍ ، ذكرَهُ ابنُ النجارِ في"الذيلِ". والخليلُ بنُ أحمدَ أبو القاسمِ الشاعرُ المصريُّ روى عنهُ الحافظُ أبو القاسمِ بنُ الطحانِ ، وذكرَهُ في ذيلِهِ على"تاريخِ مصرَ"، وقالَ: توفيَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وثلاثمائةٍ . والخليلُ ابنُ أحمدَ ابنِ عليٍّ أبو طاهرٍ الجَوْسقَيُّ الصرصريُّ ، سَمِعَ منْ أبيهِ ، وابنِ البطيِّ وشُهْدَةَ وغيرِهم ، روى عنهُ الحافظانِ: ابنُ النجارِ ، وابنُ الدبيثيِّ ، وذكرَهُ كلٌّ منهما في"الذيلِ"، وتوفيَ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وستمائةٍ ، قالَهُ ابنُ النجارِ .

هذا مثالُ القسمِ الثاني مِنْ أقسامِ المتفقِ والمفترقِ، وهوَ أنْ تتفقَ أسماؤهمْ وأسماءُ آبائهم وأجدادِهمْ ، نحوُ: أحمدَ بنِ جعفرِ بنِ حَمْدانَ ، أربعةٌ متعاصرونَ في طبقةِ واحدةٍ .

فالأولُ: أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ بنِ مالكٍ ، أبو بكرٍ البغداديُّ القطيعيُّ ، سمِعَ من عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنَ حنبلٍ المسندَ ، والزهدَ . توفيَ سنةَ ثمانٍ وستينَ وثلاثمائةٍ ، وروى عنهُ أبو نعيمٍ الأصبهانيُّ ، وآخرونَ كثيرونَ .

والثاني: أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ بنِ عيسى السَّقَطيُّ البَصْريُّ ، يُكنَّى أبا بكرٍ أيضًا ، يروي عنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الدَّوْرقيِّ وغيرهِ ، وروى عنهُ أبو نُعيمٍ أيضاُ وغيرُهُ. وتوفيَ سنةَ أربعٍ وستينَ وثلاثمائةٍ ، وقدْ جاوزَ المائةَ .

والثالثُ: أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ الدِّيْنَوريُّ ، حدَّثَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ سنانٍ الروحيِّ ، روى عنهُ عليُّ بنُ القاسمِ بنِ شاذانَ الرازيُّ وغيرُهُ .

والرابعُ: أحمدُ بنُ جعفرِ بنُ حمدانَ أبو الحسنِ الطَّرَسُوْسيُّ، روى عنْ عبدِ اللهِ بن جابرٍ ، ومحمدِ بنِ حصنِ بنِ خالدٍ الطَّرَسُوسيَّيْنِ ، وروى عنهُ القاضي أبو الحسنِ الخطيبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ الخصيْبيُّ المصريُّ .

ومنْ غرائبِ الاتفاقِ في ذلكَ: محمدُ بنُ جعفرِ بنِ محمدٍ ، ثلاثةٌ متعاصرونَ ماتوا في سنةٍ واحدةٍ ، وكلٌّ منهمْ في عشرِ المائةِ ، وهمْ:

-أبو بكرٍ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ محمدِ بنِ الهيثمِ الأنباريُّ البُنْدَارُ .

-والحافظُ أبو عمرٍو محمدُ بنُ جعفرِ بنِ محمدِ بنِ مطرٍ النيسابوريُّ .

-وأبو بكرٍ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ محمدِ بنِ كنانةَ البغداديُّ .

ماتوا في سنةِ ستينَ وثلاثمائةٍ .

هذا مثالٌ للقسمِ الثالثِ: وهوَ أنْ تتفقَ الكُنْيَةُ والنِّسْبَةُ معًا ، نحو أبي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ ، رجلانِ .

فالأولُ: بصريٌّ ، وهوَ أبو عِمْرانَ عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ الجَوْنِيُّ التابعيُّ المشهورُ، وسمَّاهُ الفلاَّسُ: عبدَ الرحمنِ ، ولَمْ يُتَابَعْ على ذلكَ ، وتوفي سنةَ تسعٍ وعشرينَ ومائةٍ ، وقيلَ: سنةُ ثمانٍ وعشرينَ ، وقيلَ: سنةُ ثلاثٍ وعشرينَ .

والثاني: متأخرُ الطبقةِ عنهُ ، وهوَ: أبو عمرانَ موسى بنُ سهلِ بنِ عبدِ الحميدِ الجَوْنيُّ ، روى عنِ الربيعِ بنِ سليمانَ وطبقتِهِ ، روى عنهُ الإسماعيليُّ والطبرانيُّ ، وغيرهما . وهوَ بصريٌّ ، سكنَ بغدادَ . وبغدانُ - بالنونِ - لغةٌ فيها .

ومِنْ ذلكَ: أبو عمر الحوضيُّ اثنانِ ذكرهما الخطيبُ .

هذا مثالٌ للقسمِ الرابعِ: وهوَ أنْ يتفقَ الاسمُ واسمُ الأبِ والنسبةُ ، نحوُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ ، رجلانِ متقاربانِ في الطبقةِ .

فالأولُ: القاضي أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المثنَّى بنِ عبدِ اللهِ بنِ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريُّ البصريُّ ، شيخُ البخاريِّ ، وصاحبُ الجزءِ المشهورِ ، توفيَ سنةَ خمسَ عشرةَ ومائتينِ ، عنْ سبعٍ وتسعينَ سنةً .

والثاني: أبو سَلَمَةَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ الأنصاريُّ مولاهُمْ ، بصريٌّ أيضًا ، ضعَّفَهُ العقيليُّ ، وأبو أحمدَ الحاكمُ ، وابنُ حبانَ ، وغيرُهم . قيلَ: إنَّهُ جاوزَ المائةَ . وقدِ اقتصرَ ابنُ الصلاحِ على هاتينِ الترجمتينِ تبعًا للخطيبِ . وقالَ الحافظُ أبو الحجاجِ المزيُّ في"التهذيبِ":"محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ: ثلاثةٌ"، فذكرَ المتقدمينَ وزادَ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ حفصِ بنِ هشامِ بنِ زيدِ بنِ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريَّ ، وهوَ بصريٌّ أيضًا ، روى عنهُ ابنُ ماجه ، وذكرَهُ ابنُ حبانَ في"الثقاتِ". قلتُ: وممَّنِ اشتركَ معهمْ في هذا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّهِ الأنصاريُّ ، وإنما اقتصرَ الخطيبُ على المذْكُوْرَيْنِ أولًا ؛ لتقاربهما في الطبقةِ ، اشتركا في الروايةِ عنْ حُمَيْدٍ الطويلِ ، وسليمانَ التيميِّ ، ومالكِ بنِ دينارٍ ، وقرَّةَ بنِ خالدٍ .

وأمَّا الثالثُ: فإنَّهُ متأخرُ الطبقةِ عنهما ، روى عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ المثنى الأنصاريِّ المذكورِ أولًا . وأمَّا الرابعُ: فمتقدمُ الطبقةِ عليهما ذكرَهُ ابنُ حبانَ في ثقاتِ التابعينَ ، واللهُ أعلمُ.

هذا مثالٌ لقسمٍ خامسٍ من هذا النوعِ لَمْ يفردْهُ ابنُ الصلاحِ بالتقسيمِ؛ وإنما أدخلهُ في القسمِ الثالثِ ، وقالَ:"إنَّهُ ممَّا يقاربهُ"، وهوَ أنْ تتفقَ كُناهمْ ، وأسماءُ أبائهمْ ، نحوُ أبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ ، ثلاثةٌ:

فالأولُ: أبو بكرِ بنُ عياشِ بنِ سالمٍ الأسديُّ الكوفيُّ المقرئُ راوي قراءةِ عاصمٍ ، اخْتُلِفَ في اسمِهِ على أحدَ عشرَ قولًا ، وقدْ تقدَّمَ في القسمِ الأولِ منَ الأسماءِ والكنى أنَّ أبا زُرعةَ صحَّحَ أنَّ اسمَهُ شُعبةُ ، وصحَّحَ ابنُ الصلاحِ ، والمزيُّ أنَّ اسمَهُ كنيتُهُ. ماتَ في عشرِ المائةِ ، قيلَ: سنةُ اثنتينِ وتسعينَ ومائةٍ ، وقيلَ: ثلاثٌ ، وقيلَ: أربعٌ.

والثاني: أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ الحِمْصِيُّ ، روى عنْ عثمانَ بنِ شباكٍ الشاميِّ ، وروى عنهُ جعفرُ بنُ عبدِ الواحدِ الهاشميُّ . قالَ الخطيبُ: وعثمانُ ، وأبو بكرٍ مجهولانِ ، وجعفرٌ كانَ غيرَ ثقةٍ .

والثالثُ: أبو بكرِ بنُ عياشِ بنِ حازمٍ السلميُّ ، مولاهمْ البَاجَدَّائيُّ ، اسمُهُ حُسينٌ ، روى عنْ جعفرِ بنِ بُرْقانَ ، روى عنهُ عليُّ بنُ جميلٍ الرَّقِّيُّ ، وغيرُهُ . قالَ الخطيبُ: وكانَ فاضلًا أديبًا ، ولهُ كتابٌ مصنفٌ في غريبِ الحديثِ . ماتَ سنةَ أربعٍ ومائتينِ ، بباجدَّاءَ ، قالَهُ: هلالُ بنُ العلاءِ .

هذا مثالٌ لقسمٍ سادسٍ من هذا النوعِ: وهوَ عكسُ ما قبلَهُ: أنْ تتفقَ أسماؤُهمْ ، وكنى آبائِهمْ ، نحو صالحِ بنِ أبي صالحٍ ، أربعةٌ ، كلُّهمْ منَ التابعينَ ، ولَمْ يذكرِ الخطيبُ في كتابِهِ إلاَّ الثلاثةَ الأولينَ .

فالأولُ: صالحُ بنُ أبي صالحٍ ، أبو محمدٍ المدنيُّ ، واسمُ أبي صالحٍ: نَبْهانُ وقالَ أبو زرعةَ: هوَ صالحُ بنُ صالحِ بنِ نبهانَ ، وكنيةُ نبهانَ: أبو صالحٍ ، وهوَ صالحٌ مولى التوأمةِ بنتِ أميةَ بنِ خلفٍ الجمحيِّ ، روى عنْ أبي هريرةَ ، وابنِ عباسٍ ، وأنسٍ ، وغيرِهمْ منَ الصحابةِ . مختلفٌ في الاحتجاجِ بهِ ، توفيَ سنةَ خمسٍ وعشرينَ ومائةٍ .

والثاني: صالحُ بنُ أبي صالحٍ السَّمَّانُ ، واسمُ أبي صالحٍ: ذَكْوَانُ أبو عبدِ الرحمنِ المدنيُّ ، روى عنْ أنسٍ ، روى لهُ مسلمٌ ، والترمذيُّ حديثًا واحدًا .

والثالثُ: صالحُ بنُ أبي صالحٍ السَّدُوسِيُّ ، روى عنْ عليٍّ ، وعائشةَ ، روى عنهُ خلادُ بنُ عمرٍو ، ذكرَهُ البخاريُّ في"التاريخِ"، وابنُ حبَّانَ في"الثقاتِ".

والرابعُ: صالحُ بنُ أبي صالحٍ المخزوميُّ الكوفيُّ، مولى عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ ، واسمُ أبي صالحٍ: مِهْرَانُ ، روى عن أبي هريرةَ ، روى عنهُ أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ ، ذكرَهُ البخاريُّ في"التاريخِ"، ولهُ عندَ الترمذيِّ حديثٌ. ضعَّفَهُ يحيى بنُ معينٍ ، وجهَّلَهُ النسائيُّ . وهذا الرابعُ لَمْ يذكرْهُ الخطيبُ .

قلتُ: وممَّا لَمْ يذكراهُ: صالحُ بنُ أبي صالحٍ الأسديُّ ، روى عنِ الشعبيِّ ، روى عنهُ زكريا بنُ أبي زائدةَ، ذكرَهُ البخاريُّ في"التاريخِ"، وروى لهُ النسائيُّ حديثًا ، وإنما لَمْ يذكراهُ ؛ لكونهِ متأخّرَ الطبقةِ عنِ الأربعةِ المذكورينَ . وأيضًا فَسَمَّاهُ بعضُهمْ: صالحَ بنَ صالحٍ الأسديَّ ، قالَ البخاريُّ: وصالحُ بنُ أبي صالحٍ أصحُّ.

ومنْ أقسامِ المتفقِ والمفترقِ - وهوَ القسمُ السابعُ منهُ: أنْ يتفقَ الاسمُ فقطْ ، ويقعَ في السندِ ذكرُ الاسمِ فقطْ ، مهملًا من غيرِ ذكرِ أبيهِ أو نسبةٍ تُمَيِّزُهُ ، ونحو ذلكَ . وكذلكَ: أنْ تتفقَ الكنيةُ فقطْ ، ويذكرَ بها في الإسنادِ منْ غيرِ تمييزٍ بغيرها

فمثالُهُ في الاسمِ: أنْ يُطلقَ في الإسنادِ: حَمَّادٌ ، من غيرِ أن يُنْسَبَ ، هلْ هوَ ابنُ زيدٍ أو ابنُ سَلَمةَ ؟ ويتميزُ ذلكَ عندَ أهلِ الحديثِ بحسبِ مَنْ أطلقَ مِنَ الرواةِ عَنْهُ ، فإنْ كانَ الذي أطلقَ الروايةَ عنهُ سُليمانُ بنُ حَرْبٍ أو عارمٌ ، فالمرادُ حينئذٍ: حَمَّادُ بنُ زيدٍ ، قالَهُ محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ ، وكذا قالهُ أبو محمدِ بنُ خلادٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابِ"المحدّثِ الفاصلِ"، والمزيُّ في"التهذيبِ".

وإنْ كانَ الذي أطلقَهُ أبو سلمةَ موسى بنُ إسماعيلَ التَّبُوذكيُّ ، فمرادُهُ: حمادُ بنُ سلمةَ . قالَهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ إلاَّ أنَّ ابنَ الجوزيِّ قالَ في"التلقيحِ": إنَّ التَّبُوذكيَّ ليسَ يروي إلاَّ عنْ حمادِ بنِ سلمةَ خاصةً ، وكذلكَ إذا أطلقهُ عفانُ ، فقدْ روى محمدُ بنُ يحيى الذهليُّ عنْ عفانَ ، قالَ: إذا قلتُ لكمْ حدثنا حمادٌ ، ولَمْ أنسبهُ ، فهوَ ابنُ سلمةَ ، وقالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: إذا قالَ عفانُ: حدثنا حمادٌ أمكنَ أنْ يكونَ أحدهما كذا ، قالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: وهوَ ممكنٌ ، لولا ما حكاهُ الذهليُّ عنْ عفانَ منِ اصطلاحِهِ ، فزالَ أحدُ الاحتمالينِ، وإنْ كانَ ابنُ الصلاحِ حكى القولينِ ، وكذا اقتصرَ المزيُّ في"التهذيبِ"على أنَّ المرادَ: ابنُ سلمةَ ، وهوَ الصوابُ ، واللهُ أعلمُ . وكذا إذا أطلقَ ذلكَ حجاجُ بنُ منهالٍ ، فالمرادُ: ابنُ سلمةَ ، قالَهُ محمدُ بنُ يحيى الذهليُّ، والرَّامَهُرْمُزِيُّ والمزيُّ أيضًا. قلتُ: وكذا إذا أطلقهُ هُدْبةُ بنُ خالدٍ ، فالمرادُ: ابنُ سلمةَ ، قالَهُ المزيُّ في"التهذيبِ".

قلتُ: وإنما يزيدُ الإشكالَ إذا كانَ مَنْ أطلقَ ذلكَ قدْ روى عنهما معًا. أما إذا لَمْ يروِ إلاَّ عنْ أحدِهما ، فلا إشكالَ حينئذٍ عندَ أهلِ المعرفةِ .

وممَّنِ انفردَ بالروايةِ عنْ حمادِ بنِ زيدٍ دونَ ابنِ سلمةَ: أبو الرَّبِيْعِ الزَّهْرانيُّ وقُتَيبةُ ، ومُسَدّدٌ ، وأحمدُ بنُ عبدةَ الضبيُّ ، وآخرونَ .

وممَّنِ انفردَ بحمادِ بنِ سلمةَ ، دونَ حمادِ بنِ زيدٍ: بهزُ بنُ أسدٍ ، وآخرونَ لهمْ موضعٌ غيرُ هذا.

ومثَّلَ ابنُ الصلاحِ أيضًا بما إذا أُطْلِقَ عبدُ اللهِ في السندِ، ثمَّ حَكى عنْ سَلَمةَ بنِ سُليمانَ ، قالَ: إذا قيلَ بمكةَ: عبدُ اللهِ ، فهوَ ابنُ الزبيرِ ، وإذا قيل بالكوفةِ ، فهوَ ابنُ مسعودٍ ، وإذا قيلَ بالبصرةِ ، فهوَ ابنُ عباسٍ ، وإذا قيلَ بخراسانَ ، فهوَ ابنُ المباركِ . وقالَ الخليليُّ في"الإرشادِ":"إذا قالَ المِصْريُّ: عبدَ اللهِ ، فهوَ ابنُ عمرٍو - يعني: ابنَ العاص - وإذا قالَهُ المكيُّ ، فهوَ ابنُ عباسٍ - قلتُ: لكنْ قالَ النَّضْرُ بنُ شُميلٍ: إذا قالَ الشاميُّ: عبدَ اللهِ ، فهوَ ابنُ عمرِو بنِ العاص - قالَ: وإذا قالَ المدنيُّ: عبدَ اللهِ ، فهوَ ابنُ عمرَ". قالَ الخطيبُ: وهذا القولُ صحيحٌ ، قالَ: وكذلكَ يفعلُ بعضُ المصريينَ في عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاص .

ومثَّل ابنُ الصلاحِ لاتفاقِ الكنيةِ بأبي حمزةَ -بالحاءِ والزاي- عنْ ابن عباسٍ إذا أطلقَ ، قالَ: وذَكَرَ بعضُ الحفاظِ أنَّ شعبةَ روى عن سبعةٍ كلُّهم أبو حمزةَ ، عنْ ابنِ عباسٍ ، وكلُّهمْ بالحاءِ والزاي إلاَّ واحدًا ، فإنَّهُ بالجيمِ - أيْ: والراء - وهوَ أبو جَمْرةَ نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبَعِيُّ . فإذا أُطلقَ ، فهوَ نصرُ بنُ عمرانَ ، وإذا رُويَ عنْ غيرِهِ ، فهوَ يذكرُ اسمَهُ ، أوْ نسبَهُ"، واللهُ أعلمُ ."

وللخطيبِ كتابٌ مفيدٌ في هذا القسمِ سمَّاهُ"المكمل في بيانِ المهملِ".

ومنْ أقسامِ المتفقِ والمفترقِ - وهوَ القسمُ الثامنُ منهُ: أنْ يتفقا في النسبِ منْ حيثُ اللفظُ ، ويفترقا من حيثُ إنَّ ما نُسبَ إليهِ أحدُهما ، غيرُ ما نُسِبَ إليهِ الآخرُ .

ولمحمدِ بنِ طاهرٍ المقدسيِّ في هذا القسمِ تصنيفٌ حسنٌ .

نحوُ: الحَنَفِيِّ ، والحنفيِّ فلفظِ النسبِ واحدٌ:

وأحدُهما: منسوبٌ إلى القبيلةِ ، وهمْ بنو حَنِيْفَةَ ، منهمْ: أبو بكرٍ عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ الحنفيُّ ، وأخوهُ أبو عليٍّ عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ الحنفيُّ . أخرجَ لهما الشيخانِ.

والثاني: منسوبٌ إلى مذهبِ أبي حنيفةَ ، وفيهمْ كثرةٌ .

و انسب إلى القسمِ الثاني -وهوَ ما نُسِبَ للمذهبِ- بزيادةِ ياءٍ مثناةٍ منْ تحتُ ، فقلْ: حَنِيْفِيٌّ ، فقد كانَ جماعةٌ منْ أهلِ الحديثِ ، منهمْ: أبو الفضلِ محمَّدُ بنُ طاهرٍ المقدسيُّ ، يفرِّقونَ بينَ النِّسْبةِ للقبيلةِ والمذهبِ بذلكَ .

قالَ ابنُ الصلاحِ [4] :"ولَمْ أجدْ ذلكَ عنْ أحدٍ منَ النَّحْويينَ إلاَّ عنْ أبي بكرِ بنِ الأنبارِيِّ الإمامِ ، قالَهُ في"الكافي"".

ومثَّلَ ابنُ الصلاحِ أيضًا: بالآمُلِي ، والآمُلِي .

فالأولُ: آملُ طَبرسْتَانَ ، قالَ السَّمْعانيُّ:"أكثرُ أهلِ العلمِ منْ أهلِ طَبرسْتَانَ منْ أهلِ آملَ".

والثاني: إلى آمُلَ جيحونَ شُهِرَ بالنسبةِ إليها: عبدُ اللهِ بنُ حمادٍ الآمُليُّ روى عنهُ البخاريُّ في"صحيحِهِ"، قالَ: وما ذكرَهُ الغَسَّانيُّ ، ثمَّ القاضي عياضٌ منْ أنَّهُ منسوبٌ إلى آمُلَ طَبرسْتَانَ ، فهوَ خطأٌ . قلتُ: لَمْ يروِ البخاريُّ في"صحيحهِ"عنهُ مصرحًا بنسبِهِ ، ولا بأبيهِ ، وإنما حدَّثَ في موضعٍ ، عنْ عبدِ اللهِ -غيرَ منسوبٍ- عنْ يحيى بنِ معينٍ . وفي موضعٍ آخرَ: عنْ عبدِ اللهِ - غيرَ منسوبٍ - عنْ سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، فاختُلِفَ في مرادِهِ بعبدِ اللهِ ، فقيلَ: هوَ الآمُلي ، قالَهُ الكلاباذيُّ ، وقيلَ: هوَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ القاضي الخوَارِزْميُّ ، وهوَ الظاهرُ ؛ فإنَّهُ روى في"كتابِ الضعفاءِ"مصرّحًا بهِ عدَّةَ أحاديثَ ، عنْ سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، وغيرِهِ .

3-أهميته وفائدته:

ومعرفة هذا النوع مهم جدًا ، فقد زلق بسبب الجهل به غير واحد من أكابر العلماء . ومن فوائده:

عدم ظن المشتركين في الاسم واحدًا ، مع أنهم جماعة . وهو عكس"المُهمل"الذي يُخشى منه أن يُظن الواحد اثنين [5]

التمييز بين المشتركين في الاسم، فربما يكون أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا، فيضعف ما هو صحيح أو بالعكس.

4-متى يَحْسُنُ إيرادهُ ؟

ويحسن إيراد المثال فيما إذا اشترك الراويان أو الرواة في الاسم ، وكانوا في عصر واحد ، واشتركوا في بعض الشيوخ أو الرواة عنهم ، أما إذا كانوا في عصور متباعدة فلا إشكال في أسمائهم .

5-أشهر المصنفات فيه:

كتاب"المُتَّفِق والمُفْترق"للخطيب البغدادي، وهو كتاب حافل نفيس ، وهو مطبوع

دراسة وتحقيق الدكتور محمد صادق الحامدي ، دار القادري ، دمشق 1988

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 81) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 3 / ص 8) و تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 37) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 76) ومنظومة مصباح الراوي في علم الحديث - (ج 1 / ص 123) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 258)

(2) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 258)

(3) - انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (7/430) فما بعدها والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 11 / ص 331)

(4) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 81)

(5) - انظر شرح النخبة ص 68 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت