فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 522

المبحثُ الأولُ

تعريفُ السُّنَّةِ

جرت سنَّةُ العلماء والباحثين أن يصدروا مؤلفاتهم وبحوثهم بالتعريفات اللغوية والاصطلاحية لعلومهم، فإن التعريف يضع شمعةً أمام القارئ تظهر له ملامح هذا العلم، ويفتح نافذةً تطلُّ على خصائصه ومضمونه وأهميته، وعلى هذا السنن أسير، فأقول وبالله تعالى التوفيق.

السنَّةُ لغةً [1] :

السنة في اللغة مشتقةٌ من الفعلِ"سنّ"بفتح السين المهملة وتشديد النون، ولهذا الفعل عدة معانٍ لغوية ، منها:

1.الصقلُ: يقال: سنّ فلان السكين إذا حدّها وصقلها.

2.الابتداءُ: يقال: سنّ فلان العمل بكذا، أي: ابتدأ به، وبهذا الإطلاق اللغوي جاءت في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ دَمِهَا - لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلًا » . [2] .

وهكذا فإن العرب تطلق على كل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم من بعده، بأنه هو الذي سنّه، ومن هذا المعنى قول نصيب [3] :

كأَني سَنَنتُ الحُبَّ أَوَّلَ عاشِقٍ من الناسِ إِذ أَحْبَبْتُ من بَيْنِهم وَحْدِي

3.العناية بالشيء ورعايته: يقالُ: سنّ الإبل إذا أحسن رعايتها والعناية بها، والفعل الذي داوم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - سمي سنة بمعنى: أنه - صلى الله عليه وسلم - أحسن رعايته وإدامته [4] .

4.السيرة المستمرة والطريقة المتبعة سواء كانت حسنةً أو سيئةً: وأصلها اللغوي مأخوذ من قولك: سننتُ الماء إذا واليت صبَّه، فشبهت العرب الطريقة المتبعة والسيرة المستمرة بالشيء المصبوب لتوالي أجزائه على نهج واحد، ومن هذا المعنى قول خالد بن عتبة الهذلي [5] :

فلا تَجْزَعَنْ من سِيرةٍ أَنتَ سِرْتَها فأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً من يَسِيرُها

وبهذا الإطلاق اللغوي جاءت كلمة السنة في القرآن الكريم، قال تعالى: (( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) ) [فاطر:43] .

وقال تعالى: (( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) ) [الكهف:55] .

كما جاءت في السنة النبوية بهذا المعنى، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ » . [6]

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ » . [7]

وخصَّها بعضُ أهل اللغة بالطريقة المستقيمة الحسنة دون غيرها، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة [8] .

وسنَّةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - تحملُ هذه المعاني اللغوية لما فيها من جريان الأحكام واطرادها، وصقل الحياة الإنسانية بها، فيكون وجه المجتمع السائر على هديها ناضرًا بخيرها وبركتها، ويستفاد من المعاني اللغوية أن السنةَ فيها معنى التكرار والاعتياد، وفيها معنى التقويم، وإمرار الشيء على الشيء من أجل إحداده وصقله [9] .

ومن هنا يتضح لنا: أن السنة إنما تفيد الأمر باتباع طريقة معينة والتزامها، والسير عليها حتى تكون هي الطريق والمسار الذي لا يجوز خلافه في مراد من أمر بالتزامه [10] .

ـــــــــــــــ

(1) - ينظر: تاج العروس (9:243، 244) ، لسان العرب (3:2121) ، المعجم الوسيط (1:455، 456) ، كلها مادة: سنن.

(2) - صحيح البخارى (7321 )

(3) - لسان العرب - (ج 13 / ص 220)

(4) - تفسير الرازي (3:54) .

(5) - لسان العرب - (ج 13 / ص 220)

(6) - صحيح مسلم (2398 )

(7) - صحيح البخارى (7320 )

(8) - إرشاد الفحول (1:155) ، ولسان العرب 13/225)، والمعجم الوسيط (1:455) .

(9) - الفكر المنهجي عند المحدثين، ص: 27.

(10) - السنة في مواجهة أعدائها الدكتور طه الدسوقي، ص: 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت