فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 522

المبحث الثالث:

تنبيهات حول تعارض الجرح والتعديل

التنبيه الأول: ترك التعديل عند ظهور الجرح لا يقدح في شخص المعدل أو علمه .

اعلم أن تقديم الجرح باجتماع الشروط المتقدمة ، فذلك بناء على أن الجارح أتى بزيادة علم ، لم يأت بها أو لم يطلع عليها من عدَّله ، وليس في تقديمه قدح في المعدِّل بهذا الاعتبار .

قال ابن حزم:"التجريح يغلب التعديل ؛ لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل ، وليس هذا تكذيبًا للذي عدَّل ، بل هو تصديق لهما معًا" [1] .

التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود .

الراوي إذا ثبت عدالته وعرفت ثقته وإمامته باتفاق النقاد السالفين ، فتناوله جارح متأخر فتكلم فيه بعد ذلك ، فذلك مما لا يلتفت إليه ، وإن كان ذلك الجارح ممن يفهم هذا الفن ، وإن وجدت لهذا مثالًا فإنك لا تعدم إما نقص الحجة على الجرح ، وإما الخطأ فيه .

سأل أبو عبد الرحمن السلمي الدار قطني عن أبي حامد الشرقي ؟ فقال:"ثقة مأمون إمام"، قال السلمي: فقلت: فما تكلم فيه ابن عقدة ، فقال:"سبحان الله ! وترى فيه مثل كلامه ؟ ولو كان بدل ابن عقدة يحيى بن معين"، قلت: وأبو علي الحافظ كان يقول من ذلك ، فقال:"وما كان محل أبي علي وإن كان مقدمًا في الصنعة أن يسمع كلامه في أبي حامد ، رحم الله أبا حامد ، فإنه صحيح الدين ، صحيح الرواية" [2] .

التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي .

وإنما المقصود إعماله ، وقد يصير إلى النزول بدرجة الراوي عن درجة المتقنين إلى من يقبل حديثه بعد تحقق سلامته من الغلط ، كما قد يعتبر الجرح فيه عند مقارنته بمن هو فوقه ، لا إذا استقل بالرواية ، وقد ينزل به إلى درجة من يرد حديثه الذي ينفرد به ، ويعتبر به عند الموافقة ، وقد يلحق بالمتروكين ، أو الكذابين .

والعبرة بدلالة ذلك الجرح المفسر وأثر قدحه .

التنبيه الرابع: جرى عند علماء هذا الفن أن الراوي إذا اتفق على توثيقه إماما الصناعة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، فإنه جاز بذلك القنطرة .

والمقصود أنه لو جرح فغاية أمره أن يكون لخطأ أخطأه لا يسقط به ، ولا يزيله عن درجة المقبولين ، وإنما قد ينزل به عن درجة المتقنين إلى من يحسن حديثه .

والاستثناء لمن هذه صفته وقع من جهة انتفاء وجود حالة خرجت عما ذكرت من القبول .

مثل: ( حشرج بن نباتة الأشجعي ) ، أنكر عليه البخاري حديث الخلفاء [3] ، وذكره ابن عدي واعتذر عنه ، وأجاب عما أنكر عليه ، ثم قال:"وأحاديثه حسان وإفرادات وغرائب ، وقد قمت بعذره فيما أنكروه عليه ، وهو عندي لا بأس به وبروايته ، على أن أحمد ويحيى قد وثقاه" [4] .

واتفقا على توثيق شهر بن حوشب ، وضعفه بعض الحفاظ ، لكنك لا تجد في المفسر القادح من الجرح ما ينزل به عن رتبة الصدوق الذي يحسن حديثه .

ويشبه هذه الصورة كذلك اتفاق يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي على الرواية عن راو .

وإذا قلنا هذا فيمن وثقوه ، فكذلك وجدناه فيمن جرحوه ، لا يكاد يبرأ .

التنبيه الخامس: الراوي يختلف فيه جرحًا وتعديلًا ، وهو قليل الحديث .

مثل هذا إذا كان جرحه بالخطأ في حديث أو بعض حديثه الذي روى ، فالجرح يلين حديثه ، وينزل بدرجة ذلك الراوي عن درجة من يحتج به ، وإنما يعتبر بحديثه ويستشهد .

ـــــــــــــــ

(1) - الإحكام في أصول الأحكام ( 2 / 146 ) .

(2) - سؤالات السلمي للدارقطني ( النص: 18 ) . أبو حامد هوَ أحمد بن مُحمد بن الحسن النيْسابوري ، من تلامذةِ مُسلم ، وأبو علي هوَ الحسين بنُ علي بن يزيد النيْسابوري ، من كِبار الحُفاظ .

(3) - هوَ حديث رواه عن سعيد بن جُهْمان ، عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذكر الخُلفاء من بعْده: أبي بكر وعمَر وعثْمان . وحوْله تفصيلٌ له مَقام آخر ، وإنما الشاهد مما ذكرْت اتفاق أحمد ويحيى على توثيق حشْرَجٍ .

(4) - الكامل ( 3 / 375 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت