إذا كان سبب الطعن في الراوي هو"الوهم"فحديثه يسمَّى المعلل وهو السبب السادس .
1-تعريفُه [2] :
أ) لغة: اسم مفعول من"أَعَلَّهُ"بكذا فهو"مُعَلٌّ"وهو القياس الصرفي المشهور ، وهو اللغة الفصيحة ، لكن التعبير بـ"المعلل"من أهل الحديث جاء على غير المشهور في اللغة، [3] ومن المحدثين من عبر عنه بـ"المعلول"وهو ضعيف مرذول عند أهل العربية واللغة . [4]
ب) اصطلاحًا: هو الحديث الذي اُطُّلِعَ فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها.
2-أهميته [5] :
"وهذا النَّوع من أجَلِّ أنواع عُلوم الحديث وأشْرَفها وأدقها, وإنَّما يتمكَّن منهُ أهل الحفظ والخِبْرة والفهم الثَّاقب، ولهذا لم يتكلَّم فيه إلاَّ القليل, كابن المَدِيني, وأحمد, والبُخَاري, ويعقُوب بن شَيْبة, وأبي حاتم, وأبي زُرْعة, والدَّارقُطْني."
قال الحاكم [6] : وإنَّما يُعلَّل الحديث من أوجه ليسَ للجرح فيها مَدْخل, والحُجَّة في التَّعليل عندنَا بالحفظ والفَهْمِ والمَعْرفة لا غير.
وقال ابن مَهْدي [7] : لأن أعرف عِلَّة حديث, أحبُّ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليسَ عندي.""
3-تعريفُ العلة:
"والعِلَّة عِبَارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أنَّ الظَّاهر السَّلامة منه."
قال ابن الصَّلاح [8] : فالحديث المُعلَّل ما اطُّلِع فيه على عِلَّة تقدح في صِحَّته مع ظُهور السَّلامة.
ويتطرَّق إلى الإسْنَاد الجَامع شُروط الصحَّة ظَاهرًا, وتُدْرك العلة بتفرُّد الرَّاوي وبمُخَالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تُنبِّه العارف بهذا الشَّأن على وهم وقع ،بإرْسَالٍ في الموصول أو وقفٍ في المرفوع ، [أو دُخُول حديث في حديث, أو غير ذلك, بحيثُ يَغْلُبُ على ظنِّه فيُحكم بعدم صِحَّة الحديث، أو يتردَّد فيتوقَّف فيه وربَّما تَقْصر عِبَارة المُعلَّل عن إقامة الحُجَّة على دعواه, كالصَّيرفي في نقد الدِّينار والدرهم.
قال ابن مهدي [9] : معرفة عِلَّة الحديث إلهام, لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أينَ قلتَ هذا؟ لم يكن له حُجَّة, وكم من شخص لا يهتدي لذلك.
وقيل له أيضًا: إنَّك تقول للشيء: هذا صحيح, وهذا لم يثبت, فعَمَّن تقول ذلك؟ فقال: أرأيتَ لو أتيتَ النَّاقد فأريته دراهمكَ, فقال: هذا جيد, وهذا بهرج, أكنتَ تسأل عَمَّن ذلكَ, أو تُسلم لهُ الأمر؟ قال: بل أُسلِّمُ له الأمر. قال: فهذا كذلك بطُول المُجَالسة والمُنَاظرة والخِبْرة. [10]
وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا ، وأنَّه قيل له: يا أبا عبد الله تقولُ: هذا الحديث منكر ، فكيف علمتَ ولم تكتب الحديث كلَّه ؟ قال: مثلنا كمثل ناقدِ العين لم تقع بيده العَيْنُ كلُّها ، وإذا وقع بيده الدينارُ يعلم أنَّه جيدٌ ، وأنَّه رديء . [11]
وسُئل أبو زُرْعة [12] : ما الحُجَّة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحُجَّة أن تسألني عن حديث له عِلَّة, فأذكر عِلَّته, ثمَّ تقصد ابن وَارة فتسأله عنه, فيذكر عِلَّته, ثمَّ تقصد أبا حاتم فيُعلله, ثمَّ تُميِّز كلامنا على ذلك الحديث, فإن وجدت بيننَا خِلافًا فاعْلم أنَّ كلا مِنَّا تكلَّم على مُراده, وإن وجدت الكلمة مُتفقة, فاعلم حقيقة هذا العِلْم, ففعل الرَّجُل ذلكَ, فاتَّفقت كلمتهم, فقال: أشهدُ أنَّ هذا العلم إلهامٌ.""
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ (الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ) لَهُ [13] :
"سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: جَاءنِي رَجُلٌ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ الرَّأْي، مِنْ أَهْلِ الفَهْمِ مِنْهُم، وَمَعَهُ دَفْتَرٌ، فَعَرَضَهُ عَلَيَّ، فَقُلْتُ فِي بَعْضِه: هَذَا حَدِيْثٌ خَطَأٌ، قَدْ دَخَلَ لِصَاحِبِهِ حَدِيْثٌ فِي حَدِيْثٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَهَذَا مُنْكَرٌ، وَسَائِرُ ذَلِكَ صِحَاح."
فَقَالَ: مِنَ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَاكَ خَطَأٌ، وَذَاكَ بَاطِلٌ، وَذَاكَ كَذِبٌ؟ أَأَخْبَرَكَ رَاوِي هَذَا الكِتَابِ بِأَنِّي غَلِطْتُ، أَوْ بِأَنِي كَذَبْتُ فِي حَدِيْثِ كَذَا؟
قُلْتُ: لاَ، مَا أَدْرِي هَذَا الجُزْء مَنْ رَاوِيْهِ، غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الحَدِيْثَ خَطَأٌ، وَأَنَّ هَذَا بَاطِلٌ.
فَقَالَ: تَدَّعِي الغَيْبَ؟
قُلْتُ: مَا هَذَا ادِّعَاءُ غَيْبٍ.
قَالَ: فَمَا الدَّلِيْلُ عَلَى مَا قُلْتَ؟
قُلْتُ: سَلْ عَمَّا قُلْتُ، مَنْ يُحْسِنُ مِثْلَ مَا أُحْسِنُ، فَإِنْ اتَّفَقْنَا عَلِمْتَ أَنَّا لَمْ نُجَازِفْ وَلَمْ نَقُلْهُ إِلاَّ بِفَهْمٍ.
قَالَ: وَيَقُوْلُ أَبُو زُرْعَةَ كَقَوْلِكَ؟
قُلْتُ: نَعْم.
قَالَ: هَذَا عَجَبٌ.
قَالَ: فَكَتَبَ فِي كَاغَد أَلفَاظِي فِي تِلْكَ الأَحَادِيْثَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، وَقَدْ كَتَبَ أَلْفَاظَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَبُو زُرْعَةَ فِي تِلْكَ الأَحَادِيْثَ، فَقَالَ: مَا قُلْتَ إِنَّهُ كَذِبٌ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هُوَ بَاطِلٌ.
قُلْتُ: الكَذِبُ وَالبَاطِلُ وَاحِدٌ.
قَالَ: وَمَا قُلْتَ إِنَّهُ مُنْكَرٌ، قَالَ: هُوَ مُنْكَرٌ، كَمَا قُلْتَ، وَمَا قُلْتَ: إِنَّهُ صَحِيْحٌ، قَالَ: هُوَ صَحِيْحٌ.
ثُمَّ قَالَ: مَا أَعَجَبَ هَذَا! تَتَّفَقَان مِنْ غَيْر مُوَاطَأَةٍ فِيمَا بَيْنَكُمَا.
قُلْتُ: فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّا لَمْ نُجَازِفْ، وَأَنَّا قُلْنَا بِعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ قَدْ أُوْتِيْنَاهُ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُوْلُهُ أَنَّ دِيْنَارًا بَهْرَجًا يُحْمَلُ إِلَى النَّاقِدِ، فَيَقُوْلُ: هَذَا بَهْرَجٌ.
فَإِنْ قِيْلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ: إِنَّ هَذَا بَهْرَجٌ؟ هَلْ كُنْتَ حَاضِرًا حِيْنَ بُهْرِجَ هَذَا الدِّينَارُ؟
قَالَ: لاَ.
وإِنْ قِيْلَ: أَخْبَرَكَ الَّذِي بَهْرَجَهُ؟
قَالَ: لاَ.
قِيْلَ: فَمَنْ أَيْنَ قُلْت؟
قَالَ: عِلْمًا رُزِقْتُهُ.
وَكَذَلِكَ نَحْنُ رُزِقْنَا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا حُمِلَ إِلَى جَوْهَرِيٍّ فَصُّ يَاقُوْتٍ، وَفَصُّ زُجَاجٍ، يَعرِفُ ذَا مِنْ ذَا، وَيَقُوْلُ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ نَحْنُ رُزِقْنَا عِلْمًا، لاَ يتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ نُخْبِرُكَ كَيْفَ عَلِمْنَا بِأَنَّ هَذَا كَذِبٌ، أَوْ هَذَا مُنْكَرٌ، فَنَعْلَمُ صِحَّةَ الحَدِيْثِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيْهِ، وَأَنْ يَكُوْنَ كَلاَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كَلاَمَ النُّبُوَّةِ، وَنَعْرِفُ سَقَمَهُ وَإِنْكَارَهُ بتَفَرَّدِ مَنْ لَمْ تَصِحَّ عَدَالَتُهُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: قُلْتُ عَلَى بَابِ أَبِي الوَلِيْدِ الطَّيَالِسِيِّ:
مَنْ أَغْرَبَ عَلَيَّ حَدِيْثًا غَرِيْبًا مُسْنَدًا لَمْ أَسْمَعْ بِهِ صَحِيْحًا فَلَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ ثَمَّ خَلْقٌ:
أَبُو زُرْعَةَ، فَمَنْ دُوْنَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرَادِي أَن يُلْقَى عَلَيَّ مَا لَمْ أَسْمَعْ بِهِ، فَيَقُوْلُوْنَ: هُوَ عِنْدَ فُلاَنٍ، فَأَذْهَبُ وَأَسْمَعَهُ، فَلَمْ يَتَهَيَّأَ لأَحَدٍ أَن يُغْرِبَ عَلَيَّ حَدِيْثًا."اهـ"
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله [14] :
"وقال ابنُ مهدي: معرفة الحديث إلهام [15] . وقال: إنكارُنا الحديث عند الجهال كهانةٌ [16] ."
وقال أبو حاتم الرازي [17] : مَثَلُ معرفة الحديث كمثل فصٍّ ثمنه مئة دينار ، وآخر مثله على لونه ، ثمنُه عشرة دراهم ، قال: وكما لا يتهيأ للناقدِ أنْ يُخبر بسبب نقده ، فكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأُ لنا أنْ نُخبِر كيف علمنا بأنَّ هذا حديثٌ كذِبٌ ، وأنَّ هذا حديثٌ مُنكرٌ إلا بما نعرفه ، قال: وتُعرَفُ جودةُ الدينارِ بالقياسِ إلى غيره ، فإنْ تخلف عنه في الحمرة والصَّفاء علم أنَّه مغشوش ، ويُعلم جنسُ الجوهر بالقياس إلى غيره ، فإنْ خالفه في المائيَّة والصَّلابة ، علم أنَّه زجاج ، ويُعلَمُ صحةُ الحديث بعدالة ناقليه وأنْ يكون كلامًا يصلح مثلُه أنْ يكون كلامَ النبوّة ، ويُعرف سُقمه وإنكاره بتفرُّد من لم تصحَّ عدالته بروايته ، والله أعلم.
وبكلِّ حالٍ فالجهابذةُ النقادُ العارفون بعلل الحديث أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جدًا ، وأوَّل من اشتهر بالكلام في نقد الحديث ابنُ سيرين ، ثم خلفه أيوبُ السَّختياني ، وأخذ ذلك عنه شعبةُ، وأخذ عن شعبة يحيى القطّان وابنُ مهدي ، وأخذ عنهما أحمد ، وعليُّ بن المديني ، وابن معين ، وأخذ عنهم مثلُ البخاري وأبي داود وأبي زُرعة وأبي حاتم [18] .
وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قلَّ من يفهم هذا ، وما أعزَّه إذا دفعت هذا عن واحد أو اثنين ، فما أقلَّ من تجد من يُحسن هذا [19] !
ولما مات أبو زرعة ، قال أبو حاتم: ذهب الذي كان يُحسن هذا - يعني: أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق واحد يحسن هذا [20] . وقيل له بعدَ موت أبي زُرعة: تعرف اليوم أحدًا يعرف هذا ؟ قالَ: لا [21] .
وجاء بعد هؤلاء جماعة ، منهم: النَّسائي والعقيلي وابنُ عدي والدارقطني ، وقلَّ من جاء بعدهم ممَّن هوَ بارع في معرفة ذَلِكَ حتَّى قالَ أبو الفرج بن الجوزي في أوَّل كتابه"الموضوعات" [22] : قد قلَّ من يفهم هذا بل عُدِمَ ، والله أعلم .اهـ
4-الطريق إلى معرفة العلة [23] :
"والطَّريق إلى مَعْرفته جمع طرق الحديث, والنَّظر في اختلاف رواته و في ضَبْطهم وإتْقَانهم."
قال ابن المَدِيني [24] : الباب إذَا لم تَجْمع طُرقهُ لم يتبيَّن خَطُؤه.
وكثُرَ التَّعليل بالإرْسَال للموصول ،بأن يَكُون راويه أقوى مِمَّن وصل, وتقع العِلَّة في الإسْنَاد وهو الأكثر, وقد تقع في المتن وما وقع، منهافي الإسْنَاد قد يَقْدح فيه وفي المَتْن أيضًا.""
5-قد تطلق العلة على غير معناها الاصطلاحي:
وقد تُطلق العِلَّة على غير مُقتضاها الَّذي قدمناه من الأسباب القادحة ،ككذب الرَّاوي, وغفلته, وسُوء حفظه, ونحوها من أسباب ضعف الحديث وذلك موجود في كُتب العِلل.
وسمَّى الترمذي النَّسخ عِلَّة.
قال العِرَاقيُّ [25] : فإن أراد به عِلَّة في العمل بالحديث فصحيح, أو في صحته فلا, لأنَّ في الصَّحيح أحاديث كثيرة منسوخة.اهـ
قلتُ:
قد ذكر في العلل في آخر الجامع سنن الترمذى - (ج 14 / ص 134)
أنَّ جَمِيعَ مَا فِى هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْحَدِيثِ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ وَقَدْ أَخَذَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا خَلاَ حَدِيثَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالْمَدِينَةِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ وَلاَ مَطَرٍ. وَحَدِيثُ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فِى الْكِتَابِ.
وفي شرح علل الترمذي لابن رجب - (ج 1 / ص 112) :
كأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى أحاديث الأحكام ، وقد سبق الكلام على هذين الحديثين اللذين أشار إليهما ههنا في موضعهما من الكتاب ، وذكرنا مسالك العلماء فيهما من النسخ وغيره ، وذكرنا أيضًا عن بعضهم بكل واحد منهما .
وقوله: (( قد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب ) )، فإنما بين ما قد يستدل به للنسخ ، لا أنه بين ضعف إسنادهما .
هذا وقد رأيت غير الترمذي أيضًا سمَّى النسخً علَّةً ، ففي علل الحديث لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 118) 114- وَسَمِعْتُ أَبِي وَذَكَرَ الأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ فِي الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
وَحَدِيثَ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فَقَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ ، نَسَخَهُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .
يعني كما في سنن الترمذى (110 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِى أَوَّلِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ نُهِىَ عَنْهَا.
فمع أن أباه لم يذكر في كلامه سوى النسخ ، فقد أدخله في كتاب العلل ، وفي هذا ما يدلُّ على أن النسخ عنده من العلل . والله أعلم .
وورد عنه كذلك كما في علل الحديث - (ج 1 / ص 249) 246- وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدِيث ابن مَسْعُود فِي التطبيق منسوخ ، لأن فِي حَدِيث ابن إدريس ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كليب ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسود ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: أَنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - طبَّق ثُمَّ أُخْبِر سَعْد ، فَقَالَ: صدق أخي ، قد كُنّا نفعل ، ثُمَّ أمرنا بِهَذَا ، يعني بوضع اليدين عَلَى الركبتين والحديث في مسند أبي عوانة (1434 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ فَلَمَّا رَكَعْتُ جَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَضَرَبَ أَبِي يَدِي، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ، هَذَا لَفْظُ الْجُعْفِيِّ وَأَمَّا الْحَسَنُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ ثُمَّ أُمِرْنَا فَنُهِينَا عَنْهُ ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ.""
وأطلقَ بعضهم العِلَّة على مُخَالفة لا تقدح في صحة الحديث, كإرسال ما وصله الثِّقة الضَّابط حتَّى قال: من الصَّحيح صحيحٌ مُعلَّل, كما قيل: منه صحيح شاذ .
وقائل ذلك أبو يَعْلى الخليلي في «الإرْشَاد [26] .
ومثَّل الصَّحيح المُعلَّل بحديث مالك (1806 ) حَدَّثَنِى مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ » . فإنَّه أورده في «الموطأ» مُعضلًا, ورواه عنه إبراهيم بن طَهْمان والنُّعمان بن عبد السَّلام موصولًا.
كما في المعجم الكبير للطبراني - (ج 19 / ص 171) (420 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ , قَالَ: نا أَحْمَدُ بن حَفْصٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بن طَهْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بن أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَجْلانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا يُطِيقُ"، لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ إِلا إِبْرَاهِيمُ، وَالنُّعْمَانُ بن عَبْدِ السَّلامِ التَّيْمِيُّ
وفي مسند البزار (8384) حَدَّثنا الحسين بن علي الحناط ، قال: حَدَّثنا إبراهيم بن أيوب ، قال: حَدَّثنا النعمان ، يعني ابن عَبد السلام ، قال: حَدَّثنا مالك ، عَن مُحَمد بن عجلان ، عَن أبيه ، عَن أبي هُرَيرة ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلاَّ ما يطيق.
ولا نعلم أسند عن ابن عجلان إلاَّ هذا الحديث. [27]
قال: فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحًا يُعتمد عليه.
قيلَ: وذلكَ عكس المُعلَّل, فإنَّه ما ظاهرُه السَّلامة فاطُّلع فيه بعد الفحص على قادحٍ, وهذا كان ظاهره الإعْلال بالإعْضَال, فلمَّا فُتش تبين وصله.اهـ
6-إلى أيِّ إسنادٍ يتطرقُ التعليلُ ؟
يتطرق التعليل إلى الإسناد الجامع شروطَ الصحَّة ظاهرًا، لأن الحديث الضعيف لا يحتاجُ إلى البحث عن علله إذ أنه مردودٌ لا يعملُ به إلا ضمن شروط معينة ، وفي أشياء معينة .
7-ما هو الطريق إلى معرفة المُعَلَّل ؟
الطريق إلى معرفته هو جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة.
8-أين تقع العلة ؟
أ) تقع في الإسناد ـ وهو الأكثر ـ كالتعليل بالوقف والإرسال.
ب) وتقع في المتن ـ وهو الأقل ـ مثل حديث نفي قراءة البسملة في الصلاة.
9-هل العلة في الإسناد تقدح في المتن ؟
أ) قد تقدح في المتن مع قدحها في الإسناد ، وذلك مثل التعليل بالإرسال.
ب) وقد تقدح في الإسناد خاصة ، ويكون المتن صحيحًا
كحديث يَعْلى بن عُبيد الطنافسي [28] أحد رجال الصَّحيح عن سُفيان الثَّوري, عن عَمرو بن دينار عن ابن عُمر عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - حديث: «البَيِّعان بالخِيَار...» غلط يعلى عن سُفيان في قوله: عَمرو بن دينار إنَّما هو عبد الله بن دينار هكذا رَواهُ الأئمة أصْحَاب سُفيان, كأبي نُعيم الفَضْل بن دُكين [29] , ومحمَّد بن يوسف الفِرْيابي [30] , ومخلد بن يزيد [31] وغيرهم. [32]
ومثالُ العِلَّة في المَتْن: ما انفردَ به مسلم في «صحيحه» (918 ) الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنْ عَبْدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لاَ يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِى أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِى آخِرِهَا..
ثمَّ رواه (919 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ أَخْبَرَنِى إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ..
وروى مالك في «المُوطأ» (178 ) وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْتُ وَرَاءَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ كَانَ لاَ يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ..
وزاد فيه الوليد بن مُسلم عن مالك: صَلَّيتُ خلفَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - . [33]
هذا الحديث مَعْلُول, أعلَّهُ الحفَّاظ بوجُوه جمعتها وحررتها في المجلس الرَّابع والعشرين من الأمالي بما لم أُسْبق إليه, وأنا ألخصها هنا:
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 16) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 5) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 107) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 208) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 52) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 251) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 114) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 202) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 17) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 86) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 70) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 211) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 189)
(2) - انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 189)
(3) -لأن المعلل اسم مفعول من"علله"بمعنى ألهاه ، ومنه تعليل الأم ولدها .
(4) - لأن اسم المفعول من الرباعي لا يكون على وزن مفعول، وانظر علوم الحديث ص 81
(5) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 239) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 460) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 416) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 185) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 36) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 190)
(6) - علوم الحديث ص 112-113
(7) - المصدر نفسه ص 112
(8) - علوم الحديث ص 116
(9) - معرفة علوم الحديث ص 113
(10) - كما في تهذيب الكمال 17/439 وأنظر جامع العلوم والحكم 1/94-95 و تهذيب الأسماء 1/284 .
(11) - جامع العلوم والحكم محقق - (ج 29 / ص 19)
(12) - معرفة علوم الحديث ص 113
(13) - سير أعلام النبلاء (13/253-255) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 14) ومقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 314) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 349)
(14) - جامع العلوم والحكم محقق - (ج 29 / ص 19)
(15) - أخرجه: ابن أبي حاتم في"العلل"1/195 .
(16) - أخرجه: ابن أبي حاتم في"العلل"1/196 .
(17) - في"الجرح والتعديل"1/84 ، و"العلل"1/196 .
(18) - انظر: الجرح والتعديل 1/314 .
(19) - ذكره: ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"1/287 .
(20) - ذكره: ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"1/287 - 288 .
(21) - ذكره: ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"1/314 .
(22) - الموضوعات 1/31 .
(23) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 191)
(24) - الجامع لخلاق الراوي وآداب السامع 2/212
(25) - شرح التبصرة 1/239
(27) - والحديث موصول من طرق أخرى أنظرها في المسند الجامع - (ج 17 / ص 530) 13590
(28) - الخليلي في الإرشاد 1/341
(29) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/269و273 وابن عبد البر في التمهيد 14/22
(30) - البخاري (2113 )
(31) - السنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة - (ج 7 / ص 188) (11668)
(32) - انظر الروايات كلها في المسند الجامع - (ج 10 / ص 727) (7730)
(33) - أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 2/228