التعريف ببقية المصطلحات الأخرى التي تشترك معها وعلاقتها بالسنة اتفاقًا واختلافًا، وتلك المصطلحات هي: الحديث - الخبر - الأثر.
أ معنى الحديث [1] :
الحديثُ في اللغة له معان ثلاثة:
الأول: الحديث بمعنى الجديد الذي هو ضد القديم، تقول: لبستُ ثوبًا حديثًا، أي: جديدًا، وركبتُ سيارةً حديثةً، تعني: سيارةً جديدةً.
الثاني: الحديث بمعنى الكلام، ومنه قوله تعالى: (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا ) ) [الزمر:23] ، أي: نزل أحسن الكلام، وقوله تعالى: (( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) ) [المرسلات:50] ، أي: إن لم يؤمنوا بالقرآن الكريم، فبأي كلام بعده يؤمنون.
الثالث: الحديث بمعنى الخبر والنبأ، ومنه قوله تعالى: (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) ) [النازعات:15] ، وقوله تعالى: (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) ) [الغاشية:1] .
الحديثُ اصطلاحًا: للعلماء في تعريفه أقوال:
1.قال جمهور المحدثين: هو: أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن، وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخَلقية، والخُلقية، وسائر أخباره سواءً كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وكذلك أقوال الصحابة والتابعين، وأفعالهم [2] .
وعليه يكون الحديث شاملًا للمرفوع، والموقوف، والمقطوع، ويكون مرادفًا للسنة على القول الثالث.
2.وقيل هو: أقواله - صلى الله عليه وسلم - خاصةً .
فيكون مقابلًا لتعريف السنة على رأي من يعرفها بأنها: الطريقة العملية المتواترة التي بين بها النبي - صلى الله عليه وسلم - - القرآن [3] . وكأن صاحب هذا التعريف استند في تقريره إلى المعنى اللغوي الثاني وهو: أن الحديث يطلق على الكلام قلّ أم كثرَ.
3.وقيل هو: أقواله - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته خاصةً [4] .
وعليه يكون مقصورًا على المرفوع فقط، ويكون مرادفًا للسنَّة على القول الأول، لكن جرى اصطلاح المحدِّثين على أن الحديث إذا أطلق ينصرف إلى ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يستعمل في غيره إلا مقيدًا.
ب- معنى الخبر:
الخبر لغةً: مأخوذٌ من الفعل"خبر"بفتح الخاء المعجمة والباء المنقوطة بواحدة من تحت، ومعناه علم الشيء على حقيقته.
وقيل: هو مشتقٌ من"الخبار"، وهي الأرض الرخوة، لأن الخبر يثير الفائدة كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر ونحوه، وهو عند أهل اللغة: اسم لما ينقل ويتحدث به، والجمع أخبار، مثل: سبب وأسباب [5] .
الخبر اصطلاحًا: للعلماء في تعريفه أقوال:
1.قال جمهور المحدثين: هو: أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن -، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم [6] .
وعليه يكون شاملًا للمرفوع، والموقوف، والمقطوع، ويكون مرادفًا للسنَّة على القول الثالث، وللحديث على القول الأول.
2.وقيل هو: أقواله - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته خاصة [7] .
وعليه يكون مقصورًا على المرفوع، ويكون مرادفًا للسنَّة على القول الأول، وللحديث على القول الثالث.
3.وقيل هو: ما جاء عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين من هذه الأمة أو غيرها من الأمم السابقة، كأن الخبر في هذا الحال خاص بالتاريخ، وليس من الألفاظ المستعملة في اصطلاح المحدثين.
ومن هنا شاع إطلاق"الإخباري"على المشتغل بالتواريخ، بينما شاع إطلاق اسم"المحدِّث"على المشتغل بالسنة النبوية [8] .
وعلى هذا المعنى الأخير تكون العلاقة بين الخبر، والسنة، والحديث هي التباين والتضاد.
4.وقيل هو: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن غيره من الصحابة والتابعين فمن بعدهم [9] .
وعليه يكون شاملًا للمرفوع، والموقوف، والمقطوع، وسائر أنواع الحديث الأخرى، ويكون أعم من السنة والحديث.
ج- معنى الأثر:
الأثر لغةً: مأخوذ من أثرت الشيء - بفتح الهمزة والثاء المثلثة- أي: نقلته أو تتبعته، ومعناه عند أهل اللغة: ما بقي من رسم الشيء وضربة السيف، ويجمع على آثار، مثل: سبب وأسباب [10] .
الأثر اصطلاحًا: للعلماء في تعريفه أقوال:
1.قال جمهور المحدثين: هو أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، وأقوال الصحابة، والتابعين، وأفعالهم [11] .
وعليه يكون شاملًا للمرفوع، والموقوف، والمقطوع، ويكون مرادفًا للسنَّة على القول الثالث، وللحديث وللخبر على القول الأول.وبهذا المعنى سمَّى الحافظُ الطحاوي كتابه:"شرحُ معاني الآثار المختلفة المأثورة".
2.وقال فقهاء خراسان:يطلق الأثر على أقوال الصحابة،والتابعين وأفعالهم فقط [12] .
وعليه يكون مقصورًا على الموقوف والمقطوع فقط، ويكون أخص من السنة على القول الثالث، ومن الحديث، والخبر، على القول الأول.وبهذا المعنى سمى الإمام محمد بن حسن الشيباني كتابه الذي ذكر فيه الآثار الموقوفة بكتاب:"الآثار".
3.وقيل هو: أقواله - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته خاصة [13] .
وعليه يكون مقصورًا على المرفوع، ويكون مساويًا للسنَّة وللحديث وللخبر على بعض الأقوال.
والخلاصةُ:
أن المحدثين تارةً يستعملون الألفاظ الأربعة ويريدون منها: المرفوع فقط.وتارةً يستعملونها ويريدون منها: المرفوع، والموقوف، والمقطوع.وتارةً يخصصون السنَّة: بطريقته - صلى الله عليه وسلم - العملية المتواترة التي بيّن بها القرآن الكريم.
والحديث: بأقواله - صلى الله عليه وسلم - فقط.
والخبر: بالحوادث أو بالوقائع التاريخية.
والأثر: بأقوال وفتاوى الصحابة والتابعين وأفعالهم.
والقرينة هي التي تحدد المراد في كل هذه الاستعمالات.
ـــــــــــــــ
(1) - ينظر: الصحاح للجوهري، مادة (حدث) 1/278، ولسان العرب، نفس المادة 2/796، والقاموس المحيط، نفس المادة 1/170.
(2) - ينظر: الخلاصة للطيبي، ص: 30، وشرح شرح النخبة لملا على القاري، ص: 16، وتدريب الراوي 1/42، وقواعد في علوم الحديث للتهانوي، ص: 24، وظفر الأماني، ص: 32.
(3) - في ضوء هذا التعريف نستطيع فهم كلام عبد الرحمن بن مهدي حينما سئل عن مالك بن أنس والأوزاعي وسفيان بن عيينة فقال:"الأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، ومالك إمام فيهما. وإجابة عبد الرحمن بن مهدي واضحة الدلالة على أن السنة- في مثل هذا الاستعمال - إنما يراد بها الجانب العملي في الإسلام، أما الحديث فهو الاشتغال بما نقل لنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقواله وأفعاله وتقريراته. (ينظر: تنوير الحوالك شرح موطأ مالك 1/3) ."
(4) - ينظر: شرح شرح نخبة الفكر، ص: 16، تدريب الراوي، 1/42، ظفر الأماني، ص: 32.
(5) - ينظر: لسان العرب، مادة: خبر، المصباح المنير 1/ ، وعنها نقل الشوكاني في إرشاد الفحول، ص: 42.
(6) - ينظر: شرح شرح نخبة الفكر، ص: 16، وشرح النخبة، ص: 16، وتدريب الراوي 1/42.
(7) - ينظر: شرح شرح نخبة الفكر، ص: 16، وشرح النخبة، ص: 16، وتدريب الراوي 1/42، وظفر الأماني، ص: 32.
(8) - ينظر: المصادر السابقة.
(9) - ينظر: المصادر السابقة.
(10) - ينظر: لسان العرب، مادة:"أثر"1/25، الصحاح للجوهري 2/574، المعجم الوسيط 1/5.
(11) - ينظر: شرح شرح نخبة الفكر، ص: 16، تدريب الراوي 1/42، ظفر الأماني، ص: 33، قواعد في علوم الحديث، ص: 25.
(12) - ينظر: نفس المصادر السابقة.
(13) - ينظر: نفس المصادر السابقة.