الكلام في الرجال من أجل الاحتياط للدين مشروع بالكتاب والسنة. قال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6 ) )) [الحجرات:6] [1] ،وقال تعالى: (( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ) ) [البقرة:282] .
وقال تعالى: (( وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ) ) [الطلاق:2] وقال تعالى: (( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) ) [المائدة:95] .
ففي الآية الأولى يأمر الله تعالى بالتثبت في الأخبار، وفي الآيات الأخرى يطلب الله تعالى العدل والرضى في الشهود.
ومعلوم أن الأمر بالتثبت في الأخبار في الآية الأولى عام، فالأخبار التي تنقل عن الله ورسوله تدخل فيها دخولًا أوليًا.
وطلب الرضى والعدل في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، الذي هو دين للأمة وتشريع لها، وهو المصدر الثاني في التشريع، أولى من أن يطلب في الشهادة.
وقيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أول من جرح وعدل،روى الخطيب البغدادي [2] عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ , سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ , يَقُولُ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَجُلًا , اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:"ائْذَنُوا لَهُ , فَبِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرِ , أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ"فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ , قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ قَالَ:"يَا عَائِشَةُ , إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ"فَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِلرَّجُلِ"بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ"دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِخْبَارَ الْمُخْبِرِ بِمَا يَكُونُ فِي الرَّجُلِ مِنَ الْعَيْبِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْعِلْمُ وَالدِّينُ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلسَّائِلِ لَيْسَ بِغِيبَةٍ , إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ غِيبَةً لَمَا أَطْلَقَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - , وَإِنَّمَا أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا ذَكَرَ فِيهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ , أَنَّ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الْحَالَةَ الْمَذْمُومَةَ مِنْهُ وَهِيَ الْفُحْشُ فَيَجْتَنِبُوهَا , لَا أَنَّهُ أَرَادَ الطَّعْنَ عَلَيْهِ وَالثَّلْبَ لَهُ , وَكَذَلِكَ أَئِمَّتُنَا فِي الْعِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ , إِنَّمَا أَطْلَقُوا الْجَرْحَ فِيمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لِئَلَّا يَتَغَطَّى أَمْرُهُ عَلَى مَنْ لَا يَخْبُرُهُ , فَيَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ فَيَحْتَجُّ بِخَبَرِهِ , وَالْإِخْبَارُ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ إِذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الَّذِي 73 أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحُرْبيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ , ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ , عَنْ مَالِكٍ , ح , وَأَخْبَرَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَاضِي , حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ , ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ , أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ , طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ , فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ , فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ:"لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ"وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ , ثُمَّ قَالَ:"تلك امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ , فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي"قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ , وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ , انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ , ثُمَّ قَالَ:"انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"فَنَكَحْتُهُ , فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ"فِي هَذَا الْخَبَرِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ إِجَازَةَ الْجَرْحِ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّصِيحَةِ لِتُجْتَنَبَ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ , وَلِيُعْدَلَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِأَخْبَارِهِمْ , لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا ذَكَرَ فِي أَبِي جَهْمٍ"أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَخْبَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ , عِنْدَ مَشُورَةٍ اسْتُشِيرَ فِيهَا , لَا تَتَعَدَّى الْمُسْتَشِيرَ: كَانَ ذِكْرُ الْعُيُوبِ الْكَامِنَةِ فِي بَعْضِ نَقَلَةِ السُّنَنِ الَّتِي يُؤَدِّي السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِهَا عَنْهُمْ وَكَشْفِهَا عَلَيْهِمْ إِلَى تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ , وَإِلَى الْفَسَادِ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ , أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَأَحَقَّ بِالْإِظْهَارِ , وَأَمَّا الْغِيبَةُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَزَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهَا بِقَوْلِهِ:"يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ , لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ"- فَهِيَ ذِكْرُ الرَّجُلِ عُيُوبَ أَخِيهِ يَقْصِدُ بِهَا الْوَضْعَ مِنْهُ وَالتَّنْقِيصَ لَهُ وَالْإِزْرَاءَ بِهِ فِيمَا لَا يَعُودُ إِلَى حُكْمِ النَّصِيحَةِ , وَإِيجَابِ الدِّيَانَةِ مِنَ التَّحْذِيرِ عَنِ ائْتِمَانِ الْخَائِنِ وَقَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَاسْتِمَاعِ شَهَادَةِ الْكَاذِبِ , وَقَدْ تَكُونُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ لَهَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ قَائِلِهَا ففِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ , يَأْثَمُ قَائِلُهَا وَفِي حَالَةٍ أُخْرَى لَا يَأْثَمُ , مِثَالُ ذَلِكَ مَا 74 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَوْزِيُّ , ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا , ثنا أَبُو خَيْثَمَةَ , ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ , عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , أَنَّهَا ذَكَرْتِ امْرَأَةً فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَصِيرَةٌ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"اغْتَبْتِيهَا"
75 وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ النَّحْوِيُّ , ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , ثنا أَبُو الْيَمَانِ , أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ , قَالَ: وَثَنا حَجَّاجٌ , عَنْ جَدِّهِ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَخِي أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيُّ , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا رُهْمٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ , يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَزْوَةَ تَبُوكَ , وَسَاقَ الْحَدِيثَ , إِلَى أَنْ قَالَ: فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُنِي عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ , فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ إِذْ هُوَ يَسْأَلُنِي:"مَا فَعَلَ النَّفَرُ الْبِيضُ"ـ وَقَالَ حَجَّاجٌ: الْحُمْرُ ـ الطِّوَالُ الثِّطَاطُ ؟"فَحَدَّثْتُهُ بِتَخَلُّفِهِمْ ، قَالَ:"مَا فَعَلَ السُّودُ الْجُعْدُ الْقِطَاطُ ـ وَقَالَ حَجَّاجٌ: ـ الْقِصَارُ الَّذِينَ لَهُمْ نَعَمٌ بِشَبَكَةِ شَرَحَ"وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فَالْكَلِمَتَانِ فِي الْقِصَرِ لَفْظُهُمَا وَاحِدٌ , وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ , لِأَنَّ عَائِشَةَ قَصَدَتِ الْعَيْبَ وَالذَّمَّ , وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَصَدَ التَّعْرِيفَ وَالْوَصْفَ"
76 أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ , ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ , ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ , عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ , وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ , عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا , فَبَرَّأَهَا اللَّهُ , وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ حَدِيثِهَا , وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا , وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي , وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا , وَذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى سَفَرٍ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ , فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُ , وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَقَالَ فِيهِ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ , قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ , وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , هُمْ أَهْلُكَ , وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا , وَأَمَّا عَلِيُّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ , وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تُعَرِّفْكَ , قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَرِيرَةَ فَقَالَ:"أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ أَمْرِ عَائِشَةَ ؟"فَقَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ , إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا , أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ , تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا , فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ""
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفِي اسْتِشَارَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا وَأُسَامَةَ وَسُؤَالِهِ بَرِيرَةَ عَمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِأَهْلِهِ ـ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُمْ إِلَّا وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ إِخْبَارُهُ بِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ , فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ نَاقِلِ خَبَرٍ أَوْ حَامِلِ أَثَرٍ , مِمَّنْ لَا يَبْلُغُ مَحِلُّهُ فِي الدِّينِ مُحِلَّ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا مَنْزِلَتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْزِلَتَهَا مِنْهُ بِخَصْلَةٍ تَكُونُ مِنْهُ يُضَعَّفُ خَبَرُهُ عِنْدَ إِظْهَارِهَا عَلَيْهِ , أَوْ بِجَرْحَةٍ تَثْبُتُ فِيهِ يَسْقُطُ حَدِيثُهُ عِنْدَ ذِكْرِهَا عَنْهُ , أَنْ يُبْدِيَهَا لِمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ , لِيَكُونَ بِتَحْذِيرِ النَّاسِ إِيَّاهُ مِنَ النَّاصِرِينَ لِدِينِ اللَّهِ , الذَّابِّينَ لِلْكَذِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَيَالَهَا مَنْزِلَةً مَا أَعْظَمَهَا , أَوْ مَرْتَبَةً مَا أَشْرَفَهَا , وَإِنْ جَهِلَهَا جَاهِلٌ وَأَنْكَرَهَا مُنْكِرٌ""
قال ابن رجب: وكذلك يجوز ذكر العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة كمن يستشير في نكاح أو معاملة. [3]
ووجه الدلالة من الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصح لفاطمة، فأعلمها بعيب أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه [4] ، وعيب معاوية أنه صعلوك لا مال له، وذلك لما فيه من المصلحة الخاصة، فمصلحة الدين أولى.
وقد فهم أهل العلم من النصوص المتقدمة، أنه لا حرج عليهم أن يتكلموا في شخص جارحين، أو ناهين عن الرواية عنه، لما رأوا فيه من عدم الأهلية، وحث الناس على الرواية عن فلان؛ لما رأوا من الأهلية عنده ما يوجب قبولهم لروايته.
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ الرَّبِيعِ , قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْمُعَلَّى بْنُ هِلَالٍ هُوَ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ يَكْذِبُ , قَالَ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَغْتَابُ قَالَ: اسْكُتْ , إِذَا لَمْ نُبَيِّنْ كَيْفَ يُعْرَفُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ" [5] "
عَنْ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ , ثنا عَفَّانُ , قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ جُلُوسًا ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ , فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبَتٍ , فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ , قَالَ إِسْمَاعِيلُ:"مَا اغْتَابَهُ وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبَتٍ" [6]
وقال مسلم في مقدمة صحيحه:
(1) - وفي هَذِهِ الآيةِ يَأمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ بأنْ لاَ يَتَعجَّلُوا في حَسْمِ الأمُورِ وَتَصْدِيقِ الأخْبَارِ التي يَأتِيهِمْ بها أناسٌ فَسَقَةٌ ، غَيْرُ مأمُونينَ في خُلُقِهِمْ وَدِينِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ ، لأنَّ مَنْ لا يُبَالي بالفِسْقِ فَهُوَ أجْدَرُ بأنْ لا يُبَالي بالكَذِبِ ، ولا يَتَحَامَاهُ ، وَقَدْ يُؤدِّي التَّعْجِيلُ في تَصْدِيقِ الأنباءِ التِي يَنْقُلُها الفُسَّاقُ إلى إصَابةِ أناسٍ أبْرياءَ بأذًى ، والمُؤْمِنُونَ يَجْهَلُونَ حَالَهم ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الإِيذاءُ سَبَبًا لِنَدامَتِهِمْ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ
(2) - الكفاية ( 72 ) و الحديث أخرجه البخاري (4: 70) في كتاب الأدب باب المداراة مع الناس. والإمام مسلم (4: 2002) كتاب البر والصلة، باب مداراة من يتقى فحشه.
(3) - شرح علل الترمذي (1: 43) .
(4) - قيل: معنى ذلك أنه كثير السفر، وقيل: يضرب النساء، والأول أقرب.
(5) - الكفاية (92)
(6) - الكفاية (82 )