فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 522

41 -قولهم :( سكتوا عنه ).

هي عبارة محالة ، خبر من قائلها عن غيره ، لا ينشئ بها شيئًا من جهته .

فهي بمنزلة قول الناقد وقد اطلع على كلام غيره من أهل الحديث: ( تكلموا فيه ) ، أو ( طعنوا عليه ) ، ودلَّ الاستقراء لحال من قيلت فيه أنها مساوية لإخبار الناقد عن غيره بقوله: ( تركوه ) .

لذا فهي من عبارات الجرح المجملة ، ولولا دلالة الاستقراء لكانت في جملة ما لا يصح الاعتماد عليه في جرح الرواة حتى يوقف على تفسيره .

وقد عرف استعمالها عن البخاري ، وندرت جدًا عن غيره ، كأبي حاتم الرازي وأبي زرعة ومسلم بن الحجاج .

ولا يعاب استعمالها منهم فيمن قالوها فيه ، إلا قول البخاري في ( أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام الفقيه ) :"سكتوا عنه ، وعن رأيه ، وعن حديثه" [1] .

فهذه حكاية من البخاري عن أهل الحديث ، ومن تأمَّل فاحصًا منصفًا متبرئًا من العصبية وجد هذا القول خطأ ، وذلك - بإيجاز - من جهتين:

الأولى: دلالة الاستقراء على أن أهل الحديث قد اختلفت عباراتهم في أبي حنيفة ، بين معدِّل وجارح ، علمًا أن الجرح عند من جرح لم يفسر بسبب حديثه ، فكيف سكتوا عنه , وفيهم من أثنى عليه وأطراه ورفع من شأنه .

والثانية: أن عبارات الجارحين وقع فيها من المبالغة والتَّهويل ، وذلك بسبب الشِّقاق الذي كان بين أهل الرأي وأهل الحديث في تلك الفترة ، علمًا بأن كثيرًا من تلك الأقاويل لا تصح نسبتها إلى من عزيت إليه .

وأبو حنيفة شغله الفقه عن الحديث ، ولعله لو اشتغل به اشتغال كثير من أهل زمانه ، لم يمكن مما مُكِّن فيه من الفقه ، ومع ذلك فإنه قد روى وحدث ، نعم ، ليس بالكثير على التحقيق ؛ للعلة التي ذكرنا ، وهي انصرافه إلى فقه النصوص دون روايتها .

وقال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ 1/168: أبو حنيفة الإمام الأعظم ، فقيه العراق ... حدّث عن عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وسلمة ابن كهيل وأبي جعفر محمد ابن على وقتادة وعمرو بن دينار وأبي إسحاق وخلق كثير

وحدّث عنه وكيع ويزيد بن هارون وسعد بن الصلت وأبو عاصم وعبد الرزاق وعبيد الله بن موسى وبشر كثير ، وكان إمامًا ورعًا عالمًا عاملًا ، متعبدًا ، كبير الشأن ، لايقبل جوائز السلطان قال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس ، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ، وروى أحمد بن محمد بن القاسم عن يحيى بن معين قال: لا بأس به ، ولم يكن متهمًا ... اهـ

وفي طبقات الشافعية للتاج السبكي 1/188: قال: الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم أن الجرح مقدّم على التعديل على إطلاقها بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه وندر جارحه ، وكانت هناك قرينة دالّة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لم يلتفت إلى جرحه ...

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (6/395) قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ العَوْفِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو حَنِيْفَةَ ثِقَةً، لاَ يُحَدِّثُ بِالحَدِيْثِ إِلاَّ بِمَا يَحْفَظُه، وَلاَ يُحَدِّثُ بِمَا لاَ يَحْفَظُ.

وَقَالَ صَالِحُ بنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو حَنِيْفَةَ ثِقَةً فِي الحَدِيْثِ.

وَرَوَى: أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ القَاسِمِ بن مُحْرِزٍ، عَنِ ابْنِ مَعِيْنٍ: كَانَ أَبُو حَنِيْفَةَ لاَ بَأْسَ بِهِ.

وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ، وَلَمْ يُتَّهَمْ بِالكَذِبِ، وَلَقَدْ ضَرَبَه ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى القَضَاءِ، فَأَبَى أَنْ يَكُوْنَ قَاضِيًا.

ـــــــــــــــ

(1) - التاريخ الكبير ( 4 / 2 / 81 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت