وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ"عَنْ دَاوُد وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيِّ ، وَالْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ وَغَيْرِهِمْ .قَالَ: وَبِهِ نَقُولُ .قَالَ: وَحَكَاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .ا هـ ."
وَفِيمَا حَكَاهُ عَنْ الْحَارِثِ نَظَرٌ ، فَإِنِّي رَأَيْت كَلَامَهُ فِي كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ"، نَقَلَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَقَلُّهُمْ: يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا ، وَاحْتَجَّ بِإِمْكَانِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ مِنْ نَاقِلِهِ كَالشَّاهِدَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِمَا لَا الْعِلْمُ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْكَرَابِيسِيِّ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَحْمَدَ ، وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ ."
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ذَهَبَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَنَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ .
لَكِنْ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ ، وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَقَالَ: لَمْ يُعْثَرْ لِمَالِكٍ عَلَى نَصٍّ فِيهِ ، وَلَعَلَّهُ رَأَى مَقَالَةً تُشِيرُ إلَيْهِ ، وَلَكِنَّهَا مُتَأَوَّلَةٌ .
قَالَ: وَقِيلَ: إنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُثْمِرُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ .
وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ لَهُ قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي إسْنَادِهِ إمَامٌ مِثْلُ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ ، وَإِلَّا فَلَا يُوجِبُهُ .
وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ يُوجِبُهُ مُطْلَقًا .
وَنَقَلَ الشَّيْخُ فِي التَّبْصِرَةِ"عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ كَحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْبَاطِنَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ ، وَهَلْ يُوجِبُ الظَّاهِرَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِلْمِ مِنْ نَتَائِجِ بَاطِنِهِ فَلَمْ يَفْتَرِقَا ."
وَالثَّانِي: يُوجِبُهُ ؛ لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إلَيْهِ مُوجِبٌ لَهُ ، وَلَوْلَاهَا كَانَ ظَنًّا .اهـ .
وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ"عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ غَالِبُ الظَّنِّ ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ لَا يَتَفَاوَتُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ ، فَقَالَ: قَائِلُ هَذَا أَرَادَ غَلَبَةَ الظَّنِّ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعِلْمِ ظَاهِرٌ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مَعْلُومٌ ."
وَجَزَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فَقَالَ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ .
وَقَالَ: يَعْنِي بِالْعِلْمِ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ لَا عِلْمَ الظَّاهِرِ .وَنَقَلَهُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ .
قَالَ: وَالْقَائِلُ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ ، إنْ أَرَادَ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ فَقَدْ أَصَابَ ، وَإِنْ أَرَادَ الْقَطْعَ حَتَّى يَتَسَاوَى مَعَ التَّوَاتُرِ فَبَاطِلٌ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ: إنَّا نَقْطَعُ عَلَى اللَّهِ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّصِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَنْقُضُ حُكْمَ مَنْ تَرَكَ أَخْبَارَ الْآحَادِ .
وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ"أَنَّهُ هَلْ يُفِيدُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ أَمْ لَا ؟ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ ، فَصَارَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى عِلْمًا أَمْ لَا ؟ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: يُفِيدُ الْعِلْمَ ، أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ ، أَوْ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَعْنَى الظَّنِّ ، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ ؛ لِتَسَاوِيهِمَا ، وَبِهِ أَشْعَرَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ أَوْ قَالُوا: يُورِثُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ الظَّنُّ ، وَإِنْ أَرَادُوا مِنْهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْجَزْمَ صَدَقَ مَدْلُولُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاطِّرَادِ ، كَمَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ ، أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الِاطِّرَادِ ، بَلْ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ دُونَ الْكُلِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ ، فَهُوَ بَاطِلٌ .ا هـ ."
وَلَعَلَّ مُرَادَ أَحْمَدَ إنْ صَحَّ عَنْهُ إفَادَةُ الْخَبَرِ ؛ لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهِ مَا إذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ ، وَسَلِمَتْ عَنْ الطَّعْنِ فَإِنَّ مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَوْ لَمْ نَكْتُبْ الْحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ .
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قَوْلَ أَحْمَدَ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ: نُؤْمِنُ بِهَا ، وَنَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ يَقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا .
قَالَ: فَذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَقَالُوا: خَبَرُ الْوَاحِدِ إنْ كَانَ شَرْعِيًّا أَوْجَبَ الْعِلْمَ .
قَالَ: وَعِنْدِي هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ ، لَا مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ ، وَأَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ اسْتِدْلَالًا بِأُمُورٍ انْضَمَّتْ إلَيْهِ مِنْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ ، أَوْ دَعْوَى الْمُخْبِرِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ بِحَضْرَتِهِ ، فَيَسْكُتُ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ، أَوْ دَعْوَاهُ عَلَى جَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ السَّمَاعَ مِنْهُ ، فَمَا يُنْكِرُونَهُ .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَدْ أَكْثَرَ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ حِكَايَةِ إفَادَتِهِ الْقَطْعَ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ ، أَوْ بَعْضِهِمْ ، وَتَعَجَّبَ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّا نُرَاجِعُ أَنْفُسَنَا فَنَجِدُ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُحْتَمِلًا لِلْكَذِبِ وَالْغَلَطِ ، وَلَا قَطْعَ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ ، لَكِنَّ مَذْهَبَهُمْ لَهُ مُسْتَنَدٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَكْثَرُونَ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ مَا صَحَّ مِنْ الْأَخْبَارِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ ؛ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ .
وَإِنَّمَا وَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ بِصِحَّتِهِ ؛ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ ، وَالْمَحْفُوظُ مَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ ، فَلَوْ كَانَ مَا ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ الْأَخْبَارِ كَذِبًا لَدَخَلَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَالْحِفْظُ يَنْفِيهِ ، وَالْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، لَا مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ ، فَصَارَ هَذَا كَالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ قَوْلَ الْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَحُكْمُهُمْ لَا يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ ، لَكِنْ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَوْلًا لَهُمْ وَحُكْمًا ، وَأَخَذُوا الْحِفْظَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَرَّرُوهُ يَقَعُ فِيهِ الْبَحْثُ مَعَهُمْ .
قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ خَارِجٌ عَنْ ضُرُوبِ الْعَقْلِ ، فَبَيَّنَّا هَذَا دَفْعًا لِهَذَا الْوَهْمِ ، وَتَنْبِيهًا لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ ، وَيُبْحَثَ مَعَهُمْ فِيهِ ، وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي ادَّعَوْهُ مِنْ قِيَامِ الْقَاطِعِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ لَهُمْ فِيهِ: إنَّ هَذَا الْقَاطِعَ ، أَعْنِي الْعِلْمَ بِصِحَّةِ كُلِّ مَا صَحَّ عِنْدَنَا وَبِكَذِبِ كُلِّ مَا لَمْ يَصِحَّ ، إمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ أَوْ إلَى بَعْضِهَا ، فَإِنْ أُخِذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ فَمُسَلَّمٌ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ فَرْدٍ هُنَا إلَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْعَزْمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ الْأُمَّةِ ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ .
وَإِنْ أَخَذْنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ لَمْ يُفِدْ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأُمَّةِ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ ، وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ اطِّلَاعُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى حَدِيثٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِنْ قَالَ: إذَا لَمْ أَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ اطِّلَاعِ غَيْرِي عَلَيْهِ ، فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ .
قُلْنَا: أَنْتَ تَدَّعِي الْقَطْعَ ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ .
تَنْبِيهَاتٌ .
الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرِينَةٌ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ ، فَإِنْ كَانَ ؛ لِلتَّعْرِيفِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ ، فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ قَدْ سَبَقَتْ.
مِنْهَا الْإِخْبَارُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا يُنْكِرُهُ ، أَوْ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَيُقِرُّوهُ ، أَوْ بِأَنْ تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ الْعَمَلِ ، أَوْ بِأَنْ يَحْتَفَّ بِقَرَائِنَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ .
الثَّانِي: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَابِطِ الْقَرَائِنِ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا بِعِبَارَةٍ تَضْبِطُهَا .
قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ مَا لَا يَبْقَى مَعَهَا احْتِمَالٌ ، وَتَسْكُنُ النَّفْسُ عِنْدَهُ ، مِثْلُ سُكُونِهَا إلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ .
الثَّالِثُ: زَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ .وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ .
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ؟ إنْ قُلْنَا: يُفِيدُ الْقَطْعَ كَفَرَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَامِدٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ فِي تَكْفِيرِهِ وَجْهَيْنِ ، وَلَعَلَّ هَذَا مَأْخَذُهَا .
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ هَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ ؟ فَمَنْ قَالَ: يُفِيدُ الْعِلْمَ قَبِلَهُ ، وَمَنْ قَالَ: لَا يُفِيدُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِهِ إذْ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ الْقَطْعِ مُمْتَنِعٌ .
ـــــــــــــــ