فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 522

1-تعريفُ الشاذِّ:

أ) لغة: الشاذ اسم فاعل من (شذ) والشذوذ في اللغة: الانفراد . ولابن حزم فيه كلام جميل ، أنقله هنا، وهذا نصه:" (الباب السابع والعشرون في الشذوذ) : الشذوذ في اللغة التي خوطبنا بها هو الخروج عن الجملة ، وهذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما ، واختلف الناس في ذلك المعنى ."

فقالت طائفة: الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم ، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في (الإجماع) من كتابنا هذا . والحمد لله رب العالمين .

وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق ، فهو محمود ممدوح ، والشذوذ مذموم بإجماع، فمحال أن يكون المرء محمودًا مذمومًا من وجه واحد في وقت واحد ، وممتنع أن يوجب شيء واحد الحمد والذم معًا في وقت واحد من وجه واحد ، وهذا برهان ضروري .

وقد خالف جميع الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في حرب أهل الردة ، فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم ، فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور .

وقال طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ، ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليهم ، وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا .

وهذا المعنى - لو وجد - شذوذ وكفر معًا لما قد بينا في باب (الكلام في الإجماع) : أن من فارق الإجماع ، وهو يوقن أنه إجماع ، فقد كفر ، مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال ، وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد ، فيتقون ثم يخالفهم واحد منهم .والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إن حدَّ الشذوذ هو مخالفة الحق ، فكل من خالف الصواب في مسألة ما ، فهو فيها شاذ ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم ، أو بعضهم ، والجماعة والجملة هم أهل الحق ، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة ، وهو الجملة .

وقد أسلم أبو بكر وخديجة رضي الله عنهما فقط ، فكانا هم الجماعة ، وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الشذوذ .

وهذا الذي قلنا لا خلاف فيه بين العلماء ، وكل من خالف فهو راجع إليه ، ومقربه ، شاء أو أبى والحق هو اهـ [2] .

ب) اصطلاحًا:

أما في الاصطلاح فقد اختلفوا قديما في تحديد مدلوله، غير أنهم اتفقوا في الحكم عليه بالرد .

وجدير بالذكر أن لفظة"الشاذ"لم يقع إطلاقها في مصادر العلل، في حدود تتبعي لها ، والذي كثر إطلاقه فيها عوضا عن هذا المصطلح هو لفظ"الوهم"و"الخطأ"و"غير محفوظ"وأحيانا"المنكر".

قال الخليلي: ''وأما الشواذ فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد ويرويه ثقة خلافه زائدا أو ناقصا، والذي عليه حفاظ الحديث، الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان من ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به'' اهـ [3] .

وقال الحاكم: الشاذُّ غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته: أنه دخل حديث في حديث ، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم ، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة [4] .

وإن كانوا قد اختلفوا في معنى الشاذ لكنهم متفقون عموما على أن الحديث الذي خالف فيه راويه ما ثبت عن مصدره، وكذا الحديث الذي تفرد به راو وليس لذلك الحديث أصل، كل ذلك مردود لا يحتجُّ به، كما يتبين ذلك جليا من الفقرات الآتية:

أمَّا الإمام الشافعي - رحمه الله - فقد اشترط في صحة الحديث والاحتجاج به سلامته من مخالفة الراجح، والتفرد بما ليس له أصل.

أما المخالفة فيقول فيها الإمام الشافعي -رحمه الله -:

'' وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَجْمَعَ أُمُورًا , مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَ بِهِ ثِقَةً فِي دِينِهِ , مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ , عَاقِلًا بِمَا يُحَدِّثُ بِهِ , عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ مَعَانِيَ الْحَدِيثِ مِنَ اللَّفْظِ , أَوْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الْحَدِيثَ بِحُرُوفِهِ كَمَا سَمِعَهُ , لَا يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ لَمْ يَدْرِ لَعَلَّهُ يُحِيلُ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ , وَإِذَا أَدَّاهُ بِحُرُوفِهِ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ يُخَافُ فِيهِ إِحَالَتُهُ لِلْحَدِيثِ , حَافِظًا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ , حَافِظًا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ , إِذَا شَرِكَ أَهْلَ الْحِفْظِ فِي الْحَدِيثِ وَافَقَ حَدِيثَهُمْ , بَرِيئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُدَلِّسًا , يُحَدِّثُ عَمَّنْ لَقِيَ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , وَيُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا يُحَدِّثُ الثِّقَاتُ خِلَافَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَيَكُونُ هَكَذَا مَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْحَدِيثُ مَوْصُولًا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , أَوْ إِلَى مَنِ انْتَهَى بِهِ إِلَيْهِ دُونَهُ , لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُثْبِتٌ لِمَنْ حَدَّثَهُ , وَمُثْبَتٌ عَلَى مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ , فَلَا يُسْتَغْنَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا وَصَفْتُ". اهـ [5] ."

والذي يهمنا هنا هو قوله: '' أن يكون ( يعني الراوي الثقة ) بريا من أن يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يحدث الثقات خلافه''، إذ جعل الإمام الشافعي سلامة الحديث من مخالفة الثقات فيه من شروط الاحتجاج به، وذلك معنى الشذوذ عنده ، كما أوضحه ابن رجب الحنبلي الحافظ بما يلي:

'' الخامس [6] : أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم ولا يحدث بما لا يوافق الثقات ، وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من أئمة الحفاظ في الجرح في كثير من الرواة يحدث بما يخالف الثقات ، أو يحدث بما لا يتابعه الثقات عليه ، لكن الشافعي اعتبر أن لا يخالفه الثقات ، ولهذا قال بعد هذا الكلام: (بريا أن يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يحدث الثقات خلافه) ، وقد فسر الشافعي الشاذ من الحديث بهذا '' اهـ [7] .

وأما التفرد فقد قال فيه الإمام الشافعي: '' فعليك من الحديث بما تعرفه العامة، وإياك والشاذ منه'' [8] ، وعلى هذا القول فما لا تعرفه عامة الحفاظ من الحديث يعده الشافعي شاذا مردودا، سواء تفرد الراوي به أم خالفهم فيه، ويبدو لي أن هذا القول لا يتناقض مع قوله السابق حول المقصود بالشاذ، فإنه لم يذكر ذلك كتعريف عام لمصطلح الشاذ، وليس ذلك من شأنه ولا من شأن علماء تلك العصور، وإنما ذكر ذلك في مناسبة علمية لها صلة بدفاعه عن موقف أهل السنة والجماعة، وإنكاره على أهل البدع الذين اشترطوا تعدد الرواة ليحتج بالحديث.

ثم إن الإمام الشافعي كان من عادته أن يثبت ما أثبته المحدثون النقاد من الأحاديث، ويترك ما تركه الحفاظ، ولم يعرف عنه ( رحمه الله تعالى ) منهج جديد مناقض لمنهج المحدثين عموما في قبول الأحاديث الشاذة الغريبة التي ليس لها أصل.

"وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لَنَا الشَّافِعِيُّ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ مِنِّي , فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فَأَعْلِمُونِي إِنْ شَاءَ يَكُونُ كُوفِيًّا أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ شَامِيًّا , حَتَّى أَذْهَبَ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا". [9]

وهنا لا بد أن يفهم أن قول الإمام الشافعي (رحمه الله ) ليس فيه دلالة على أن كل ما خالف فيه الثقة لغيره من الثقات أو الأوثق منه يعتبر شاذا ينبغي الاحتراز منه في الحديث الصحيح، وإنما يدلُّ على ما ترجح بالقرائن أنه مرجوح ووهم .

ولهذا قال (رحمه الله) في زيادة مالك ومن تابعه في حديث (فقد عتق منه ما عتق ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ لِبَعْضِ مَنْ يُنَاظِرُهُ: أَوَ لِلْمُنَاظَرَةِ مَوْضِعٌ مَعَ ثُبُوتِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ بِطَرْحِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: وَإِنَّا نَقُولُ: إِنَّ أَيُّوبَ قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ نَافِعٌ:"فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ", وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ نَافِعٌ بِرَأْيِهِ , قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَحْسِبُ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَرُوَاتِهِ يَشُكُّ فِي أَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ لِحَدِيثِ نَافِعٍ مِنْ أَيُّوبَ , لِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَ لَهُ مِنْ أَيُّوبَ , وَلِمَالِكٍ فَضْلُ حِفْظٍ لِحَدِيثِ أَصْحَابِهِ خَاصَّةً , وَلَوِ اسْتَوَيَا فِي الْحِفْظِ فَشَكَّ أَحَدُهُمَا فِي شَيْءٍ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ صَاحِبُهُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مَوْضِعٌ لِأَنْ يُغَلَّطَ بِهِ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ , إِنَّمَا يُغَلَّطُ الرَّجُلُ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ , أَوْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ فِي الْحَدِيثِ يَشْرُكُهُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ مَا حَفِظَ مِنْهُ , هُمْ عَدَدٌ , وَهُوَ مُنْفَرِدٌ , وَقَدْ وَافَقَ مَالِكًا فِي زِيَادَةٍ:"وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ"- يَعْنِي: غَيْرُهُ , قَالَ: وَزَادَ فِيهِ بَعْضُهُمْ:"وَرَقَّ مِنْهُ مَا رَقَّ". [10]

وهنا وقفة قصيرة لننظر ما مدى صحة قول بعض الفقهاء المتأخرين بأن الشاذ لا يطلق إلا على الحديث المخالف المنافي لما رواه الأوثق، وما مصدر قيد التنافي في الشاذ.

هل يشترط في الشاذ التنافي مع المخالفة ؟

لم يشترط الإمام الشافعي للشاذ أن يكون منافيا لما رواه غيره بحيث يتعذر الجمع بينهما، لا تصريحا ولا تلميحا، بل اشترط مخالفة الراجح، وهي أعم من أن تكون المخالفة منافية للرواية الأخرى، أو غير منافية لها ، أي أن تكون المخالفة بحيث يتعذر الجمع فيها على قواعد نقاد الحديث، ويشهد له ما ذكر من أمثلة الشاذ.

وإنما عرف هذا الشرط عن بعض الفقهاء والأصوليين - كابن الصلاح ، وابن حجر الهيتمي الفقيه والزرقاني والأهدل وغيرهم - إلا إن فيهم من أطلق القول بتعذر الجمع، من غير تقييد بكونه على قواعد نقاد الحديث، وإن كان مقصوده به هو المنافاة التي تجعل الجمع متعذرا ، فيأتي النقاش حول ذلك الشرط في الفقرات التالية:

لقد ناقش هذه المسألة المباركفوري (رحمه الله) في مناسبة تصحيح كلمة (على صدره) التي زادها أحد الرواة في عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ. [11] ، حتى انتهى إلى ضرورة تقييد المخالفة بالمنافاة بحيث يتعذر الجمع [12] .

وكان قد استدل على ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر:

''وأما المخالفة فينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط أو الصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ'' [13] .

يقول المباركفوري معلقا عليه:

فهذا التعريف هو الذي عليه المحققون وهو المعتمد، قال الحافظ في شرح النخبة: فإن خولف بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: ( المحفوظ) ومقابله - وهو المرجوح - يقال له:"الشاذ"- إلى أن قال - وعرف من هذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه وهو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح اهـ [14] .

ثم قال المباركفوري: ''المراد من المخالفة في قوله: ( مخالفا ) المنافاة دون المطلق، يدل عليه قول الحافظ في هذا الكتاب ( يعني نخبة الفكر ) وزيادة راويهما - أي الصحيح والحسن - مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة ، ولا يرويه عن شيخه غيره ، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح '' [15] .

أقول:

لقد سبق أن مجرد المخالفة بين ثقة وأوثق، أو بين واحد وجماعة لا تستدعي الشذوذ في رواية الثقة، إلا بعد أن يتم ترجيح رواية الأوثق أو رواية الجماعة وفق منهج النقاد، وأما قيد المنافاة فلم يرد في نصوص المتقدمين الذين أوضحوا معنى الشاذ - لا تصريحا ولا تلميحا - .

وأما كلام الحافظ ابن ححر الذي استدل به المباركفوري على مراعاة قيد المنافاة في تعريف الشاذ ففيه النقاط التالية:

أولا: إن الأمثلة التي ساقها الحافظ ابن حجر وغيره للحديث الشاذ ليس في معظمها إلا المخالفة دون المنافاة .

ثانيا: نصوص الحافظ ابن حجر غير الأخير فيما يتعلق بالشاذ، كلها صريحة في عدم التقييد بالمنافاة، وهي المعتمدة؛ لأنها في صدد تعريف مصطلح الشاذ، وأما النص الأخير فهو فيما يتعلق بمسألة زيادة الثقة، حتى إنه أكد بقوله '' وعرف من هذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه ، وهو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح '' .

وأما النص الأول، وهو '' فإذا روى الضابط أو الصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ'' فليس فيه ما يدل على قيد المنافاة، إذ إن معنى قوله: '' بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين '' أي يتعذر الجمع بين الوجوه المختلفة، لعدم دلالة القرائن على ذلك.

ثالثا: لو كانت المنافاة مقصودة ومتعينة في المخالفة التي يدور عليها الشاذ لخرج من الشاذ ما خالف الثقة لمن هو أرجح في وصل المرسل، أو رفع الموقوف، وذلك لعدم استكماله شرط المنافاة بينهما، ولأن الجمع فيها ممكن، وذلك خلاف الواقع.

رابعا: لو جمعنا بين الوجوه المختلفة على غير قواعد المحدثين، وقلنا بصحة جميع الوجوه المختلفة بمجرد كونها غير متنافية، لاحتمل أن يكون ذلك كذبا على الشيخ الذي اختلفوا عليه، ذلك لأنه إذا لم يكن بينها تناف لا يعني بالضرورة أن ذلك الشيخ قد ذكر الوجهين جميعا، وقد لا يكون ذكر إلا وجها واحدا.

ولكي يكون الحكم بالجمع أو بالترجيح في حالة الاختلاف بين الرواة منطقيا ومنهجيا فإنه ينبغي البحث عن القرائن والمناسبات التي تحف الروايات، وفقه دلالاتها، ومن الجدير بالذكر أن المحدثين النقاد لم يضعفوا حديث ثقة لمجرد أنه خالف فيه أوثق أو جماعة، بل بحسب الأدلة والقرائن والمرجحات، ولهذا قال الحاكم: الحجة عندنا الحفظ و الفهم والمعرفة لا غير.

يقول الحافظ ابن حجر:"واشْتُهِرَ عَنْ جَمْعٍ مِن العُلماءِ القَوْلُ بقَبولِ الزِّيادةِ مُطْلقًا مِن غيرِ تفصيلٍ [16] ، ولا يَتَأَتَّى ذلك على طريقِ المُحَدِّثينَ الَّذينَ يشتَرِطونَ في الصَّحيحِ أَنْ لا يكونَ شاذًّا ، ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثِّقةِ مَن هو أَوثقُ منهُ ."

والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ في [ حدِّ ] [ الحديثِ ] الصَّحيحِ ، وكذا الحَسنِ .

والمَنقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ كعبدِ الرحمنِ [ بنِ ] مَهْدي ، ويحيى القَطَّانِ ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ ، ويحيى بنِ مَعينٍ ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ ، والبُخاريِّ ، وأَبي زُرْعةَ (( الرازي ) )، وأَبي حاتمٍ ، والنَّسائيِّ ، والدَّارقطنيِّ وغيرِهم - اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغيرها ، ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ .

وأَعْجَبُ مِن ذلك إِطلاقُ كثيرٍ مِن الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيادةِ الثِّقةِ ، معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذلك ؛ فإِنَّهُ قالَ في أَثناءِ كلامِه على ما يُعْتَبَرُ [ بهِ ] حالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ ما نَصُّهُ: (( ويكونُ إِذا أشْرَك أَحدًا مِن الحُفَّاظِ لم يُخالِفْهُ ، فإِنْ خالَفَهُ فوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ كانَ في ذلك دليلٌ [ على ] صحَّةِ مَخْرَجِ حديثِهِ ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ أَضرَّ ذلك بحديثِهِ ) )اهـ [17] .

غير أن الحافظ قال: '' وزِيادةُ راويهِما ؛ أي: الصَّحيحِ والحَسنِ ؛ مقبولةٌ ؛ مَا لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِروايةِ مَنْ هُو أَوْثَقُ ،ممَّن لم يَذْكُرْ تلك الزِّيادةِ:

[ لأنَّ الزِّيادةَ ] : إِمَّا [ أَنْ ] تكونَ لا تَنافِيَ بينَها وبينَ روايةِ مَن لم يَذْكُرْها ؛ فهذه تُقْبَلُ مُطْلقًا ؛ لأنَّها في حُكْمِ الحديثِ المُستقلِّ الذي ينفرِدُ بهِ الثِّقةُ ولا يَرويه عن شيخِهِ غيرُه.

وإِمَّا أَنْ تكونَ مُنافِيةً بحيثُ يلزمُ مِن قبولِها رَدُّ الرِّوايةِ الأخرى ، فهذه (( هي ) )التي يَقَعُ التَّرجيحُ بينها وبينَ معارِضِها [18] ، [ فيُقْبَلُ الرَّاجحُ ] ويُرَدُّ المرجوحُ اهـ [19] .

ويفهم من ظاهر هذا القول أن التفصيل في قبول الزيادة وردها هو وجود المنافاة وعدمها، بينما يدل القول السابق على تفصيل آخر، وهو أن يكون القبول والرد وفق دلالة القرائن، بغض النظر عن المنافاة وعدمها، وهو الصواب الذي عليه نقاد الحديث. والله أعلم .

خلاصة القول:

أن المنافاة ليست قيدا في المخالفة التي تكون بين الثقة والأرجح ليكون حديث الثقة شاذا مردودا، ولا هي معروفة في نصوص الإمام الشافعي ولا غيره من القدماء، ولا في تطبيقاتهم العملية.

كما يستخلص مما سبق أن الشاذ لدى الإمام الشافعي مردود، سواء أكان الشاذ هو الحديث الذي لا تعرفه العامة، أم الحديث الذي خالف فيه الثقة غيره من الثقات، وذلك لأن الشذوذ ناتج من خطأ الراوي، ولهذا اشترط الإمام الشافعي وغيره سلامة الحديث من الشذوذ لكي يكون محتجا به. [20]

2-حكم الشاذ عند الخليلي

أما ما ذكره الخليلي في معنى الشاذ عند الحفاظ فقد ورد نحوه عن غير واحد من الحفاظ .

عن صالح بن محمد الحافظ:''الحديث الشاذ المنكر الذي لا يعرف ''،

وعن إبراهيم بن أبي عبلة: ''من حمل شاذ العلم حمل شرا كثيرا ''،

وعن معاوية بن قرة: '' إياك والشاذ من العلم'' ،

وعن شعبة: ''لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ'' ،

وعن ابن مهدي: ''لا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ ''،

وعن الإمام أحمد: أنه قال في حديث أسماء بنت عميس: تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما بدا لك: ''إنه من الشاذ المطروح'' [21] .

والشاذ على هذا الإطلاق مما ينبغي الاحتراز عنه ليكون الحديث صحيحا ومحتجا به ، حسبما فصله الحافظ الخليلي بقوله:

''فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به ''

(1) - ألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 12) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 21) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 57) و الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 8) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 103) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 171) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 252) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 180) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 84) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 26)

(2) - (الإحكام لابن حزم 5/82)

(3) - الإرشاد 1/188 ، وحكاه ابن عدي بسياق آخر في الكامل 1/124 .

(4) - معرفة علوم الحديث ص:119 .

(5) - الرسالة للإمام الشافعي ص:369-372 (ط:دار الفكر ، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر -سنة 1309 و الكفاية(37)

(6) - الحافظ ابن رجب في مناسبة التحليل لما ذكره الإمام الشافعي من تعريف الصحيح .

(7) - - شرح العلل ص:208 .

(8) - كتاب الأم 7/307 - 308

(9) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 7 / ص 65) (( العلل ) ) (1055) .

(10) - سنن البيهقي (19630 ) وحكاه الحافظ في النكت 2/688 .

(11) - سنن الترمذى (253 ) قَالَ وَفِى الْبَابِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَغُطَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ هُلْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَرَوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِى الصَّلاَةِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَضَعَهُمَا فَوْقَ السُّرَّةِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ. وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ.

(12) - تحفة الأحوذي 1/216- 217 .

(13) - - شرح النخبة ص: 28 .

(14) - - تحفة الأحوذي 1/217

(15) - - تحفة الأحوذي 1/217 . وجاء هذا الموضوع بشيء من التفصيل في بحث مستقل حول زيادة الثقة

(16) - وهذا تساهل إطلاق قبول الزيادة فلا بد من التقييد زيادة مقبولة ما لم تكن منافية لمن هو أوثق وما لم تكن أيضًا مخالفة لمن هو أوثق فإن كانت منافية ردت وإن كانت مخالفة شاذة ردت .

(17) - انظر النكت 2/692 والنخبة ص:13 والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 11)

(18) - زيادة رواي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لمن أوثق ، منافية يعني لا تجتمع معها ، أما إذا كانت لا تنافي فهي مقبولة فإذا روى الثقة حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رواه آخر وزاد عليه جملة أمر الله بها أو نهى عنها فلا بأس لا تكون منافية ، كما روى راوي النهي عن صيام يومي العيدين وزاد آخر فيه النهي عن لبستين أو بيعتين فلا ينافي هذا هذا فهذا شيء وهذا شيء فالزيادة التي لا تنافي تقبل أما إذا كانت تنافيها لا تجتمع مع ما رواه الأوثق فإنها تكون شاذة لا تقبل كأن يروي الثقة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكذا أو فعل ، فيأتي آخر أضعف من نافع فيروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رواه نافع عن ابن عمر أنه أمر به فهذه لا تقبل لأنها مخالفة للأوثق فلا يجتمعان هذا يقول أمر وهذا يقول نهى .التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 10)

(19) - انظر نخبة الفكر ص:37 .

(20) - الحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 26) فما بعدها

(21) - - حكاها ابن رجب الحنبلي في شرح العلل ص: 236 . معناه: البسي ثياب الحداد السود . (انظر لسان العرب، مادة: سلب )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت