وهذا مثل: ( فليح بن سليمان المدني ) ، فقد خرج له البخاري في"صحيحه"في مواضع ، وهو لين الحديث ليس بالقوي فيه ، لكن عذر البخاري أنه لم يخرج له في الأحكام شيئًا ، إنما عامة ما أخرجه له إما ما هو معروف من غير طريقه أو رقائق .
وقال ابن عدي:"ولفليح أحاديث صالحة يرويها يروي عن نافع عن بن عمر نسخة ويروي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة أحاديث ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة مثل أبي النضر وغيره أحاديث مستقيمة وغرائب وقد اعتمده البخاري في صحيحه وروى عنه الكثير وقد روى عنه زيد بن أبي أنيسة وهو عندي لا بأس به". [1]
وتكلم بعض النقاد في حفظ ( محمد بن إسحاق ) صاحب"السيرة"، في روايته في غير السير .
نقل أبو الفضل عباس بن محمد الدوري عن أحمد بن حنبل قال:"أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث"كأنه يعني المغازي ونحوها"فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا", وقبض أبو الفضل أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام [2] .
وسئل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن ( محمد بن إسحاق ) ؟ فقال: كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيرًا بالعلو والنزول ، ويخرجه في ( المسند ) ، وما رأيته اتقى حديثه قط ، قيل له: يحتج به ؟ قال:"لم يكن يحتج به في السنن" [3] .
فابن إسحاق ثقة حجة في السير والمغازي ؛ لا عتنائه بها ، وهو في التحقيق صدوق في الأحكام ، يحكم لحديثه بالحسن بعد السبر والنظر وتحقق حفظه له على الوجه .
قال ابن عدي:"وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم في الشئ بعد الشئ كما يخطئ غيره ولم يتخلف عنه في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به". [4]
الصورة الخامسة: أن يكون متقنًا في النقل لغير الحديث ، دون ذلك في الحديث.
وفي هذا أن الناقل يكون قد انصرف همه إلى الاعتناء بفن فأتقنه ، وتقحم الحديث وليس من فنه فأتى بما لا يحمد ، فحيث تميز لنا أمره وعرفنا الفصل فيما روى ، فنقتصر على جرحه في الحديث خاصة دون سائر ما روى من العلم .
وهذا مثل ( حفص بن سليمان القارئ ) ، فقد بلغ به سوء حفظه ونكارة حديثه إلى أن كان متروكًا في الحديث ، لكنه حجة في القراءة ، بل عليه المعول في قراءة عاصم ، والتي يقرأ بها اليوم أكثر أهل الإسلام .
قال الحافظ ابن حجر:"حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر البزاز الكوفي الغاضري بمعجمتين وهو حفص بن أبي داود القارىء صاحب عاصم ويقال له حفيص متروك الحديث مع إمامته في القراءة من الثامنة مات سنة ثمانين وله تسعون ت عس ق" [5] .
وقال الذهبي:"زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي عن عبد الملك بن عمير ومنصور وعنه أحمد وابن عرفة قال ابن معين لا بأس به في المغازي خاصة وقال أبو حاتم لا يحتج به وقال عبد الله بن إدريس ما أحد أثبت في بن إسحاق من البكائي أملاها عليه مرتين وقال جزرة هو على ضعفه أثبتهم في المغازي توفي 184 خ م ت ق." [6]
و قال ابن عدي:"ولزياد بن عبد الله غير ما ذكرت من الحديث أحاديث صالحة وقد روى عنه الثقات من الناس وما أرى برواياته بأسا". [7]
الصورة السادسة: ثقة في الأصل ، لكن اختلط وتغير حفظه بأخرة ، للكبر ، أو لعارض .
الاختلاط ، هو: فساد العقل بالخرف ، لتقدم السن غالبًا ، أو لعوارض أخرى .
مثل ( صالح بن نبهان مولى التوأمة ) ، سأل محمد بن عثمان بن أبي شيبة علي بن المديني عن صالح مولى التوأمة ؟ فقال:"صالح ثقة ، إلا أنه خرف وكبر ، فسمع منه قوم وهو خرف كبير ، فكان سماعهم ليس بصحيح: سفيان الثوري منه سمع منه بعدما خرف ، وكان ابن أبي ذئب قد سمع منه قبل أن يخرف" [8] .
وقال العقيلي:"صَالِحُ بْنُ نَبْهَانَ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ مَدَينِيٌّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَبِشْرُ بْنُ مُوسَى ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ ، يَقُولُ: لَقِيتُ صَالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، أَوْ نَحْوِهَا ، وَقَدْ تَغَيَّرَ ، وَلَقِيَهُ الثَّوْرِيُّ بَعْدِي فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؟ أَسَمِعْتَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ أَسَمِعْتَ مِنْ فُلَانٍ ؟ فَلَا يُجِيبُنِي بِهَا ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: إِنَّ الشَّيْخَ قَدْ كَبِرَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ لَا يُحَدِّثُ عَنْ صَالِحٍ ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، وَيَنْهَى عَنْهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ: سَمِعْتُ يَحْيَى ، يَقُولُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ صَالِحٍ ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْقُرَّاءِ . حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ صَالِحٍ ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ حَدَّثَنَا عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ ، فَقَالَ أَبِي: مَالِكٌ كَانَ قَدْ أَدْرَكَهُ ، وَقَدِ اخْتَلَطَ وَهُوَ كَبِيرٌ ، مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا ، مَنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنْ قَدِيمٍ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَكَابِرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ صَالِحٍ ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى ، يَقُولُ: صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ثِقَةٌ ، وَكَانَ خَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ فَهُوَ ثَبْتٌ" [9] .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكًا عن صالح مولى التوأمة ؟ فقال:"ليس بثقة"؟ فقال أبي:"مالك كان قد أدرك صالحًا وقد اختلط وهو كبير ، من سمع منه قديمًا فذاك ، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة ، وهو صالح الحديث ، ما أعلم به بأسًا" [10] .
وقال أبو أحمد بن عدي: لا بأس به، إذا سمعوا منه قديما مثل ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد، وغيرهم.
ومن سمع منه بأخرة،وهو مختلط مثل مالك والثوري، وغيرهما.
وحديثه الذي حدث به قبل الاختلاط، لا أعرف له حديثا منكرا، إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب، فيكون ضعيفا، فيروي عنه، ولا يكون البلاء من قبله، وصالح لا بأس به وبرواياته وحديثه". [11] ."
أما ابن حبان ، فإنه ذكر قول يحيى بن معين من رواية الدوري عنه ، وقال بعده:"هو كذلك لو تميز حديثه القديم من حديثه الأخير ، فأما عند عدم التمييز لذلك واختلاط البعض بالبعض يرتفع به عدالة الإنسان حتى يصير غير محتج به ولا معتبر بما يرويه" [12] .
قلتُ: كلام ابن حبان هذا من حيث التأصيل في شأن المختلط صحيح في الجملة ، لكن القدح في عدالته إنما أراد به الإتقان ، وعدم الاعتبار بما يرويه ليس على معنى الترك .
أما بالنظر إلى حال صالح ، فليس كما قال ؛ لأنه قد تميز أن رواية ابن أبي ذئب والأقدمين عنه كانت قبل اختلاطه ، وما مثل به ابن حبان من الحديث الذي أنكره عليه فهو من رواية ابن أبي ذئب عنه ولم يرده ابن حبان إلا من جهة معارضته في رأيه لحديث آخر صحيح ، وليس بينهما معارضة في التحقيق .
وأمثلته في الثقات عديدة ، ومن أحسن ما فيه كتاب"الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات"لأبي البركات ابن الكيال ( المتوفى سنة: 939 ) .
ومن العوارض الأخرى غير الخرف ، ما قاله أبو حاتم الرازي في ( أبي بكر بن أبي مريم ) :"ضعيف الحديث ، طرقته لصوص فأخذوا متاعه ، فاختلط" [13] .
ومن علة الجرح بالاختلاط أن المختلط ربما قبل التلقين .
مثل ما حدث به أحمد بن حنبل ، قال:"رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد ، وهو يسمع منه كتاب ( الجامع ) - يعني لابن جريج - ، فكان في الكتاب: ابن جريج ، قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد ، و: أخبرت عن الزهري ، و: أخبرت عن صفوان بن سليم . فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج عن الزهري ، و: ابن جريج عن يحيى بن سعيد ، و: ابن جريج عن صفوان بن سليم . فكان يقول له هكذا".
قال عبد الله بن أحمد: ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج ، وذمه على ذلك .
قال أحمد:"وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة ، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه"يعني قوله: ( أخبرت ) ، و ( حدثت عن فلان ) [14] .
وليس من الاختلاط قول الحاكم في ( عبد الله بن محمد بن عقيل ) [15] :"عمَّر ، فساء حفظه ، فحَّدث على التخمين" [16] .
فهذا إنما هو ضعف للحفظ للكبر ، كالذي وقع لهشام بن عروة ، ولم يقدح في حديثه ، وليس خرفًا .
حكم حديث المختلط:
وقع كثيرًا من أئمة الحديث الكبار متقدميهم ومتأخريهم تعليل الروايات بأن فلانًا إنما سمع من فلان بعد أن اختلط .
فهذا أحمد بن حنبل يعلل حديثًا من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي ، فيقول:"زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة" [17] .
قال الحازمي:"أما من زال عقله بأمر طارئ ، كالاختلاط وتغيب الذهن ؛ فلا يعتد بحديثه ، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه ، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طرح حديثه بالكلية ؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين ، فإذا تميز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحة جاز له الرواية عنه وصح العمل فيها" [18] .
وجوب تحقيق تأثير الاختلاط في حديث الراوي الموصوف به:
الراوي إذا أطلق الكبار من نقاد المحدثين توثيقه ، وذكر أنه اختلط لما كبر ، فالأصل التوثيق حتى يتبين الوهم بسبب الاختلاط ، ولا يجوز ردُّ حديثه بمجرد هذا الوصف له .
فهذا ( بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة ) وصفه يحيى بن سعيد القطان بالاختلاط ، فقال:"رأيته قد اختلط"، وتبع بعضهم يحيى على ذلك ، وطائفة أطلقت توثيقه دون الاعتداد بوصفه بالاختلاط ، وذلك أن الرجل لم يثبت وهمه في شيء أو تحديثه بما ينكر بسبب ما قاله يحيى من اختلاطه ، مما يجيز أن يكون لم يحدث بعد اختلاطه بشيء ، ولذا قال ابن عدي:"لا أعرف له حديثًا منكرًا فأذكره ، ولم أر أحدًا من المتقدمين ممن تكلم في الرجال ضعفه إلا يحيى القطان ذكر أنه كان قد خولط ، ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثًا منكرًا" [19] .
أما إن ثبت أن الاختلاط أضرَّ بحديثه ، فلينوَّه بعد اختلاطه من أجل ذلك ، فهذا هو الذي لا يقبل من حديثه إلا ما حدث به قبل اختلاطه ، وذلك بحسب قدم السامعين منه ، وما حدَّث به بعد الاختلاط فهو صالح للاعتبار ما لم يثبت فيه وهم أو خطأ فيميز .
قال ابن حبان وقد ذكر المختلط في آخر عمره:"لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم ، وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى ؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم ، وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم ، حكم الثقة إذا أخطأ ، أن الواجب ترك خطئه إذا علم ، والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه ، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات ، وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء" [20] .
كما قال ابن عدي في ( سعيد بن إياس الجريري ) و ( سعيد بن أبي عروبة ) :"سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل الاختلاط ، وهو أحد من يجمع حديثه من البصريين ، وسبيله كسبيل سعيد بن أبي عروبة ، لأن سعيد بن أبي عروبة أيضًا اختلط ، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه مستقيم حجة" [21] .
وقال في ( ابن أبي عروبة ) :"من سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة ، ومن سمع بعد الاختلاط فذلك ما لا يعتمد عليه" [22] .
ويخرج من هذا الأصل: ما دلَّ التحري أن راويًا ممن حدث عن المختلط بعد اختلاطه قد انتقى من حديثه المستقيم المحفوظ ؛ فهذا استثناء يلحق بالمقبول الصالح للاحتجاج من حديث ذلك المختلط .
قال يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ , يَقُولُ: قُلْتُ لِوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ: تُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَإِنَّمَا سَمِعْتَ مِنْهُ فِي الِاخْتِلَاطِ ؟ قَالَ:"رَأَيْتَنِي حَدَّثْتُ عَنْهُ إِلَّا بِحَدِيثٍ مُسْتَوٍ" [23] .
ومن هذا ما خرجه الشيخان من حديث من روى عن بعض الثقات المختلطين بعد اختلاطهم ، فإنهما لم يخرجا من حديث هذا الضرب ما يمكن إنكاره ، وما خرجا منه إلا ما هو محفوظ .
وتلخيص القول في الراوي الثقة الذي ثبت أنه اختلط أن قبول ما يقبل من حديثه ورد ما يرد منه على أحوال أربعة تضبط بحسب من روى عنه:
أولها: أن يثبت أن السماع وقع منه قبل اختلاطه ، فهذا يحتج به .
وثانيها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه ، فهذا ضعيف لا يحتج به ، وإنما يصلح للاعتبار إن لم يكن مما ثبت خطؤه فيه بعينه فيجتنب الخطأ .
وثالثها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه ، ولكن من حمل عنه تحرَّى في أخذه عنه ، فلم يحمل عنه إلا صحيح حديثه ، فهذا يحتج به .
ورابعها: أن لا يتبين متى وقع السماع منه: قبل الاختلاط أو بعده ، فهذا يتحرى فيه ، ويلحق بأشبه حديثه قبل اختلاطه غالبًا ألحق بمن يحتج بحديثه عنه ، وإن كان العكس فالعكس ، وإن تحيَّر الباحث توقف فيه ، وهذا يجعله صالحًا للاعتبار على أدنى تقدير .
الراوي يختلط فلا يتميز صحيح حديثه من سقيمه:
وهذه حال خارجة عن وصف الثقة ، إذ هذا الصنف من الرواة ضعفاء .
وصورته: الراوي يختلط فيأتي بالمنكرات بسبب اختلاطه ، ولا يتميز ما حدث به على الصحة من غيره .
فهذا يضعف مطلقًا ، وغاية أمره أن يصلح حديثه للاعتبار ، إذا لم يبلغ حد الترك.
ومن مثاله: ( ليث بن أبي سليم ) ، فعَنْ عِيْسَى بنِ يُوْنُسَ، وَقُلْنَا لَهُ: لِمَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْ لَيْثٍ؟
قَالَ: قَدْ رَأَيْتُه كَانَ قَدِ اخْتُلِطَ، وَكَانَ يَصعَدُ المَنَارَةَ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ، فَيُؤَذِّنُ. [24] .
قال أبو بَكْر ابن خُزَيْمَة: وَعُبَيْدَةُ بْنُ مُعَتِّبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجَ بِخَبَرِهِ عِنْدَ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِرِوَاة الْأَخْبَارِ . وَسَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ حَدَّثَا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ بِشَيْءٍ قَطُّ . وَسَمِعْتُ أَبَا قِلَابَةَ يَحْكِي عَنْ هِلَالِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ خَالِدٍ السَّمْتِيَّ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ: هَذَا الَّذِي تَرْوِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ سَمِعْتَهُ كُلَّهُ ؟ قَالَ: مِنْهُ مَا سَمِعْتُهُ ، وَمِنْهُ مَا أَقِيسُ عَلَيْهِ قَالَ: قُلْتُ: فَحَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِالْقِيَاسِ مِنْكَ". [25] "
وممن وقع له ذلك ولم يتميز من حمل عنه قبل اختلاطه ممن حمل عنه بعده ، فضعف مطلقًا ( يزيد بن أبي زياد ) ، قال ابن حبان:"كان يزيد صدوقًا ، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير ، فكان يتلقن ما لقن ، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه وإجابته فيما ليس من حديثه ؛ لسوء حفظه ، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح ، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه وتلقنه ما يلقن سماع ليس بشيء" [26] .
قلت: ولا يكاد يتميز شيء مما حدث به قبل التغير ، إلا أن يظهر بالمتابعة ، أما لذاته فضعيف .
التخليط غير الاختلاط بأخرة:
التخليط اختلال عارض في الضبط يقع في حال الصحة لا الخرف .
ومنه قول أبي حاتم الرازي في ( أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب:"كتبنا عنه وأمره مستقيم ، ثم خلط بعد ، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط"، وقال:"كان صدوقًا".
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وأتاه بعض رفقائي ، فحكى عن أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث ، فقال أبو زرعة:"إن رجوعه مما يحسن حاله ، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك" [27] .
وهذا زال تخليطه وضبط حديثه ورجع عن خطئه .
ومن الرواة من يقع ذلك له فيتمكن منه سوء الحفظ ، حتى لا يقيم الحديث .
مثل ( إسماعيل بن مسلم المكي ) ، وقد ضعفوه ، قال يحيى القطان:"لم يزل مخلطًا ، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب" [28] .
ومثل ( صالح بن أبي الأخضر ) ، قال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ العنبري ، وذكر صالح بن أبي الأخضر ، فقال: سمعته يقول: سمعت من الزهري ، وقرأت عليه ، فلا أدري هذا من هذا ، فقال يحيى بن سعيد القطان وهو إلى جنبه:"لو كان هكذا لكان خيرًا ، ولكنه سمع وعرض ، ووجد شيئًا مكتوبًا ، فقال: لا أدري هذا من هذا" [29] .
وقال ابن حبان:"يروي عن الزهري أشياء مقلوبة .. اختلط عليه ما سمع من الزهري بما وجد عنده مكتوبًا ، فلم يميز هذا من ذاك".
قال:"من اختلط عليه ما سمع بما لم يسمع ثم لم يرع عن نشرها بعد علمه بما اختلط عليه منها ، حتى نشرها وحدَّث بها وهو لا يتيقن بسماعها ؛ لبالحري [30] أن لا يحتج به في الأخبار ؛ لأنه في معنى من يكذب وهو شاك ، أو يقول شيئًا وهو يشك في صدقه ، والشاكُّ في صدق ما يقول لا يكون بصادق" [31] .
الصنف الرابع: من غلب عليه سوء الحفظ ، فغلب في حديثه احتمال خطئه ووهمه ، مع بقاء وصف الصدق له في الجملة .
وهذا كثير في الرواة المجروحين ، ممن يعتبر بحديثهم ، ولم يسقطوا ، وتقدم له أمثلة كثيرة في الرواة كليث بن أبي سليم ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعلي بن زيد بن جدعان ، وشبههم من الضعفاء الذين يكتب حديثهم ويعتبر به .
القسم الثاني: فساد الضبط إلى حد أن يكون الراوي متروك الحديث
وهذا يقع بغلبة المناكير على حديث الراوي ، فيوصف بكونه:"منكر الحديث"، أو"متروك الحديث".
فأما أن يكون"متروك الحديث"فلا يدخل هذا الوصف اشتباه ، إذ هو الراوي غلب عليه الوهم والخطأ حتى فحش ، وغلبت المنكرات على حديثه ، حتى ربما أورده الشبهة عليه بالكذب ، فاتهم به بناء على ذلك ، كما بينت بعض أمثلته في ( المبحث الثاني ) .
ومن مثاله ( عبد الله بن سلمة الأفطس ) اتفقوا على كونه متروك الحديث ، بل اتهم ، ويفسر ابن حبان جرحه بقوله:"كان سيىء الحفظ ، فاحش الخطأ ، كثير الوهم" [32] .
ولكن يقع الاشتباه في الراوي يوصف بكونه ( منكر الحديث ) ، فإن تلك النكارة على درجات في عبارات النقاد .. .
طريق كشف النكارة:
(1) - الكامل لابن عدي - (ج 6 / ص 30) وانظر سير أعلام النبلاء (7/353) (132 ) و ميزان الاعتدال - (ج 3 / ص 365) (6782 )
(2) - أخرجه الدوري في"تاريخ يحيى بن معين" ( النص: 231 ) ومن طريقه: البيهقي في"دلائل النبوة" ( 1 / 37 - 38 ) .
( 1030 ) أخرجه الخطيب في"تاريخه" ( 1 / 230 ) وإسناده جيد .
(3) - الجرح والتعديل ( 2 / 538 ) .
(4) - الكامل لابن عدي - (ج 6 / ص 112) وانظر الكاشف [ ج 2 - ص 156 ] (4718 )
(5) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 172 ] (1405 )
(6) - الكاشف [ ج 1 - ص 411 ] (1696 )
(7) - الكامل في الضعفاء [ ج 3 - ص 192 ]
(8) - سؤالات ابنُ أبي شيبة ( النص: 79 ) .
(9) - الكامل لابن عدي - (ج 4 / ص 56) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 13 / ص 102) وتهذيب التهذيب - (ج 4 / ص 356) و ضعفاء العقيلي - (ج 2 / ص 205)
(10) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 762) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 4 / ص 417) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 13 / ص 101)
(11) - تهذيب الكمال للمزي - (ج 13 / ص 103) والكامل لابن عدي - (ج 4 / ص 58)
(12) - المجروحين ، لابن حبان ( 1 / 366 ) .
(13) - الجرح والتعديل ( 1 / 405 ) .
(14) - العلل ومعرفة الرجال ، لأحمد ( النص: 3610 ) وسُنيدٌ هو الحسين بن داود .
(15) - عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني أمه زينب بنت علي صدوق في حديثه لين ويقال تغير بأخرة من الرابعة مات بعد الأربعين بخ د ت ق تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 321 ] (3592 )
(16) - سؤالات مَسعود السجزي ( النص: 78 ) .
(17) - مسائل الإمام أحمد ، رواية أبي داود السجستاني ( ص: 303 ) .
(18) - شُروط الأئمة ، للحازمي ( ص: 52 ) .
(19) - الكامل لابن عدي - (ج 7 / ص 139) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 4 / ص 15) وتهذيب التهذيب - (ج 1 / ص 367)
(20) - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ( 1 / 161 ) .
(21) - الكامل لابن عدي - (ج 3 / ص 393) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 10 / ص 342)
(22) - الكامل لابن عدي - (ج 3 / ص 397) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 11 / ص 11)
(23) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 745) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 135) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 297) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 3 / ص 108) ولسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين) - (ج 5 / ص 97)
(24) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 7 / ص 178) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 285) وتهذيب التهذيب - (ج 8 / ص 418) وسير أعلام النبلاء (6/181) وابنُ حبان في"المجروحين" ( 1 / 68 ، و 2 / 232 ) بإسناد صحيح .
(25) - المسند الجامع - (ج 5 / ص 431) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 19 / ص 276)
(26) - المجروحين ( 3 / 100 ) .
(27) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 60
(28) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"الجرح والتعديل" (2/ 198 ) بإسناد صحيح .
(29) - المجروحين ( 1 / 368 - 369 ) ، وانظر: الجرح والتعديل ( 3/ 394 ) .
(30) - أي: جدير .
(31) - المجروحين ( 1 / 368 ، 369 ) .
(32) - المجروحين ( 2 / 20 ) .