فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 522

146 )سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ:"شَهِدْتُ جَنَازَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَبَّانِيَّ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِئَتَيْنِ ، فَقَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَدِمَتْ دَابَّتُهُ ، فَأَخَذَ أَبُو عَمْرٍو الْخَفَّافَ بِلِجَامِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِرِكَابِهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْجَارُودِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُسَوِّيَانِ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، فَمَضَى وَلَمْ يُكَلِّمْ وَاحِدًا مِنْهُمْ"

(147 ) سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُقْرِئَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ:"لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيِّ مِنَ الْبُخْلِ فِي الْعِلْمِ مَا كَانَ - وَكَانَ يُعَلِّمُنِي - مَا خَرَجْتُ إِلَى مِصْرَ"

( 148 ) سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيَّ يَقُولُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ"فَقَالَ: الْبَذَاءُ خِلَافُ الْبَذَاذَةِ ، إِنَّمَا الْبَذَاءُ طُولُ اللِّسَانِ بِرَمْيِ الْفَوَاحِشِ وَالْبُهْتَانِ ، يُقَالُ فُلَانٌ بَذِيءُ اللِّسَانِ ، وَالْبَذَاذَةُ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّهَا مِنَ الْإِيمَانِ"هِيَ رَثَاثَةُ الثِّيَابِ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَفْرَشِ ، وَذَلِكَ تَوَاضُعٌ عَنْ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَثَمِينِ الْمَلَابِسِ وَالْمُفْتَرَشِ ، وَهِيَ مَلَابِسُ أَهْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، يُقَالُ فُلَانٌ بَذُّ الْهَيْئَةِ رَثُّ الْمَلْبَسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ""

(149 ) سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّاءَ الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيَّ وَحَدَّثَنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ , عَنْ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ أَبِي قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"تَهَادَوْا تَحَابُّوا"فَقَالَ: بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الْحُبِّ ، وَأَمَّا بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْمُحَابَاةِ""

(150 ) سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ الضَّبِّيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ:"مَا رَأَيْنَا مِثْلَ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَلَا رَأَى عُثْمَانُ مِثْلَ نَفْسِهِ أَخَذَ الْأَدَبَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، وَالْفِقْهَ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيِّ ، وَالْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ رَحِمَهُ اللَّهُ"

(151 ) حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ قَالَ: ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ , عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ حَتَّى تَرَى إِبْهَامَاهُ قَرِيبًا مِنَ أُذُنَيْهِ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَزُهَيْرٍ وَهُشَيْمٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهُمَا عِنْدَ الرُّكُوعِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا صِفَةَ الرَّفْعِ كَيْفَ يَرْفَعُ ، وَإِلَى أَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْعَوْدَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِرَاءَتَهُ وَرُكُوعَهُ ، وَسُجُودَهُ ، وَتَسْلِيمَهُ كَيْفَ كَانَ ، فَهَذَا الَّذِي يَسْبِقُ الْقَلْبُ إِلَى صِحَّتِهِ عَنْ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ , عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَهُوَ تَابِعِيُّ بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْكُوفَةَ إِذَا هُوَ يَقُولُ:"رَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ"، قَالَ سُفْيَانُ:"فَإِذَا هُمْ لَقَّنُوهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ"، وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ:"لَا يَصِحُّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ"، وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يُضَعِّفُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ: وَلَوْ صَحَّ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّهُ عَادَ لِرَفْعِهِمَا كَانَ أَوْلَى الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ حَدِيثُ صَاحِبِ الرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحِكَايَةِ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْحِفْظِ ، وَالَّذِي قَالَ: لَمْ أَرَ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنَّهُ عَادَ وَلَمْ يَرَهُ""

(152 ) سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ:"كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ عِنْدَنَا إِمَامًا فَكَيْفَ بِخُرَاسَانَ ؟"

(153) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الصَّيْدَلَانِيَّ ، جَارَ إِسْحَاقَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ يَقُولُ:"لَوْ صَلَحَ فِي زَمَانِنَا أَحَدٌ لِلْقَضَاءِ لَصَلُحَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ"

( 154 ) قَالَ: وثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى غَيْرَ مَرَّةٍ ، إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ:"سَلُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ"

(155 ) سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّيَ يَقُولُ: جَالَسْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ أَرْبَعَ سِنِينَ ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ طُولَ تِلْكَ الْمُدَّةِ يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ الْعِلْمَ إِلَّا أَنِّي حَضَرْتُهُ يَوْمًا ، وَقِيلَ لَهُ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ: وَمَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ لَوْ وَعَظْتَهُ أَوْ زَبَرْتَهُ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ:"أَنَا لَا أُفْسِدُ مُرُوَّتِي بِصَلَاحِهِ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَضَائِلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ ، فَإِنَّهُ إِمَامُ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ ، وَأَمَّا كَلَامُهُ فِي فِقْهِ الْحَدِيثِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ ، وَمُصَنَّفَاتُهُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَشْهُورَةٌ ، وَلَعَلَّهَا تَزِيدُ عَلَى سِتِّ مِائَةِ جُزْءٍ عِنْدَنَا مِنَ الْمَسْمُوعَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ جُزْءٍ""

(157 ) وَسَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَأْمُونَ الْمِصْرِيَّ الْحَافِظَ ، يَقُولُ:"خَرَجْنَا مَعَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى طَرَسُوسَ سَنَةً لِلْغَدَاءِ ، فَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ ، وَاجْتَمَعَ مِنَ الْحُفَّاظِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِرْبَعٌ ، وَأَبُو الْأَذَانِ وَكُلَيْجَةُ وَغَيْرُهُمْ ، فَتَشَاوَرُوا مَنْ يُنْتَقَى لَهُمْ عَلَى الشُّيُوخِ ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ وَكَتَبُوا كُلُّهُمْ بِانْتِخَابِهِ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَأَمَّا كَلَامُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى فِقْهِ الْحَدِيثِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ السُّنَنِ لَهُ تَحَيَّرَ فِي حُسْنِ كَلَامِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا الْكِتَابُ بِمَسْمُوعٍ عِنْدَنَا وَمَعَ مَا جَمَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ الْفَضَائِلِ رُزِقَ الشَّهَادَةُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ""

المبحث الثالث - مفهومُ فقه الحديث

فقه الحديث مركب إضافي، يتكون من محددين الأول الفقه، والثاني الحديث، ولما كان الثاني من المصطلحات المتداولة في جميع الكتب المتعلقة بعلوم الحديث و المصطلح [1] ، فلن أتناولها بالشرح والبيان، وسوف أقتصر على مصطلح الفقه، ثم أعرج على صياغة تعريف خاص بالمركب.

أولا: مفهومُ الفقه، ومضمونه:

1-الفقه في اللغة: جاء في لسان العرب"الفقه العلم بالشيء والفهم له" [2] ، وقال ابن القيم:"الفقه أخص من الفهم لأن الفقه فهمُ مراد المتكلم من كلامه" [3] ، أما الراغب الأصفهاني فقد قال:"الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم" [4] .

2-الفقه في الاصطلاح: لقد كان الفقه في الصدر الأول يطلق على أحكام الدين كله، وذلك قبل أن تتمايز العلوم، حتى إذا وجدت ظاهرة الاختصاص أصبح الفقه"اصطلاحا علميا يطلق على الأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات الخاصة دون العقائد والوجدانيات" [5] ، ثم صار فيما بعد عند إطلاقه يراد به معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية [6] .

ثانيا: فقه الحديث في الاصطلاح

مما سبق تحريره تبين أن فقه الحديث يعني:"الفهم العميق للنص النبوي، بالنظر إلى طبيعة تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحال المتلقي عنه في سياقه الزماني، وإطاره المكاني".

شرح التعريف:

-أعني بقولي:"الفهم العميق"احترازا من المجازفة حين النظر في النصِّ النبوي، بسب إغفال شروط النظر المعتبرة عند أهل العلم، وعلى الخصوص منهم علماء الأصول والمقاصد.

-وأما قولي:"بالنظر إلى طبيعة تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس في تصرفاته على طبيعة واحدة، بل هو إما يتصرف بطبيعته كمبلغ، وإما ليس كذلك؛ أي إن لم يكن مبلغا فهو على مقامات متنوعة فهو إما يتصرف بالجبلية والخصوصية البشرية، وإما إماما أو مفتيا أو قاضيا، ومعنى ما سبق يلخص فيما يلي:

1-أنه يتصرف بصفته مبلغا.

2-أنه يتصرف بغير صفة التبليغ، وهاهنا يكون على حالات:

أ- تصرفه بالصفة البشرية، والجبلية.

ب- تصرفه كإمام.

جـ-تصرفه كمفت.

د-تصرفه كقاض.

-أما قولي:"وحال المتلقي عنه في سياقه الزماني، وإطاره المكاني"، أقصد بذلك ربط الفهم بالنظر إلى حال المتلقي أو المتلقين في سياق الزمان و المكان، وذلك من حيث:

أ-النظر إلى وضعية المتلقي في الإسلام؛ أعني هل هو معتنق جديد للإسلام أم هو من أهل السبق من الرعيل الأول، حتى أن الله فرق بين من آمن قبل الفتح وبعد الفتح، فقال جل جلاله: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌا} [سورة الحديد:10 ] وقوله أيضا: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } [سورة الفتح:18] .

وفي صحيح البخارى (3007 ) عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا - رضى الله عنه - يَقُولُ بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ قَالَ: « انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ ، فَخُذُوهُ مِنْهَا » . فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِى الْكِتَابَ . فَقَالَتْ مَا مَعِى مِنْ كِتَابٍ . فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ . فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا ، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا حَاطِبُ ، مَا هَذَا » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لاَ تَعْجَلْ عَلَىَّ ، إِنِّى كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِى قُرَيْشٍ ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِى ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِى ، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا وَلاَ رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَقَدْ صَدَقَكُمْ » . قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . قَالَ « إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ » [7] ..

ب-اعتبار ظروف المكان والزمان التي صدر فيها القول أو الفعل من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ لا يُتصَوَرُ أن يصدر شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دون سابق مقدمات ولا سابق سبب، سوى ما كان ابتداء شرع، مع ما يمكن أن يرد على هذا التوضيح من اعتراض بحديث الرسول نفسه الذي رواه البخارى (7289 ) عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَىْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ » . فالملاحظ أن السائل كاد يكون سببا لفرض شرع.

المبحث الرابع-أهمية فقه الحديث وقواعده عند بعض العلماء

أولا- أهمية فقه (فهم) الحديث

يعتبر فهم نصوص الحديث المرحلة الأولى في التعامل الصحيح معه؛ ذلك أن الحديث هو المصدر الثاني لأحكام الشريعة، وهو المصدر أيضا لتصور الفعل الذي تعلق به الحكم، وهو مصدر الطريقة المتبعة في تنزيل هذا الفهم على المحل.

ومعلوم أيضا أن الاجتهاد في الفهم، يعتمد على تعامل العقل مع النصوص -جمعا ودراسة وتحليلا لمعرفة المراد الإلهي والنبوي والكشف عنه للتحقق به- والاستنباط منها لتنزيلها على المحال المتنوعة، وذلك بالاعتماد على أسس ترجع كلها إلى خصائص الوحي، يقول ابن القيم:"صحةُ الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبدٌ عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم، الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح و الفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الربِّ في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى" [8] .

ثانيا: قواعدُ بعض العلماء في فقه الحديث

الاجتهاد في فهم الحديث لا يهدف إلى الوصول إلى أحكام الأفعال المشخصة الواقعة، ولكنه يهدف إلى استنباط أحكام عامة ومجردة، لأجناس الأفعال وليس للأفعال المتجسدة، وذلك بالاعتماد على قواعد الاستنباط المعتمدة ومنها:

1-تحري قوانين اللسان العربي في التعبير، إذ الحديث جاء بلسان عربي مبين، وقد وضع الأصوليون القواعد اللغوية التي تضبط هذا الأمر.

2-الاستفادة من السياق التاريخي للأحداث المواكبة لورود الحديث، وكذلك الظروف النفسية والاجتماعية والفكرية، وكل الواقع العربي الذي كان يحيط بالجماعة المسلمة في تلك الفترة.

3-مراعاة التكامل في الخطاب النبوي، وذلك أن الأحاديث النبوية تردُ بحسب ظروف ومناسبات مختلفة عايشها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعاصر أخرى، فهي في الدواوين لا تنتظم في الغالب جميعا وحصرا في موضع واحد، بل الخطاب النبوي يتناول المسألة الواحدة في مواضع عديدة، وفي أحاديث مختلفة وسياقات متغايرة، ومن ثم لا يمكن فهم ورود حديث في حادثة معينة إلا بربط طرق الحديث ببعضها البعض، والتعامل معها على أنها كلٌّ متكامل.

4-فهم الحديث وفق المعاني التي قصدها النبي - صلى الله عليه وسلم - من إيراده لهذا الحديث بهذا اللفظ المتضمن لحكم معين، أو فتوى، أو قضاء، أو تبليغ شرع، وذلك بتظافر المعرفة بأسباب الورود، والاعتماد على طرق كشف المقاصد.

5-الاستفادة بما توصل إليه العلم في العصر الحديث من معارف يقينية، وقوانين وسنن كونية ونفسية واجتماعية لفهم معنى الحديث النبوي، أما المعارف الظنية فإنه يمكن الاستئناس بها في الترجيح بين الاحتمالات المختلفة دون الاعتماد عليها.

ـــــــــــــــ

(1) - أ- في اللغة أنظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة،2/36. الزبيدي،تاج العروس،1/612، ابن الجوزي،نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه و النظائر،ص:249.

ب- وفي الاصطلاح تباينت تعريفاتهم بين مدقق ومطلق يمكن مراجعتها في المصنفات الآتية:

-ابن تيميه، ص55 وَ60-61، ابن حجر، شرح نخبة الفكر، ص:3-4، هامش:05، التهانوي،قواعد في علوم الحديث،ص:24-26،مع التعليق الوارد في الهامش، عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، ص:27

(2) - ابن منظور، لسان العرب، 4/1119

(3) - ابن القيم، إعلام الموقعين، دار الجيل، بيروت، 2/264.

(4) - الراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن، ص:430 .

(5) - الدريني، أصول التشريع الإسلامي ومناهج الاجتهاد بالرأي،ص:9.

(6) - مصطفى سعيد الخن، دراسة تاريخية للفقه وأصوله، ص: 10.

(7) - العقاص: جمع عقيصة أو عقصة وهى الضفائر

(8) - إعلام الموقعين - (ج 1 / ص 87)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت