فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 522

قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا , عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: يَجِبُ الْوَقْفُ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ أَمَرَ الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ , كَمَا أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ: أُمِرْنَا بِكَذَا فَإِنَّمَا يَقْصِدُ الِاحْتِجَاجَ لِإِثْبَاتِ شَرْعٍ , وَتَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ , وَحُكْمٍ يَجِبُ كَوْنُهُ مَشْرُوعًا , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِأَمْرِ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ تَحْلِيلٌ وَلَا تَحْرِيمٌ , إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَمْرًا عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَثَبَتَ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا , لِيُخْبِرَ بِإِثْبَاتِ شَرْعٍ وَلُزُومِ حُكْمٍ فِي الدِّينِ , وَهُوَ يُرِيدُ أَمْرَ غَيْرِ الرَّسُولِ وَمَنْ لَا يَجِبُ طَاعَتُهُ , وَلَا يَثْبُتُ شَرْعٌ بِقَوْلِهِ , وَأَنَّهُ مَتَى أَرَادَ أَمْرَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ وَجَبَ تَقْيِيدُهُ لَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَمْرَ مَنْ يَثْبُتُ بِأَمْرِهِ شَرْعٌ , وَهَذِهِ الدِّلَالَةُ بِعَيْنِهَا تُوجِبُ حَمْلَ قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - , فَإِنْ قِيلَ: هَلْ تَفْصِلُونَ بَيْنَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَبَيْنَ قَوْلِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ؟ قِيلَ: لَا , لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ أَحَدًا فَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ , فَأَمَّا إِذَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ أَمْرَ الْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ , وَأَمْرُهُمْ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا , وَيَحْرُمُ مُخَالَفَتُهَا , وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالُوهُ رَأْيًا وَاجْتِهَادًا , وَلَمْ يُسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ شَيْءٌ , فَإِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ عَلَى التَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيمِ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ كَأَمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَقَدْ يُفْصَلُ بَيْنَ الْقَائِلِ لِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ الْقَائِلِ لَهُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ , بِأَنَّ الْقَائِلَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ جُعِلَ لَهُ بِحَقِّ مُعَاصَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَلَقِّيهِ عَنْهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ , وَمَنْ بَعْدَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَمْرَ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا حُمِلَ قَوْلُ الْقَائِلِ: أُمِرْنَا بِكَذَا عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كَوْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - آمِرًا بِهِ , لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِفِعْلِ مَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ , وَنَهَى عَمَّا نَهَتْ عَنْهُ , وَإِنَّمَا نَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ مَنْ لَا يَثْبُتُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ حُكْمٌ وَشَرْعٌ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْعَمَلُ , وَلَيْسَ هَذِهِ حَالَ أَمْرِ الْأَئِمَّةِ بِالشَّيْءِ". [1] "

وذلك بناء على أن حال ما يحكيه الصحابي من ذلك إنما كان لبيان شرائع الدين ، والتبليغ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، خصوصا ولا يكاد يوجد الشيء من ذلك لا شاهد له من النصوص المسندة صراحة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال الخطيب:"والدليل عليه: أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا ، فإنما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع وتحليل وتحريم وحكم يجب كونه مشروعا. [2] "

مثاله: عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّىَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَىَّ ، فَنَهَانِى أَبِى وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ . [3]

وذهب بعض أهل العلم ، كابن حزم ، إلى أن هذه الصورة ليست مسندًا مرفوعًا [4] .

واعترض بعضهم باحتمال أن يكون الآمر الناهي من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وهذا ضعيف ، فإن الصحابة فيما دلَّ عليه الاستقراء لم يكونوا يستعملون ذلك في أمر أو نهي أوسنة أحد إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ رَجُلاَنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَقُولاَنِ السُّنَّةَ إلَّا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إنْ شَاءَ اللَّهُ .

قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَقُولُونَ بِالسُّنَّةِ , وَالْحَقِّ إلَّا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . [5] .

قلت: وقول الشافعي: ( إن شاء الله ) ، من أجل مظنة أن يقول الصحابي الشيء من ذلك بمحض اجتهاده ، وليس بمنزلة المرفوع الصحيح .

وأما قصة حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ: كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ ، فَتُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ ، ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، ثُمَّ يُضْرَبَ بِهِ ، فَقُلْتُ لأَنَسٍ: فِي زَمَانِ مَنْ كَانَ هَذَا ؟ قَالَ: فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.. [6]

فهذا خبر لا يصح رواية ، فلا يتعقب بمثله [7] .

وإذا حكى الصحابي أمرا شائعا ، ونسبه إلى عامة الصحابة ، كأن يقول: ( كانوا يفعلون كذا ) ولا يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ما يدل على إرادة زمانه - صلى الله عليه وسلم - ، ليس فيه إلا إضافة ذلك إلى الصحابة ، فهذا موقوف [8] .

وذلك كقول أبي سعيد الخدري: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه ، إلا أن يأمروا رجلًا فيقرأ عليهم سورة ، أو يقرأ رجلٌ سورة من القرآن [9] .

المسألة السادسة: بَابٌ فِي حُكْمِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَقُولُ كَذَا وَنَفْعَلُ كَذَا

قال الخطيب في الكفاية:"عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ , قَالَ: أَنَا قَدْ كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَيُّ:"أَفْضَلُ أُمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ""

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ:"كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , يَعْنِي الْعَزْلَ"

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ , أَنَّ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ , حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ , قَالَ:"كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ , أَوْ صَاعَ أَقِطٍ , لَا نُخْرِجُ غَيْرَهُ"

قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَقُولُ كَذَا ، مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْثِيرِ , وَمِمَّا يُفِيدُ تَكْرَارَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَاسْتِمْرَارَهُمْ عَلَيْهِ , فَمَتَى أَضَافَ ذَلِكَ إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى وَجْهٍ كَانَ يَعْلَمُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا يُنْكِرُهُ , وَجَبَ الْقَضَاءُ بِكَوْنِهِ شَرْعًا , وَقَامَ إِقْرَارُهُ لَهُ مَقَامَ نُطْقِهِ بِالْأَمْرِ بِهِ , وَيَبْعُدُ فِيمَا كَانَ يَتَكَرَّرُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ لَهُ وَفِعْلُهُمْ إِيَّاهُ أَنْ يَخْفَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وُقُوعُهُ , وَلَا يَعْلَمَ بِهِ , وَلَا يَجُوزُ فِي صِفَةِ الصَّحَابِيِّ أَنْ يَعْلَمَ إِنْكَارًا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي ذَلِكَ وَلَا يَرْوِيهِ ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَالْحُجَّةَ فِي إِنْكَارِهِ لَا فِي فِعْلِهِمْ لِمَا يُنْكِرُهُ , وَرَاوِي ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي جَعْلِ الْفِعْلِ شَرْعًا , وَلَا يُمْكِنُ فِي صِفَتِهِ رِوَايَةُ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ بِشَرْعٍ , وَتَرْكُهُ رِوَايَةَ إِنْكَارِهِ لَهُ الَّذِي هُوَ الشَّرْعُ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَرِّرُ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ إِقْرَارِهِ شَرْعًا ثَابِتًا لِمَا قُلْنَاهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ

وعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا لَا نَرَى بِكِرَاءِ الْأَرْضِ بَأْسًا حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ", فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَقَدْ نَهَى ابْنُ خَدِيجٍ عَنْ أَمَرٍ نَافِعٍ لَنَا"أَفَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يَذْكُرَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ إِلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّهْيِ عَنْهُ".

وَمَتَى جَاءَتْ رِوَايَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ أَوْ يَفْعَلُونَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الرِّوَايَةِ مَا يَقْتَضِي إِضَافَةَ وُقُوعِ ذَلِكَ إِلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَلَا دِلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ جَوَازُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فَيُحْكَمُ بِهِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّهُ شَرْعٌ ثَابِتٌ ، تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْه"ِ [10] "

قال السيوطي [11] :"قول الصَّحابي: كنَّا نقول كذا, أو نفعل كذا أو نرى كذا إن لم يُضفه إلى زمنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فهو موقوف، كذا قال ابن الصَّلاح تبعًا للخطيب في الكفاية [12] "

وحكاهُ المُصنِّف في «شرح مسلم» [13] عن الجُمهور من المُحدِّثين وأصْحَاب الفقه والأصُول, وأطلق الحاكم والرَّازي والآمدي أنَّه مرفوعٌ.

وحكَاهُ المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» عن كثير من الفُقهاء, قال: وهو قوي من حيثُ المعنى, وصحَّحه العراقي وشيخ الإسلام.

ومن أمثلته: ما رواه البُخَاري [14] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا ، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا . , وإن أضَافهُ فالصَّحيح الذي قطعَ به الجُمهور من أهل الحديث والأصُول أنَّه مرفوعٌ.

قال ابن الصَّلاح [15] : لأنَّ ظاهر ذلكَ مُشْعر بأنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - اطَّلع على ذلك, وقرَّرهُم عليه, لتوفُّر دواعيهم على سُؤالهم عن أمور دينهم, وتقريره أحد وجُوه السُّنن المرفوعة, ومن أمثلة ذلك قولُ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ لَقَدْ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [16]

وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .. [17]

وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: إنَّه موقوف وهو بعيد جدًّا والصَّواب الأول.

قال النووي في «شرح مسلم» [18] : وقال آخُرونَ إن كان ذلك الفعل مِمَّا لا يَخْفَى غَالبًا كان مرفوعًا, وإلاَّ كان موقوفًا, وبهذا قطع الشَّيخ أبو إسْحاق الشِّيرازي, فإن كان في القِصَّة تصريحٌ باطِّلاعه - صلى الله عليه وسلم - , فمرفوعٌ إجماعًا, كقول ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، فَيَبْلُغُ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَلاَ يُنْكِرُهُ عَلَيْنَا.. رواه الطَّبراني في «الكبير» [19] والحديث في الصَّحيح بدُون التَّصريح المذكُور.

وكذا قوله أي الصَّحابي: كُنَّا لا نَرَى بأسًا بكذَا في حياةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - , أو وهو فينَا, أو وهو بين أظْهُرنَا, أو كانُوا يَقُولون, أو يفعلون, أو لا يرون بأسا بكذا في حياته - صلى الله عليه وسلم - , فكله مرفوع مخرَّج في كُتب المَسَانيد ومن المرفوع: ما روي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:"كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ" [20] .

قال ابن الصَّلاح [21] : بل هو أحْرَى باطِّلاعه - صلى الله عليه وسلم - عليهِ.

قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًا لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ ، فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ ، حَكَى عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًا ، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْمَوْقُوفَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُشْبِهُهُ ، فَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَى الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَشَرْحُهُ أَنْ يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَى الصَّحَابِيِّ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ ، وَلَا إِعْضَالٍ ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّحَابِيَّ ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا ، وَكَانَ يَفْعَلُ كَذَا ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِكَذَا وَكَذَا اهـ

والحديث المذكُور أخرجهُ البُخَاري في «الأدب» من حديث أنس.

وعن شيخ الإسْلام: تعبَ النَّاس في التَّفتيش عليه من حديث المُغيرة, فلم يَظْفرُوا به.

قلت: هو في الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (542) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، فِي الْأَمَالِي ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْحَافِظُ ، بِأَسَدَآبَادَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّيْبَقِيُّ ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ ، قَالَ ثنا الْأَصْمَعِيُّ ، ثنا كَيْسَانُ ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ هُوَ أَخُو هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَزِيزِ الْحَدِيثِ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي الْجَامِعِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

قلت: رواه البخاري في الأدب المفرد 1120 حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: إِنَّ أَبْوَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَتْ تُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ" [22] "

ومن المرفُوع أيضًا اتِّفاقًا: الأحاديث الَّتي فيها ذكرُ صِفة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ونحو ذلك.

أمَّا قولُ التَّابعي ما تقدَّم فليس بمرفوع قطعًا, ثمَّ إن لم يُضفهُ إلى زمنِ الصَّحابة فمقطوع لا موقوف, وإن أضافهُ فاحتمالان للعراقي, وجه المنع أنَّ تقرير الصَّحابي قد لا يُنسب إليه بِخلافِ تَقْرير النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , ولو قال: كانُوا يَفْعلون, فقال المُصنِّف في «شرح مسلم» [23] : لا يدلُّ على فعل جميع الأمَّة, بل البعض, فلا حُجَّة فيه, إلاَّ أن يُصرِّح بنقله عن أهل الإجماع, فيَكُون نقلًا له, وفي ثُبوته بخبر الواحد خلاف.

وأما قول الصَّحابي: أُمرنا بكذا كقول أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا - تَعْنِى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - - أَنْ نُخْرِجَ فِى الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ.. [24]

أو نُهينَا عن كذا فعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا .. [25]

أو من السُّنة كذا فعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ:"مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ" [26] .

أو أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ. زَادَ يَحْيَى فِى حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ فَقَالَ إِلاَّ الإِقَامَةَ. [27] .

وما أشبههُ, كُله مرفوعٌ على الصَّحيح الَّذي قالهُ الجُمهور.

قال ابن الصَّلاح [28] : لأنَّ مُطْلق ذلك يَنْصرفُ بظاهرهِ إلى من له الأمر والنَّهي, ومن يجبُ اتِّباع سُنَّته, وهو رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال غيره: لأنَّ مقصود الصَّحابي بيان الشَّرع لا اللغة ولا العادة, والشَّرعُ يتلقَّى من الكِتَاب والسُّنة والإجْمَاع والقِياس ولا يصحُّ أن يريد أمر الكتاب, لكون ما في الكتاب مَشْهورًا يعرفه النَّاس, ولا الإجماع, لأنَّ المُتكلم بهذا من أهل الإجماع, ويستحيل أمره نفسه, ولا القياس, إذ لا أمر فيه, فتعيَّن كَوْن المُرَاد أمر الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل: ليسَ بمرفوعٍ, لاحتمال أن يَكُون الآمر غيره, كأمر القُرآن, أو الإجْمَاع, أو بعض الخُلفاء, أو الاستنباط, وأن يريد سنة غيره.

وأُجيب بِبُعدِ ذلك, مع أنَّ الأصل الأوَّل, وقد روى البُخَاري في «صحيحه» عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ - رضى الله عنهما - سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ - رضى الله عنه - كَيْفَ تَصْنَعُ فِى الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ سَالِمٌ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلاَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ صَدَقَ . إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِى السُّنَّةِ . فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِى ذَلِكَ إِلاَّ سُنَّتَهُ [29] .

وأمَّا قولُ بعضهم: إن كانَ مرفوعًا, فلمَ لا يَقُولون فيه: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟.

(1) - انظر: معرفة علوم الحديث ، للحاكم ( ص: 22 ) ، والكفاية ، للخطيب ( ص: 591 - 595 ) (1287-1289)

(2) - الكفاية ( ص: 592 ) .

(3) - صحيح البخارى (790 ) ومسلم (1222 )

طبق: جمع بين أصابع يديه وجعلهما بين ركبتيه في الركوع.

(4) - الأحكام في أصول الأحكام ( 2 / 72 ) .

(5) - الأم ( 1 / 271 ) والأم للشافعي مشكل - (ج 3 / ص 443) ومنظومة مصباح الراوي في علم الحديث - (ج 1 / ص 86)

(6) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 50) (29276)

ثمرته: هو العُقدة التي تكون في طَرفه ، فتُقطع ، ويُدق السوط بين حجرين ليلين ليَكون أيسر على من يُضرب به .

(7) - وعلته حَنظلة فإنه ضعيف الحديث .

(8) - انظر: الكفاية ، للخطيب ( ص: 595 ) .

(9) - أثرٌ صحيح . أخرجه ابنُ سعد في"الطبقات" ( 2 / 374 ) أخبرنا أبو داود الطيالسي .

(10) - الكفاية (1290-1293)

(11) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 3) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 125)

(12) - الكفاية ص 593-595

(14) - صحيح البخارى (2993 )

(15) - علوم الحديث 68 -69

(16) - صحيح مسلم (3633 )

(17) - سنن النسائى (4347 ) صحيح

(19) - السنة لابن أبي عاصم (1195,1196) ومسند الشاميين (1764) وهو صحيح

(20) - معرفة علوم الحديث (29 ) وهو صحيح

(21) - علوم الحديث 69

(22) - مسند البزار (7604) وأصفهان 2/ 110 و 365 وصحيح الجامع ( 4805 ) فالحديث حسن لغيره

(24) - صحيح البخارى (974 ) وصحيح مسلم (2091 )

الخدور: جمع الخدر وهو الستر العواتق: جمع العاتق وهى الشابة أول ما تبلغ

(25) - صحيح البخارى (1278 ) ومسلم (2210)

(26) - أخرجه أبو داود ( 667 ) وفيه ضعف

(27) - صحيح مسلم (864 )

(28) - علوم الحديث 69

(29) - صحيح البخارى (1662 و1660)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت