فجَوَابه: أنَّهم تَرَكُوا الجَزْم بذلكَ تورعًا واحتياطًا, ومن هذا ما روي عَنْ أَنَسٍ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا ثُمَّ قَسَمَ . قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ وَخَالِدٍ قَالَ خَالِدٌ وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - [1] .. أي: لو قلتُ لم أكْذِب, لأنَّ قوله: من السُّنة, هذا معناه, لكن إيراده بالصِّيغة التي ذكرهَا الصَّحابي أولَى, وخَصَّص بعضهم الخلاف بغير الصديق, أمَّا هو فإن قال ذلك فمرفوعٌ بلا خلاف.
قلت: ويُؤيد الوقف في غيره, ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» ، عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ: كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ ، فَتُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ ، ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، ثُمَّ يُضْرَبَ بِهِ ، فَقُلْتُ لأَنَسٍ: فِي زَمَانِ مَنْ كَانَ هَذَا ؟ قَالَ: فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. [2] .فإن صرَّح الصَّحابي بالأمر, كقوله: أَمرنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - , فلا خِلافَ فيه, إلاَّ ما حُكي عن داود وبعض المُتكلمين: أنَّه لا يكون حُجَّة حتى ينقل لفظه, وهذا ضعيف, بل باطل, لأنَّ الصَّحابي عدلٌ عارف باللِّسان, فلا يطلق ذلك إلاَّ بعد التحقيق.
قال البَلْقيني [3] : وحكم قوله: من السُّنة, قولُ ابن عبَّاس في متعة الحجِّ: سُنَّة أبي القاسم [4] .
وقول عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لاَ تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ، عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. [5] .
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ خَرَجْتُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَدَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لِى مَتَى أَوْلَجْتَ خُفَّيْكَ فِى رِجْلَيْكَ قُلْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ فَهَلْ نَزَعْتَهُمَا قُلْتُ لاَ قَالَ أَصَبْتَ السُّنَّةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ [6] .
قال: وبعضها أقرب من بعض, وأقربها للرَّفع: سُنة أبي القاسم, ويليها: سُنَّة نبينا, ويلي ذلك: أصبتَ السُّنة.
ولا فرقَ بين قوله أي: الصَّحابي ما تقدَّم في حياةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعده ، أمَّا إذا قال ذلك التَّابعي, فجزم ابن الصبَّاغ في العِدَّة أنَّهُ مرسل, وحكى فيه إذَا قالهُ ابن المُسيب وجْهين: هل يَكُون حُجَّة أو لا ؟ وللغزالي فيه احتمالان بلا ترجيح, هل يَكُون موقوفًا, أو مرفُوعًا مُرسلًا.
وكذا قوله: من السُّنة له وجْهانِ, حكاهما النووي في «شرح مسلم» [7] وغيره, وصحَّح وقفه, وحَكَى الدَّاودي الرفع عن القديم.
ومن المرفُوع أيضًا: ما جاء عن الصَّحابي, ومثلهُ لا يُقَال من قبلَ الرَّأي, ولا مَجَال للاجتهاد فيه, فيُحمل على السَّماع, جزمَ به الرَّازي في «المحصول» وغير واحد من أئمة الحديث.
وترجم على ذلك الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث بقوله ( 36 ) أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ , ثنا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ عَرَّافًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -" [8]
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا بَابٌ كَبِيرٌ ، يَطُولُ ذِكْرُهُ بِالْأَسَانِيدِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالصُّحْبَةِ ، أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ كَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا وَكَذَا ، وَكُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ كَذَا ، وَكُنَّا نَفْعَلُ كَذَا ، وَكُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِينَا ، وَكُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا ، وَكَانَ يُقَالُ كَذَا وَكَذَا ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا وَأَشْبَاهَ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا قَالَهُ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصُّحْبَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ فِي الْمَسَانِيد.
وقد أدخلَ ابن عبد البرِّ في كتابه «التَّقصي» عِدَّة أحاديث من ذلك, مع أنَّ موضوع الكتاب للمرفوعة, منها: حديث سهل بن أبي حَثْمة في صَلاة الخَوْفِ كما في موطأ مالك (445 ) وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِى حَثْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ صَلاَةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ فَيَرْكَعُ الإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِالَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ فَيَكُونُونَ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ثُمَّ يُقْبِلُ الآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهِمُ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ. [9]
هذا الحديث موقوف على سهل, ومثلهُ لا يُقَال من قبل الرَّأي.
نقل ذلك العِرَاقي وأشار إلى تخصيصه بصحابي لم يأخذ عن أهل الكتاب.
وصرَّح بذلك الحافظ ابن حجر في «شرح النُّخبة» [10] حيث قال:"ومثالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ - الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ - ما لا مجالَ للاجْتِهادِ فيهِ ، ولا [ لهُ ] تعلُّقٌ ببيانِ لُغةٍ أَو شرحِ غريبٍ ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ وأَخْبارِ الأنبياءِ (( عليهم الصلاة والسلام ) )أَو الآتيةِ كالملاحمِ والفِتَنِ وأَحوالِ يومِ القيامةِ ."
وكذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ .
وإِنَّما كانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِرًا لهُ ، و [ ما ] لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفًا للقائلِ بهِ ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلاَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ [ وآلهِ ] وسلَّمَ ، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتبِ القديمةِ ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني ، وإِذا كانَ كذلك ؛ فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ [ وآلهِ ] وسلَّمَ ؛ فهُو مَرْفوعٌ ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ . [11]
ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ حُكمًا: أَنْ يفعَلَ الصَّحابيُّ ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ فيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما قالَ الشافعيُّ في صلاةِ عليٍّ في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أَكثرَ مِن رُكوعَيْنِ" [12] ."
قلتُ: وقول الصحابي، أو الموقوف على الصحابي، إنما يأخذ حكم الرفع بشرطين:
الأول: أن يكون هذا الصحابي لا يأخذ عن الإسرائيليات.
الثاني: أن يكون الكلام مما لا مجال للاجتهاد فيه.
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على قول الصحابي: كنَّا نفعل، أو نقول كذا، إن لم يُضِفْه إلى زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال أبو بكر البَرْقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي: إنه من قَبِيل الموقوف، وحكم النَّيْسابوري برفعه، لأنه يدلُّ على التقرير، ورجَّحه ابنُ الصلاح.
قال: ومن هذا القَبيل قولُ الصحابيّ: كنَّا لا نَرى بأسًا بكذا، أو كانوا يفعلون أو يقولون، أو يقال كذا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه من قبيل المرفوع.
وقولُ الصحابي أُمِرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا: مرفوع مسنَد عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي، وكذا الكلام على قوله من السّنة كذا، وقول أنَسٍ أُمِرَ بلال أن يَشْفَع الأذانَ ويُوتر الإقامةَ.
قال: وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، فإنما ذلك فيما كان سَببَ نُزولٍ، أو نحوَ ذلك.
أما إذا قال الراوي عن الصحابي: يَرفعُ الحديثَ أو يَنْميه أو يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع. والله أعلم، [13] .
وعلق الشيخ أحمد شاكر على أن قول الصحابي: أُمِرنا بكذا أو نُهينا عن كذا يُعَدُّ مرفوعًا؛ فقال: وهو الصحيح، وأقوى منه قول الصحابي أُحل لنا كذا، أو حُرِّم علينا كذا، فإنه ظاهر في الرفع حكمًا، لا يحتمل غيره [14] .
وعلق، أيضًا، على القول بأن تفسير الصحابي في حكم المرفوع؛ فقال: أما إطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة له حكم المرفوع، وأن ما يقوله الصحابي، مما لا مجال فيه للرأي مرفوع حكمًا كذلك: فإنه إطلاقٌ غير جيد، لأن الصحابة اجتهدوا كثيرًا في تفسير القرآن، فاختلفوا، وأفتوا بما يرونه من عمومات الشريعة تطبيقًا على الفروع والمسائل، ويظن كثير من الناس أن هذا مما لا مجال للرأي فيه. وأما ما يحكيه بعض الصحابة من أخبار الأمم السابقة، فإنه لا يعطى حكم المرفوع أيضًا، لأن كثيرًا منهم، رضي الله عنهم، كان يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب، على سبيل الذكرى والموعظة، لا بمعنى أنهم يعتقدون صحتها، أو يستجيزون نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حاشا وكلا. [15] .
وقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [16] :"وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّاحِبِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ كَمَا يَذْكُرُ السَّبَبَ الَّذِي أُنْزِلَتْ لِأَجْلِهِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْنَدِ فَالْبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرُهُ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ وَأَكْثَرُ الْمَسَانِدِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ كَمُسْنَدِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ سَبَبًا نَزَلَتْ عَقِبَهُ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُدْخِلُونَ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُسْنَدِ".
وجزم بذلك أيضًا الزَّرْكشي في «مختصره» نقلًا عن ابن عبد البر.
وأمَّا البَلْقيني [17] فقال: الأقرب أنَّ هذا ليس بمرفوع, لجَوَاز إحَالة الإثم على ما ظهر من القواعد, وسبقهُ إلى ذلك أبو القاسم الجَوْهري, نقلهُ عنه ابن عبد البر, وردَّهُ عليه.
وإذا قيلَ في الحديث عند ذِكْر الصَّحابي: يرفعه أو رفع الحديث أو ينميه, أو يبلغ به كقول ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ « الشِّفَاءُ فِى ثَلاَثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، وَكَيَّةِ نَارٍ ، وَأَنْهَى أُمَّتِى عَنِ الْكَىِّ » . رَفَعَ الْحَدِيثَ [18] .
وروى مالك في «الموطأ» (381) وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِى حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِى الصَّلاَةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ لاَ أَعْلَمُ إِلاَّ أَنَّهُ يَنْمِى ذَلِكَ..
وكحديث الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - « النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ » . [19] .
أو رِوَاية كحديث عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رِوَايَةً:"تُقَاتِلُونَ قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ ذُلْفَ يَعْنِي الْأَنْفَ , كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ" [20] .
قال الخطيب:"كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الصَّحَابِيِّ الْحَدِيثَ وَرِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَفِيمَا صَرَّحَ بِرَفْعِهِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْقَبُولِ وَالْتِزَامِ الْعَمَلِ اهـ"
وإذَا قِيلَ عند التَّابعي: يَرْفعهُ, فمرفُوعٌ مُرسل, وأمَّا قولُ من قال: تفسير الصَّحابي مرفوعٌ, فذلكَ في تفسير يتعلَّق بسبب نُزول آية, أو نَحْوهُ, وغيره موقُوف.
فكلُّ هذا وشبههُ قال الحافظ ابن حجر: كيرويه, ورواهُ بلفظ المَاضي مرفوعٌ عندَ أهل العِلْمِ, وإذا قِيلَ عند التَّابعي: يرفعه أو سائر الألْفَاظ المذكورة فمرفوع مرسل.
قال الحافظ ابن حجر [21] : ولم يذكروا ما حكم ذلك, لو قيل: عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , قال: وقد ظفرتُ لذلك بمثال في «مسند» البزَّار: عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه. أي: عن ربِّه عزَّ وجلَّ, فهو حينئذ من الأحاديث القُدسية.
المسألة السابعة:الصحابيُّ إذا حدث عن شيء ممَّا كان منهم على حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكن ليس فيه اطِّلاعُهُ - صلى الله عليه وسلم - ولا إقراره ، فهذا ممَّا اختلفوا فيه:هو موقوف في قول الحاكم [22] .
وهذا مثل ما جاء في قصة عمرو بن سلِمة الجرمي عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ قَالَ لِى أَبُو قِلاَبَةَ أَلاَ تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ ، قَالَ فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا . فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلاَمَ ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِى صَدْرِى ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ ، فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِىٌّ صَادِقٌ . فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ ، وَبَدَرَ أَبِى قَوْمِى بِإِسْلاَمِهِمْ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَقًّا فَقَالَ « صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا ، وَصَلُّوا كَذَا فِى حِينِ كَذَا ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا » . فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّى ، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ ، فَقَدَّمُونِى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ ، سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّى ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَىِّ أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ . فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِى قَمِيصًا ، فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ . [23] .
فهذا الحديث دل عند طائفة من أهل العلم على صحة إمامة الصبي ، وحقيقة الأمر أن صنيع القوم في تقديم عمرو مع صغره ليس في الرِّواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اطلع على ذلك وعلم به فأقرَّه.
غير أن محقق القولين: أن ما جاء منقولا فعله عن أحد من الصحابة في حياة النبي الله عليه وسلم فهو مرفوع حكمًا ، ودليل يحتج به ، وهو لاحق بالتَّشريع التقريريِّ ، وذلك من أجل أن الله تعالى مطلع ، والوحي ينزل ، وكم نزل في القرآن في أشياء من أحوال الناس يومئذ لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمها إلا حين ينزل الوحي بخصوصها ؟
ويشهد لهذا ما صح عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كُنَّا نَتَّقِى كَثِيرًا مِنَ الْكَلاَمِ وَالاِنْبِسَاطِ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَخَافَةَ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا الْقُرْآنُ فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَكَلَّمْنَا. [24] .
المسألة الثامنة: حكمُ تفسير الصحابي للقرآن .
قال الحاكم في معرفة علوم الحديث:" ( 29 ) حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْحَافِظُ بِأَسَدَابَاذَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّيْبَقِيُّ , ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ , ثنا الْأَصْمَعِيُّ ، حَدَّثَنَا كَيْسَانُ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:"كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ"قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًا لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ ، فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ ، حَكَى عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًا ، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْمَوْقُوفَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُشْبِهُهُ ، فَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَى الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَشَرْحُهُ أَنْ يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَى الصَّحَابِيِّ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ ، وَلَا إِعْضَالٍ ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّحَابِيَّ ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا ، وَكَانَ يَفْعَلُ كَذَا ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِكَذَا وَكَذَا ، وَمِنَ الْمَوْقُوفِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مَا (30 ) حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي , ثنا يَزِيدُ بْنُ الْهَيْثَمِ , ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَيْدِيِّ , ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَوَّاحَةً لِلْبَشَرِ قَالَ:"تَلْقَاهُمْ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَلْفَحَهُمْ لَفْحَةً فَلَا تَتْرُكُ لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ إِلَّا وَضَعَتْ عَلَى الْعَرَاقِيبِ"قَالَ: وَأَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ تُعَدُّ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ ، فَأَمَّا مَا نَقُولُ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ مُسْنَدٌ ، فَإِنَّمَا نَقُولُهُ فِي غَيْرِ هَذَا النَّوْعِ فَإِنَّهُ كَمَا ( 31 ) أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ:"كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ""
(1) - صحيح البخارى (5214 ) ومسلم (3699 )
(2) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 50) (29276) صحيح
(3) - محاسن الاطلاع ص 123
(4) - صحيح البخارى (1688)
(5) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 5 / ص 162) (19074) صحيح
(6) - سنن الدارقطنى (772 )
(8) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 136) (16939) وهو صحيح
(9) - التمهيد 23/165 ، وقال: قد روي مسندا بهذا الإسناد عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـرواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ، وعبد الرحمن أسنُّ من يحيى بن سعيد وأجلُّ .
(10) - ص 141-142
(11) - إذا قال الصحابي شيئًا لا يقال بالرأي وليس ممن ينقل عن بني اسرائيل فيكون له حكم الرفع مثل قول ابن عباس ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ) .
(12) - وهذا مثل ما يروى عن ابن عباس أنه يصلى للزلزلة مثل ما يصلى للكسوف فحمله بعضهم أنه في حكم المرفوع وأنه لا مجال للإجتهاد فيه لأنه عبادة فدل على أنه يصلى للزلزلة هكذا قال بعض أهل العلم فحمل ذلك على الرفع لأنه فعل لا يحتمل الاجتهاد والعبادات ليست محل اجتهاد وقال آخرون محتمل أنه اجتهاد منه رضي الله عنه وأنه قاس الزلزلة على الكسوف لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال في الكسوف ( يخوف الله بها عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا ) قال بعضهم فلعل ابن عباس وما يروى عن علي كذلك إنما هو للعلة . التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 22)
(13) - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص46-47
(14) - انظر شرحنا على مسند أحمد، في الحديث 5723، وانظر أيضًا الكفاية للخطيب ص 420-422. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص47، حاشية 1
(15) - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص47، حاشية 2. وهذا تحقيق نفيس
(16) - مجموع الفتاوى - (ج 13 / ص 340)
(17) - محاسن الاطلاع ص 128
(18) - صحيح البخارى (5680 )
(19) - مسند أحمد (7508) صحيح ، وهو في الصحيحين
(20) - الخطيب في الكفاية (1277) ومسند الحميدى (1150) وهو صحيح
(21) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 133)
(22) - معرفة علوم الحديث ( ص: 19 ) .
(23) - صحيح البخارى (4302 )
(24) - مسند أحمد (5408) صحيح