فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 522

قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا الْحَدِيثُ وَأَشْبَاهُهُ مُسْنَدَةٌ عَنْ آخِرِهَا ، وَلَيْسَتْ بِمَوْقُوفَةٍ ، فَإِنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي شَهِدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ فَأَخْبَرَ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ، وَمِمَّا يَلْزَمُ طَالِبَ الْحَدِيثِ مَعْرِفَتُهُ نَوْعُ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ ، وَهِيَ مُرْسَلَةٌ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الصَّحَابَةِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ ، مَا ( 32 ) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ , ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:"إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ ، وَبَصَرُكَ مِنَ الْمَحَارِمِ ، وَلِسَانُكَ مِنَ الْكَذِبِ ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً"

قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ الْحَدِيثُ مِنْ صِنَاعَتِهِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَمُرْسَلٌ قَبْلَ التَّوْقِيفِ ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى الْأَشْدَقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ ، وَلَمْ يَرَهُ ، بَيْنَهُمَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ، وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ الْمُتَبَحِّرُ فِي الصَّنْعَةِ ، فَيَقُولُ: لَمْ يَلْحَقِ ابْنَ وَهْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، وَلَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو هَذَا هُوَ الْيَافِعِيُّ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَلَيْسَ بِابْنِ عَلْقَمَةَ الْمَدَنِيِّ وَمِمَّا يَلْزَمُ طَالِبَ الْحَدِيثِ مَعْرِفَتُهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ ، وَهِيَ مُسْنَدَةٌ فِي الْأَصْلِ يَقْصُرُ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ ، فَلَا يُسْنِدُهُ مِثَالُ ذَلِكَ مَا ( 33 ) حَدَّثَنَا أَبُوزَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ , ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ , ثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ , ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، ثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ , ثنا مَنْصُورٌ , عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ , عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:"إِنَّمَا حَفِظَ النَّاسُ مِنْ آخِرِ النُّبُوَّةِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ"قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ أَسْنَدَهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَقَدْ قَصَّرَ بِهِ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ فَوَقَفَهُ ، وَمِثَالُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ كَثِيرٌ ، وَلَا يَعْلَمُ سَنَدَهَا إِلَّا الْفُرْسَانُ مِنْ نُقَّادِ الْحَدِيثِ ، وَلَا تُعَدُّ فِي الْمَوْقُوفَاتِ""

قال العراقي [1] :"وعَدُّ تفسيرِ الصحابةِ مرفوعًا محمولٌ على تفسيرٍ فيه أسبابُ النزولِ . ولم يعيّن ابنُ الصلاحِ القائلَ بأنَّ مطلقَ تفسيرِ الصحابيِّ مرفوعٌ ، وهو الحاكمُ وعزاهُ للشيخينِ فقال في"المستدركِ" [2] :"لِيَعْلَمَ طَالِبُ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ". قال ابنُ الصلاحِ إنَّما ذلك في تفسيرٍ يتعلقُ بسببِ نزولِ آيةٍ يخبرُ بها الصحابيُّ أو نحوِ ذلك ، كقولِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، سَمِعَ جَابِرًا ، يَقُولُ:"كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا ، كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ ، فَنَزَلَتْ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (223) سورة البقرة . [3]

قال: فأمّا سائرُ تفاسيرِ الصحابةِ التي لا تشتمِلُ على إضافةِ شيءٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمعدودةٌ في الموقوفاتِ .""

قلتُ: وكذا يُقَال في التَّابعي, إلا أنَّ المرفوع من جهته مُرْسل.

فالحاكم أطْلق في «المُستدرك» وخصَّص في «علوم الحديث» فاعتمدَ النَّاس تخصيصه, وأظن أنَّ ما حملهُ في «المُستدرك» على التَّعميم الحِرْص على جمع الصَّحيح, حتَّى أورد ما ليسَ من شَرْط المرفُوع, وإلاَّ ففيه من الضَّرب الأوَّل الجَمُّ الغفير, على أنِّي أقول: ليس ما ذكرهُ عن أبي هُريرة من الموقُوف لِمَا تقدَّم من أنَّ ما يتعلَّق بذكر الآخرة, وما لا مَدْخلَ للرَّأي فيه من قَبِيلِ المرفوع.

وما ذكرُوه من أنَّ سبب النُّزول مرفوعٌ، قال الحافظ ابن حجر: يُعكِّر على إطلاقه ما إذا استنبط الرَّاوي السَّبب, كما في حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ:"صَلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ الظُّهْرُ" [4] ،

قلت: فهذا ليس من المرفوع قطعًا .

قال السيوطي:"قد اعتنيتُ بما وردَ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في التَّفسير وعن أصحابه, فجمعت في ذلك كتابًا حافلًا فيه أكثر من عَشْرة آلاف حديث."

قلت: وهو تفسيرٌ قيِّمٌ ، جمع ما ورد في التفسير بالمأثور ، ولكن فيه ما هبَّ ودبَّ ، الصحيح والحسن والضعيف والمنكر والموضوع .

قلت: إذا كان يتصل بسبب نزول ، فهو حديث مسند ، وإن لم يكن يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، من أجل أن النزول كان في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وإن كان بيانا لمعنى ، فهو موقوف ، إلا أن يكون خبرًا لا يقال مثله من قبل الرأي والا جتهاد ، فهذا يكون مرفوعًا حكمًا بشرط أن يؤمن كونُ ذلك الصحابي لم يؤخذ عن أهل الكتاب ، على ما تقدم بيانه من قبل [5] .

ـــــــــــــــ

(1) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 68)

(2) - رقم ( 975 و1946) وقال أيضًا:َقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ""

(3) - صحيح مسلم (3608 )

(4) - النسائي في الكبرى (359 ) وهو صحيح موقوف

(5) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 16) فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت