ويدلُّ على اعتبارِ التمييزِ معَ الرؤيةِ ما قالَهُ شيخُنا الحافظُ أبو سعيدٍ بنُ العلائي في كتابِ"المراسيل"في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ: حنَّكهُ النبيُّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ودعا لهُ [1] . ولا صحبةَ لهُ بلْ ولا رؤيةَ أيضًا ، وحديثهُ مرسلٌ قطعًا .
قلت: وفي التقريب 3265 - عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبو محمد المدني أمير البصرة له رؤية ولأبيه وجده صحبة قال بن عبد البر أجمعوا على ثقته مات سنة تسع وسبعين ويقال سنة أربع وثمانين ع
وكذلكَ قالَ في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ الأنصاريِّ [2] : حنَّكهُ ودعا لهُ ، ولا تُعرفُ لهُ رؤيةٌ ، بلْ هوَ تابِعيُّ وحديثُهُ مرسلٌ . [3]
والقول الثاني: أنَّهُ مَنْ طالتْ صحبتُهُ لهُ ، وكثرتْ مجالستُهُ على طريقِ التَّبَعِ لهُ والأخذِ عنهُ .
حكاهُ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ ، عنِ الأصوليينَ ، وقالَ: إنَّ اسمَ الصحابيِّ يقعُ على ذلكَ مِنْ حيثُ اللغةُ والظاهرُ ، قال: وأصحابُ الحديثِ يطلِقونَ اسمَ الصحبةِ على كلِّ مَنْ روى عنهُ حديثًا ، أو كلمةً ، ويتوسَّعُونَ حتَّى يَعدُّونَ مَنْ رآهُ رؤيةً مِنَ الصحابةِ ، قال: وهذا لِشَرَفِ منزلةِ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أَعطوا كلَّ مَنْ رآهُ حكمَ الصحبةِ .
هكذا حكاهُ أبو المُظَفَّرِ السَّمْعَانيُّ عن الأصوليينَ، وهوَ قولٌ لبعضهمْ ، حكاهُ الآمديُّ وابنُ الحاجبِ ، وغيرُهما . وبه جزمَ ابنُ الصبَّاغِ في"العدَّةِ"فقالَ: الصحابيُّ هوَ الذي لقِيَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وأقامَ عندَهُ ، واتَّبَعَهُ ، فأمَّا مَنْ وَفِدَ عليهِ وانصرفَ عنهُ منْ غيرِ مصاحبةٍ ، ومتابعةٍ ، فلا ينصرفُ إليهِ هذا الاسمُ . وقالَ القاضي أبو بكرِ بنُ الطيبِ الباقلانيُّ: لا خلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصحابيَّ مشتقٌ منَ الصحبةِ ، وأنَّهُ ليسَ بمشتقٍ مِن قدرٍ منها مخصوصٍ ، بلْ هوَ جارٍ على كلِّ مَنْ صَحِبَ غيرَهُ قليلًا كانَ ، أو كثيرًا ، يقالُ: صحِبْتُ فلانًا حولًا ودهرًا وسنةً وشهرًا ويومًا وساعةً ، قالَ: وذلكَ يوجبُ في حكمِ اللغةِ إجراءها على مَنْ صحِبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ساعةً مِن نهارٍ . هذا هوَ الأصلُ في اشتقاقِ الاسمِ . ومعَ ذلكَ فقد تقررَ للأئمةِ عرفٌ في أنَّهُمْ لا يستعملونَ هذهِ التسميةَ إلاَّ فيمَنْ كَثُرَتْ صحبتُهُ ، واتَّصَلَ لقاؤُهُ . ولا يُجْرُونَ ذلكَ على مَنْ لقِيَ المرءَ ساعةً ،
ومشى معهُ خُطًى وسمعَ منهُ حديثًا . فوجبَ لذلكَ ألاَّ يجريَ هذا الاسمُ في عرفِ الاستعمالِ إلا على مَنْ هذهِ حالهُ .
وقالَ الآمديُّ: الأشبهُ أنَّ الصحابيَّ مَنْ رآهُ وحكاهُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وأكثرِ أصحابنا ، واختارهُ ابنُ الحاجبِ أيضًا ؛ لأنَّ الصحبةَ تعمُّ القليلَ والكثيرَ ، نَعَم .. في كلامِ أبي زُرْعَةَ الرازيِّ ، وأبي داودَ ما يقتضي: أنَّ الصحبةَ أخصُّ منَ الرؤيةِ ، فإنهما قالا في طارقِ بنِ شهابٍ: لهُ رؤيةٌ ، وليستْ لهُ صحبةٌ [4] . وكذلك ما رويناه عن عاصمٍ الأحولِ قال: قدْ رأى عبدُ اللهِ بنُ سَرْجِسَ رسولَ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) غيرَ أنَّهُ لم تكنْ لهُ صحبةٌ [5] ، ويدلُّ على ذلكَ أيضًا ما رواهُ محمدُ بنُ سعدٍ في"الطبقاتِ"عن عليِّ بنِ محمدٍ عن شعبةَ ، عن موسى السيلانيِّ ، قال: أتيتُ أنسَ بنَ مالكٍ ، فقلتُ: أنتَ آخرُ مَنْ بقيَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ؟ قالَ: قدْ بقيَ قومٌ مِنَ الأعرابِ ، فأمَّا مِنْ أصحابهِ فأنا آخرُ مَنْ بقيَ انتهى [6] .
قال ابنُ الصلاحِ [7] : إسنادُهُ جيِّدٌ حدَّثَ بهِ مسلمٌ بحضرةِ أبي زُرْعَةَ .
والجوابُ عن ذلكَ: أنَّهُ أرادَ إثباتَ صحبةٍ خاصةٍ ليستْ لتلكَ الأعرابِ، وكذا أرادَ أبو زُرْعَةَ وأبو داودَ نفيَ الصحبةِ الخاصةِ دونَ العامةِ .
وليسَ هو الثبتُ الذي عليهِ العملُ عندَ أهلِ الحديثِ والأصولِ .
والقولُ الثالثُ: وهوَ ما رويَ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّهُ كانَ لا يعدُّ الصحابيَّ إلاَّ مَنْ أقامَ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سنةً أو سنتينِ ، وغزا معهُ غَزْوةً أو غزوتينِ .
قالَ ابنُ الصلاحِ [8] :"وكأنَّ المرادَ بهذا إنْ صحَّ عنهُ راجعٌ إلى المحكيِّ عنِ الأصوليينَ ؛ ولكنْ في عبارتِهِ ضيقٌ يوجبُ ألاَّ يُعَدَّ مِنَ الصحابةِ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البَجَليُّ ومَنْ شارَكَهُ في فَقْدِ ظاهرِ ما اشترَطَهُ فيهم ، ممَّنْ لا نعلمُ خلافًا في عدِّهِ من الصحابةِ".
قلتُ: ولا يصحُّ هذا عن ابن المسيِّبِ . ففي الإسنادِ إليهِ محمدُ بنُ عمرَ الواقديُّ ضعيفٌ في الحديثِ .
والقولُ الرابعُ: أنَّهُ يُشترطُ مع طولِ الصحبةِ الأخذُ عنهُ .
حكاهُ الآمديُّ عن عمرِو بنِ يحيى ، فقال [9] : ذهبَ إلى أنَّ هذا الاسم إنَّما يسمى بهِ مَنْ طالتْ صحبتُهُ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) وأخذَ عنهُ العلمَ . وحكاهُ ابنُ الحاجبِ أيضًا قولًا ، ولم يعزهُ لعمرِو بنِ يحيى ؛ ولكنْ أبدلَ الروايةَ بالأخذِ عنهُ ، وبينهما فرقٌ .
وعمرٌو هذا الظاهِرُ أنَّهُ الجاحظُ ، فقدْ ذكرَ الشيخُ أبو إسحاقَ في"اللمع": أنّ أباهُ اسمُهُ يحيى ، وذلكَ وهمٌ ، وإنَّما هو عمرُو بنُ بحرٍ أبو عثمانَ الجاحظُ من أئمةِ المعتزلةِ ، قالَ فيهِ ثعلبٌ: إنَّهُ غيرُ ثقةٍ ، ولا مأمونٍ [10] ،ولم أرَ هذا القولَ لغيرِ عمرٍو هذا. وكأنَّ ابنَ الحاجبِ أخذَ هذا القولَ مِن كلامِ الآمديِّ، ولذلكَ أسقطتُهُ منَ الخلافِ في حدِّ الصحابيِّ تبعًا لابنِ الصلاحِ .
والقولُ الخامسُ: أنَّهُ مَنْ رآهُ مسلمًا بالغًا عاقلًا .
حكاهُ الواقديُّ عن أهلِ العلمِ فقالَ: رأيتُ أهلَ العلمِ يقولونَ: كلُّ مَنْ رأى رسولَ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وقدْ أدركَ الحلمَ ، فأسلمَ ، وعقلَ أمرَ الدينِ ورضيهُ فهوَ عندنا ممَّنْ صحبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولوْ ساعةً من نهارٍ ، انتهى . والتقييدُ بالبلوغِ شاذٌّ .
والقول السادس: أنَّه مَنْ أدركَ زمنَهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهو مسلمٌ ، وإنْ لم يرَهُ .
وهو قولُ يحيى بنِ عثمانَ بنِ صالحٍ المصريِّ فإنَّهُ قال: وممَّنْ دُفِنَ ، أي: بمصرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ممَّن أدركهُ ولمْ يسمعْ منهُ أبو تميمٍ الجيشانيُّ ، واسمهُ عبدُ اللهِ بنُ مالكٍ [11] انتهى.
وإنَّما هاجرَ أبو تميمٍ إلى المدينةِ في خلافَةِ عمرَ باتفاقِ أهلِ السِّيَرِ. وممَّنْ حكى هذا القولَ منَ الأصوليينَ القرافيُّ في"شرح التنقيح"وكذلكَ إن كانَ صغيرًا محكومًا بإسلامهِ تبعًا لأحدِ أبويهِ ، وعلى هذا عملَ ابنُ عبدِ البرِّ في"الاستيعاب"وابنُ منده في"معرفةِ الصحابةِ"، وقدْ بيَّنَ ابنُ عبدِ البرِّ في ترجمةِ الأحنفِ بنِ قيسٍ: أنَّ ذلكَ شرطُهُ .
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ في مقدمةِ كتابهِ: وبهذا كلِّهِ يستكملُ القَرْنُ الذي أشارَ إليهِ رسولُ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) على ما قالهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى صاحبُ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) . يريدُ بذلِكَ تفسيرَ القَرْنِ .
قلتُ: وإنَّما هوَ قولُ زُرَارةَ بنِ أوفى من التابعينَ: القَرْنُ مائةٌ وعشرونَ سنةً ، وهكذا رواهُ هوَ قبلَ ذلكَ بأربعِ ورقاتٍ، كلُّ ذلكَ في مقدمةِ"الاستيعابِ". وقد اختلفَ أهلُ اللغةِ في مُدَّةِ القَرْنِ ، فقالَ الجوهريُّ: هوَ ثمانونَ سنةً ، قالَ: ويقالُ ثلاثونَ . وحكى صاحبُ"المحكمِ"فيهِ ستةَ أقوالٍ: قيلَ: عشرُ سنينَ ، وقيلَ: عشرونَ ، وقيلَ: ثلاثونَ ، وقيلَ: ستونَ ، وقيلَ: سبعونَ ، وقيلَ: أربعونَ ، قالَ: وهوَ مقدارُ أهلِ التوسطِ في أعمارِ أهلِ الزمانِ ، فالقرنُ في كلِّ قومٍ على مقدارِ أعمارهم .
فعلى هذا يكونُ ما بينَ الستينَ والسبعينَ ، كما رواهُ الترمذيُّ (3896 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَعْمَارُ أُمَّتِى مَا بَيْنَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. .
وأما ابتداءُ قرنِهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) فالظاهرُ أنَّهُ من حينِ البعثةِ ، أو من حينِ فُشُوِّ الإسلامِ . فعلى قولِ زرارةَ بنِ أوفى قد استوعبَ القرنُ جميعَ مَن رآهُ ، وقد روى ابنُ مَنْدَهْ في"الصحابةِ"من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ مرفوعًا:"القرنُ مائةُ سنةٍ".
(1) - انظر ترجمته في الإصابة (6173 )
(2) - وفي سير أعلام النبلاء (3/484) 105 - عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بنِ سَهْلٍ الأَنْصَارِيُّ ابْنِ الأَسْوَدِ بنِ حَرَامٍ الأَنْصَارِيُّ، أَخُو أَنَسِ بنِ مَالِكٍ لأُمِّهِ.
وُلِدَ: فِي حَيَاةِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَحَنَّكَهُ.وَهُوَ الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ لَيْلَةَ مَاتَ وَلَدُهَا، فَكَتَمَتْ أَبَا طَلْحَةَ مَوْتَهُ، حَتَّى تَعَشَّى، وَتَصَنَّعَتْ لَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - حَتَّى أَتَاهَا، وَحَمَلَتْ بِهَذَا.فَأَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ غَادِيًا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُ: (أَعَرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ بَارَكَ اللهُ لَكُم فِي لَيْلَتِكُم) .وَيُقَالُ: ذَاكَ الصَّبِيُّ المَيِّتُ هُوَ أَبُو عُمَيْرٍ صَاحِبُ النُّغَيْرِ.فَنَشَأَ عَبْدُ اللهِ، وَقَرَأَ العِلْمَ، وَجَاءهُ عَشْرَةُ أَوْلاَدٍ قَرَؤُوا القُرْآنَ، وَرَوَى أَكْثَرُهُم العِلْمَ، مِنْهُم: إِسْحَاقُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ - شَيْخُ مَالِكٍ - وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ.
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنَاهُ هَذَانِ، وَأَبُو طُوَالَةَ، وَسُلَيْمَانُ مَوْلَى الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، وَغَيْرُهُم.
وَهُوَ قَلِيْلُ الحَدِيْثِ، يَرْوِي عَنْ: أَبِيْهِ، وَعَنْ أَخِيْهِ؛ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ.وَمَاتَ: قَبْلَ أَنَسٍ بِمُدَّةٍ لَيْسَتْ بِكَثِيْرَةٍ.رَوَى لَهُ: مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ.
(3) - انظر ترجمته في الإصابة (6183 )
"قلت": أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأُمه أنس بن مالك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحنكه وبرك عليه، وسماه"عبد الله"، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة، لمجرد الرؤيا ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد عند الشجرة وقت الإحرام بحجة الوداع، فلم يدرك من حياته - صلى الله عليه وسلم - إلا نحوًا من مائة يوم ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا رآه، فعبد الله ابن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر والله أعلم.الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث (ج 1 / ص 26)
(4) - وفي التقريب 3000 - طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي قال أبو داود رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ع
(5) - وفي التقريب 3345 - عبد الله بن سرجس بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة المزني حليف بني مخزوم صحابي سكن البصرة م 4
(6) - تهذيب الكمال للمزي - (ج 3 / ص 376) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 10 / ص 190)
(7) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 64) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 484)
(8) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 64) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 484) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 52)
(9) - الإحكام في أصول الأحكام - (ج 1 / ص 336) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 167) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 3 / ص 24)
(10) - وفي سير أعلام النبلاء (11/527) فما بعدها - 149 - الجَاحِظُ أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرٍ العَلاَّمَةُ، المُتَبَحِّرُ، ذُوْ الفُنُوْنَ، أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بنُ بَحْرِ بنِ مَحْبُوْبٍ البَصْرِيُّ، المُعْتَزِلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. أَخَذَ عَنِ: النَّظَّامِ.
وَرَوَى عَنْ: أَبِي يُوْسُفَ القَاضِي، وثُمَامَةَ بنِ أَشْرَسَ.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو العَيْنَاءِ، وَيَمُوْتُ بنُ المُزَرَّعِ - ابْنُ أُخْتِهِ، وَكَانَ أَحَدَ الأَذْكِيَاءِ -.
قَالَ ثَعلَبُ: مَا هُوَ بِثِقَةٍ.
وَقَالَ يَمُوْتُ: كَانَ جَدُّهُ جَمَّالًا أَسْوَدَ.
وَعَنِ الجَاحِظِ: نَسِيْتُ كُنْيَتِي ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى عَرَّفَنِي أَهْلِي.
قُلْتُ: كَانَ مَاجِنًا، قَلِيْلَ الدِّيْنِ، لَهُ نَوَادِرُ.
قَالَ المُبَرِّدُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَنْتَ؟
قَالَ: كَيْفَ مَنْ نِصْفُه مَفْلُوجٌ، وَنِصْفُهُ الآخَرُ مُنَقْرَسٌ؟ لَوْ طَارَ عَلَيْه ذُبَابٌ لآلَمَهُ، وَالآفَةُ فِي هَذَا أَنِّي جُزتُ التِّسْعِيْنَ.
وَقِيْلَ: طَلَبَه المُتَوَكِّلُ، فَقَالَ: وَمَا يَصْنَعُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ بِشقٍّ مَائِلٍ، وَلُعَابٍ سَائِلٍ؟!!
قَالَ ابْنُ زَبْرٍ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ.
وَقَالَ الصُّوْلِيُّ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ.
قُلْتُ: كَانَ مِنْ بُحُوْرِ العِلْمِ، وَتَصَانِيْفُه كَثِيْرَةٌ جِدًّا.
قِيْلَ: لَمْ يَقَعْ بِيَدِهِ كِتَابٌ قَطُّ إِلاَّ اسْتَوفَى قِرَاءتَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَكتَرِي دَكَاكِيْنَ الكُتْبِيِّيْنَ، وَيَبِيتُ فِيْهَا لِلْمُطَالَعَةِ، وَكَانَ بَاقِعَةً فِي قُوَّةِ الحِفْظِ. وَقِيْلَ: كَانَ الجَاحِظُ يَنُوْبُ عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ العَبَّاسِ الصُّوْلِيِّ مُدَّةً فِي دِيْوَانِ الرَّسَائِلِ.
وَقَالَ فِي مَرَضِهِ لِلطَّبِيْبِ: اصْطَلَحَتِ الأَضْدَادُ عَلَى جَسَدِي، إِنْ أَكَلْتُ بَارِدًا، أُخِذَ بِرِجْلِي، وَإِنْ أَكَلْتُ حَارًّا، أُخِذَ بِرَأْسِي.
وَمِنْ كَلاَمِ الجَاحِظِ إِلَى مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ: المَنْفَعَةُ تُوْجِبُ المَحَبَّةَ، وَالمَضَرَّةُ تُوْجِبُ البِغْضَةَ، وَالمُضَادَّةُ عَدَاوَةٌ، وَالأَمَانَةُ طُمَأْنِيْنَةٌ، وَخِلاَفُ الهَوَى يُوْجِبُ الاسْتِثْقَالَ، وَمُتَابَعَتُهُ تُوْجِبُ الأُلْفَةَ.
العَدْلُ يُوْجِبُ اجْتِمَاعَ القُلُوْبِ، وَالجَوْرُ يُوْجِبُ الفُرْقَةَ.
حُسْنُ الخُلْقِ أُنْسٌ، وَالانْقِبَاضُ وَحْشَةٌ، التَّكَبُّرُ مَقْتٌ، وَالتَّوَاضُعُ مِقَةٌ، الجُوْدُ يُوْجِبُ الحَمْدَ، وَالبُخْلُ يُوْجِبُ الذَّمَّ، التَّوَانِي يُوْجِبُ الحَسْرَةَ، وَالحَزْمُ يُوْجِبُ السُّرُوْرَ، وَالتَّغْرِيْرُ نَدَامَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ إِفْرَاطٌ وَتَقْصِيْرٌ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نَتَائِجُهَا إِذَا أُقِيْمَتْ حُدُوْدُهَا.
فَإِنَّ الإِفْرَاطَ فِي الجُوْدِ تَبْذِيْرٌ، وَالإِفْرَاطَ فِي التَّوَاضُعِ مَذَلَّةٌ، وَالإِفْرَاطَ فِي الغَدْرِ يَدْعُو إِلَى أَنْ لاَ تَثِقَ بِأَحَدٍ، وَالإِفْرَاطَ فِي المُؤَانَسَةِ يَجْلِبُ خُلَطَاءَ السُّوْءِ. وَلَهُ: وَمَا كَانَ حَقِّي - وَأَنَا وَاضِعٌ هَذَيْنِ الكِتَابَيْنِ فِي خَلْقِ القُرْآنِ، وَهُوَ المَعْنَى الَّذِي يُكَثِّرُهُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ وَيَعِزُّهُ، وَفِي فَضْلِ مَا بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ، وَعَبْدِ شَمْسٍ وَمَخْزُوْمٍ - إِلاَّ أَنْ أَقْعُدَ فَوْقَ السِّمَاكَينِ، بَلْ فَوْقَ العَيُّوقِ، أَوْ أَتَّجِرَ فِي الكِبْرِيْتِ الأَحْمَرِ، وَأَقُوْدَ العَنْقَاءَ بِزِمَامٍ إِلَى المَلِكِ الأَكْبَرِ.
وَلَهُ: كِتَابُ (الحَيَوَانِ) سَبْعُ مُجَلَدَاتٍ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ كِتَابَ (النِّسَاءِ) ، وَهُوَ فَرْقٌ مَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَكِتَابُ (البِغَالِ) ، وَقَدْ أُضِيْفَ إِلَيْهِ كِتَابٌ، سَمَّوْهُ كِتَابُ (الجِمَالِ) لَيْسَ مِنْ كَلاَمِ الجَاحِظِ، وَلاَ يُقَارِبُهُ.
قَالَ رَجُلٌ لِلْجَاحِظِ: أَلَكَ بِالبَصْرَةِ ضَيْعَةٌ؟
قَالَ: فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: إِنَّمَا إِنَاءٌ وَجَارِيَةٌ وَمَنْ يَخْدمُهَا، وَحِمَارٌ، وَخَادِمٌ، أَهدَيتُ كِتَابَ (الحَيَوَانِ) إِلَى ابْنِ الزَّيَّاتِ، فَأَعطَانِي أَلفَي دِيْنَارٍ، وَأَهدَيتُ إِلَى فُلاَنٍ...، فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ.
يَعْنِي: أَنَّهُ فِي خَيْرٍ وَثَروَةٍ.
قَالَ يَمُوْتُ بنُ المُزَرَّعِ: سَمِعْتُ خَالِي يَقُوْلُ: أَملَيْتُ عَلَى إِنْسَانٍ مَرَّةً: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، فَاسْتَمْلَى: أَخْبَرَنَا بِشْرٌ، وَكَتَبَ: أَخْبَرَنَا زَيْدٌ.
قُلْتُ: يَظْهَرُ مِنْ شَمَائِلِ الجَاحِظِ أَنَّهُ يَخْتَلِقُ.
قَالَ إِسْمَاعِيْلُ الصَّفَّارُ: حَدَّثَنَا أَبُو العَيْنَاءِ، قَالَ: أَنَا وَالجَاحِظُ وَضْعَنَا حَدِيْث فَدَكٍ، فَأَدخَلنَاهُ عَلَى الشُّيُوْخِ بِبَغْدَادَ، فَقَلَبُوهُ إِلاَّ ابْنَ شَيْبَةَ العَلَوِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لاَ يُشبِه آخِرُ هَذَا الحَدِيْث أَوَّلَه. ثُمَّ قَالَ الصَّفَّارُ: كَانَ أَبُو العَيْنَاءِ يُحَدِّثُ بِهَذَا بَعْدَ مَا تَابَ.
قِيْلِ لِلْجَاحِظِ: كَيْفَ حَالُكَ؟
قَالَ: يَتَكَلَّمُ الوَزِيْرُ بِرَأْيِي، وَصِلاَتُ الخَلِيْفَةِ مُتَوَاتِرَةٌ إِلَيَّ، وَآكُلُ مِنَ الطَّيْرِ أَسْمَنَهَا، وَأَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ أَلْيَنَهَا، وَأَنَا صَابِرٌ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِالفَرَجِ.
قِيْلَ: بَلِ الفَرَجُ مَا أَنْتَ فِيْهِ.
قَالَ: بَلْ أُحِبُّ أَنْ أَلِيَ الخِلاَفَةَ، وَيَخْتَلِفَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ -يَعْنِي: الوَزِيْر-.
وَهُوَ القَائِلُ:
سَقَامُ الحِرْصِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ وَدَاءُ الجَهْلِ لَيْسَ لَهُ طَبِيْبُ
وَقَالَ: أَهدَيتُ إِلَى مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ كِتَابَ (الحَيَوَانِ) ، فَأَعطَانِي خَمْسَةَ آلاَفِ دِيْنَارٍ.
وَأَهْدَيْتُ كِتَابَ (البَيَان وَالتبيين) إِلَى أَحْمَدَ بن أَبِي دُوَادَ، فَأَعطَانِي كَذَلِكَ.
وَأَهْدَيْتُ كِتَابَ (الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ) إِلَى إِبْرَاهِيْمَ الصُّوْلِيِّ، فَأَعطَانِي مِثْلَهَا، فَرَجَعتُ إِلَى البَصْرَةِ، وَمَعِيَ ضَيعَةٌ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى تَحدِيْدٍ، وَلاَ إِلَى تَسمِيدٍ. (11/530)
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ: ابْنُ أَبِي دَاوُدَ حَدِيْثًا وَاحِدًا.
وَتَصَانِيْفُ الجَاحِظِ كَثِيْرَةٌ جِدًّا: مِنْهَا (الرَّدُّ عَلَى أَصْحَابِ الإِلهَامِ) ، وَ (الرَّدُّ علَى المُشَبِّهَةِ) ، وَ (الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى) ، (الطُّفَيْلِيَّةُ) ، (فَضَائِلُ التُّرْكِ) ، (الرَّدُّ عَلَى اليَهُوْدِ) ، (الوَعِيْدُ) ، (الحُجَّةُ وَالنُّبُوَّةُ) ، (المُعَلِّمِيْنَ) ، (البُلْدَانُ) ، (حَانُوْتُ عَطَّارٍ) ، (ذَمُّ الزَّنَى) ، وَأَشْيَاءُ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ سَلاَمَةَ كِتَابَةً، عَنْ أَحْمَدَ بنِ طَارِقٍ، أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ، أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بنُ الطُّيُوْرِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الصُّوْرِيُّ إِمْلاَءً، حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ مُحَمَّدٍ الحَافِظُ بِصُوْرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ بنُ زَبْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أَتَيتُ الجَاحِظَ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَاطَّلَعَ عَلَيَّ مِنْ كُوَّةٍ فِي دَارِه، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟
فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ.
فَقَالَ: أَوَ مَا عَلِمتَ أَنِّي لاَ أَقُوْلُ بِالحَشْوِيَّةِ؟
فَقُلْتُ: إِنِّي ابْنُ أَبِي دَاوُدَ.
فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ وَبِأَبِيكَ، ادْخُلْ.
فَلَمَّا دَخَلْتُ، قَالَ لِي: مَا تُرِيْدُ؟
فَقُلْتُ: تُحَدِّثَنِي بِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ.
فَقَالَ: اكتُبْ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بنُ المِنْهَالِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى عَلَى طِنْفِسَةٍ.
فَقُلْتُ: زِدْنِي حَدِيْثًا آخَرَ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي دَاوُدَ أَنْ يَكذِبَ.
قُلْتُ: كَفَانَا الجَاحِظُ المَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الحَدِيْثِ إِلاَّ النَّزْرَ اليَسِيْرَ، وَلاَ هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الحَدِيْثِ، بَلَى فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلاَّمَةٌ، صَاحِبُ فُنُوْنٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ - عَفَا اللهُ عَنْهُ -.
وانظر تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 4 / ص 431) ت 344
(11) - انظر الإصابة (9642 ) وفي الثقات للعجلي 2104 - أبو تميم الجيشاني مصرى تابعي ثقة