وقال الحافظ ابن حجر [1] :"وَالْقَرْن أَهْل زَمَان وَاحِد مُتَقَارِب اِشْتَرَكُوا فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور الْمَقْصُودَة ، وَيُقَال إِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِمَا إِذَا اِجْتَمَعُوا فِي زَمَن نَبِيّ أَوْ رَئِيس يَجْمَعهُمْ عَلَى مِلَّة أَوْ مَذْهَب أَوْ عَمَل ، وَيُطْلَق الْقَرْن عَلَى مُدَّة مِنْ الزَّمَان ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدهَا مِنْ عَشَرَة أَعْوَام إِلَى مِائَة وَعِشْرِينَ لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالسَّبْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعَشَرَة ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِل . وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيّ بَيْن الثَّلَاثِينَ وَالثَّمَانِينَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر عِنْد مُسْلِم مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقَرْن مِائَة وَهُوَ الْمَشْهُور ، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: الْقَرْن أُمَّة هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَد ، وَثَبَتَتْ الْمِائَة فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر وَهِيَ مَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِرَاق ، وَلَمْ يَذْكُر صَاحِب"الْمُحْكَم"الْخَمْسِينَ وَذَكَرَ مِنْ عَشْر إِلَى سَبْعِينَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْقَدْر الْمُتَوَسِّط مِنْ أَعْمَار أَهْل كُلّ زَمَن ، وَهَذَا أَعْدَل الْأَقْوَال وَبِهِ صَرَّحَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَقَالَ: إِنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْأَقْرَان ، وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ الْمُخْتَلَف مِنْ الْأَقْوَال الْمُتَقَدِّمَة مِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْقَرْن أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا ، أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ دُون ذَلِكَ فَلَا يَلْتَئِم عَلَى هَذَا الْقَوْل وَاللَّهُ أَعْلَمُ . اهـ"
2-بم تعرف صحبة الصحابي ؟
تعرف الصحبة بما يلي:
إمَّا بالتواترِ ، كأبي بكرٍ ، وعمرَ ، وبقيةِ العشرةِ في خَلْقٍ منهم ،
وإمَّا بالاستفاضةِ والشهرةِ القاصرةِ عنِ التواترِ ، كعُكَاشَةَ بنِ مِحْصنٍ ، وضِمَامِ بنِ ثعلبةَ ، وغيرِهما .
وإمَّا بإخبارِ بعضِ الصحابةِ عنهُ أَنَّهُ صحابيٌّ ، كحُمَمَةَ بنِ أبي حُمَمَةَ الدَّوسِيِّ ، الذي ماتَ بأصبهانَ مبطونًا ، فشهدَ لهُ أبو موسى الأشعريُّ أنَّهُ سمِعَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وحكمَ لهُ بالشهادةِ ذكرَ ذلكَ أبو نُعَيْمٍ في"تاريخِ أصبهان" [2] .
وروينا قصتَهُ في مسندِ أبي داودَ الطيالسيِّ ، ومعجمِ الطبرانيِّ . على أنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ أبو موسى إنَّما أرادَ بذلكَ شهادةَ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) لِمَنْ قتلهُ بطنُهُ وفي عمومِهِم حممةٌ ، لا أنَّهُ سمَّاهُ باسمِهِ ، واللهُ أعلمُ [3] .
وإمَّا بإخبارهِ عنْ نفسهِ أَنَّهُ صحابيٌّ بعدَ ثُبوتِ عدالتِهِ قبلَ إخبارهِ بذلكَ . هكذا أطلقَ ابنُ الصلاحِ تَبَعًَا للخطيبِ ، فإنهُ قالَ في"الكفايةِ" [4] : وقد يُحكمُ بأنَّهُ صحابيٌّ إذا كانَ ثقةً أمينًا مقبولَ القولِ ، إذا قالَ صحبتُ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) وكَثُرَ لقائي لهُ، فيحكم بأنَّهُ صحابيٌّ في الظاهرِ ، لموضعِ عدالَتِهِ ، وقبولِ خبرِهِ ، وإنْ لمْ يقطعْ بذلكَ كمَا يعملُ بروايتِهِ . هكذا ذكرهُ في آخرِ كلامِ القاضي أبي بكرٍ، والظاهرُ أنَّ هذا كلامُ القاضي.
قلت: ولا بدَّ من تقييدِ ما أطلِقَ منْ ذلكَ بأنْ يكونَ ادِّعاؤهُ لذلكَ يقتضيهِ الظاهرُ . أما لو ادَّعاهُ بعدَ مضيِّ مائةِ سنةٍ من حينِ وفاتهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فإنهُ لا يُقبلُ وإنْ كانتْ قدْ ثبَتَتْ عدالتُهُ قبلَ ذلكَ ، لقولهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الحديثِ الصحيحِ: « أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ » [5] .، يريدُ انخرامَ ذلكَ القرنِ . قالَ: ذلكَ في سنةِ وفاتِهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهذا واضحٌ جليٌّ . وقد اشترطَ الأصوليونَ في قبولِ ذلكَ منهُ أن يكونَ قدْ عُرِفَتْ معاصرَتُهُ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، قالَ الآمديُّ [6] : فلوْ قالَ مَنْ عاصرَهُ أنا صحابيٌّ معَ إسلامهِ ، وعدالتِهِ ، فالظاهرُ صدقُهُ ، وحكاهما ابنُ الحاجبِ احتمالينِ من غيرِ ترجيحٍ ، قالَ: ويحتملُ أن لا يُصَدَّقَ لكونهِ متَّهمًا بدعوى رتبةٍ يثبتها لنفسِهِ . [7]
3-عدالة الصحابة رضي الله عنهم
لقد اختص الله الصحابة رضي الله عنهم بخصيصة ليست لطبقة من الناس غير طبقتهم، وهي أنهم لا يسأل عن عدالة أحد منهم، فهم جميعهم عدول ثبتت عدالتهم بأقوى ما تثبت به عدالة أحد، فقد ثبتت بالكتاب، والسنة، وبالإجماع، والمعقول.
قال الخطيب في الكفاية [8] :
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْدِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلصَّحَابَةِ , وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَنْ دُونَهُمْ كُلُّ حَدِيثٍ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , لَمْ يَلْزَمِ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رِجَالِهِ , وَيَجِبُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ , سِوَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَتِهِمْ , وَاخْتِيَارِهِ لَهُمْ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران
قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها:
َقِيلَ: إِنَّمَا صَارَتْ أُمَّة مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - خَيْر أُمَّة لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَكْثَر , وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فِيهِمْ أَفْشَى .
فَقِيلَ: هَذَا لِأَصْحَابِ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ; كَمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ( خَيْر النَّاس قَرْنِي ) أَيْ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ .
بُعِثْت فِيهِمْ .
وَإِذَا ثَبَتَ بِنَصِّ التَّنْزِيل أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة خَيْر الْأُمَم ; فَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّة مِنْ حَدِيث عِمْرَان بْن حَصِين عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: ( خَيْر النَّاس قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) .
الْحَدِيث وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة أَفْضَل مِمَّنْ بَعْدهمْ , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُعْظَم الْعُلَمَاء , وَإِنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَرَآهُ وَلَوْ مَرَّة فِي عُمْره أَفْضَل مِمَّنْ يَأْتِي بَعْده , وَإِنَّ فَضِيلَة الصُّحْبَة لَا يَعْدِلهَا عَمَل .
وَذَهَبَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُون فِيمَنْ يَأْتِي بَعْد الصَّحَابَة أَفْضَل مِمَّنْ كَانَ فِي جُمْلَة الصَّحَابَة , وَإِنَّ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: ( خَيْر النَّاس قَرْنِي ) لَيْسَ عَلَى عُمُومه بِدَلِيلِ مَا يَجْمَع الْقَرْن مِنْ الْفَاضِل وَالْمَفْضُول .
وَقَدْ جَمَعَ قَرْنه جَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِيمَانِ وَأَهْل الْكَبَائِر الَّذِينَ أَقَامَ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى بَعْضهمْ الْحُدُود , وَقَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي السَّارِق وَالشَّارِب وَالزَّانِي .
وَقَالَ مُوَاجَهَة لِمَنْ هُوَ فِي قَرْنه: ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ) .
وَقَالَ لِخَالِدِ بْن الْوَلِيد فِي عَمَّار: ( لَا تَسُبّ مَنْ هُوَ خَيْر مِنْك ) وَرَوَى أَبُو أُمَامَة أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ( طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي وَطُوبَى سَبْع مَرَّات لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي ) .
وَفِي مُسْنَد أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي حُمَيْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر .
قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْد رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ( أَتَدْرُونَ أَيّ الْخَلْق أَفْضَل إِيمَانًا ) قُلْنَا الْمَلَائِكَة .
قَالَ: ( وَحُقّ لَهُمْ بَلْ غَيْرهمْ ) قُلْنَا الْأَنْبِيَاء .
قَالَ: ( وَحُقّ لَهُمْ بَلْ غَيْرهمْ ) ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ( أَفْضَل الْخَلْق إِيمَانًا قَوْم فِي أَصْلَاب الرِّجَال يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي يَجِدُونَ وَرَقًا فَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهَا فَهُمْ أَفْضَل الْخَلْق إِيمَانًا ) .
وَرَوَى صَالِح بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي جُمْعَة قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه , هَلْ أَحَد خَيْر مِنَّا ؟ قَالَ: ( نَعَمْ قَوْم يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدكُمْ فَيَجِدُونَ كِتَابًا بَيْنَ لَوْحَيْنِ فَيُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهِ وَيُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ) .
وَقَالَ أَبُو عُمَر: وَأَبُو جُمْعَة لَهُ صُحْبَة وَاسْمه حَبِيب بْن سِبَاع , وَصَالِح بْن جُبَيْر مِنْ ثِقَات التَّابِعِينَ .
وَرَوَى أَبُو ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: ( إِنَّ أَمَامكُمْ أَيَّامًا الصَّابِرُ فِيهَا عَلَى دِينه كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْر لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْر خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَل مِثْله عَمَله ) قِيلَ: يَا رَسُول اللَّه , مِنْهُمْ ؟ قَالَ: ( بَلْ مِنْكُمْ ) .
قَالَ أَبُو عُمَر: وَهَذِهِ اللَّفْظَة"بَلْ مِنْكُمْ"قَدْ سَكَتَ عَنْهَا بَعْض الْمُحَدِّثِينَ فَلَمْ يَذْكُرهَا
وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي تَأْوِيل قَوْله:"كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"قَالَ: مَنْ فَعَلَ مِثْل فِعْلكُمْ كَانَ مِثْلكُمْ .
وَلَا تَعَارُض بَيْنَ الْأَحَادِيث ; لِأَنَّ الْأَوَّل عَلَى الْخُصُوص , وَاَللَّه الْمُوَفِّق .
وَقَدْ قِيلَ فِي تَوْجِيه أَحَادِيث هَذَا الْبَاب: إِنَّ قَرْنه إِنَّمَا فُضِّلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاء فِي إِيمَانهمْ لِكَثْرَةِ الْكُفَّار وَصَبْرهمْ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَمَسُّكهمْ بِدِينِهِمْ , وَإِنَّ أَوَاخِر هَذِهِ الْأُمَّة إِذَا أَقَامُوا الدِّين وَتَمَسَّكُوا بِهِ وَصَبَرُوا عَلَى طَاعَة رَبّهمْ فِي حِينِ ظُهُور الشَّرّ وَالْفِسْق وَالْهَرْج وَالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِر كَانُوا عِنْد ذَلِكَ أَيْضًا غُرَبَاء , وَزَكَتْ أَعْمَالهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَمَا زَكَتْ أَعْمَال أَوَائِلهمْ , وَمِمَّا يَشْهَد لِهَذَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: ( بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) .
وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة , وَيَشْهَد لَهُ أَيْضًا قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّله خَيْر أَمْ آخِره ) .
ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ , وَرَوَاهُ هِشَام بْن عُبَيْد اللَّه الرَّازِيّ عَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ( مَثَل أُمَّتِي مَثَل الْمَطَر لَا يُدْرَى أَوَّله خَيْر أَمْ آخِره ) .
ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي مُسْنَد حَدِيث مَالِك .
قَالَ أَبُو عُمَر: هِشَام بْن عُبَيْد اللَّه ثِقَة لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَة كَتَبَ إِلَى سَالِم بْن عَبْد اللَّه أَنْ اُكْتُبْ إِلَيَّ بِسِيرَةِ عُمَر بْن الْخَطَّاب لِأَعْمَل بِهَا ; فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَالِم: إِنْ عَمِلْت بِسِيرَةِ عُمَر ; فَأَنْتَ أَفْضَل مِنْ عُمَر لِأَنَّ زَمَانك لَيْسَ كَزَمَانِ عُمَر , وَلَا رِجَالك كَرِجَالِ عُمَر .
قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى فُقَهَاء زَمَانه , فَكُلّهمْ كَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْل سَالِم .
وَقَدْ عَارَضَ بَعْض الْجِلَّة مِنْ الْعُلَمَاء قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( خَيْر النَّاس قَرْنِي ) بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( خَيْر النَّاس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ وَشَرّ النَّاس مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ )
قَالَ أَبُو عُمَر: فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تَقْتَضِي مَعَ تَوَاتُر طُرُقهَا وَحُسْنهَا التَّسْوِيَة بَيْنَ أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة وَآخِرهَا .
وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِنْ الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالِح فِي الزَّمَان الْفَاسِد الَّذِي يُرْفَع فِيهِ مِنْ أَهْل الْعِلْم وَالدِّين , وَيَكْثُر فِيهِ الْفِسْق وَالْهَرْج , وَيَذِلّ الْمُؤْمِن وَيَعِزّ الْفَاجِر وَيَعُود الدِّين غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا وَيَكُون الْقَائِم فِيهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْر , فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة بِآخِرِهَا فِي فَضْل الْعَمَل إِلَّا أَهْل بَدْر وَالْحُدَيْبِيَة , وَمَنْ تَدَبَّرَ آثَار هَذَا الْبَاب بَانَ لَهُ الصَّوَاب , وَاَللَّه يُؤْتِي فَضْله مَنْ يَشَاء .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } (143) سورة البقرة, وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ , وَقِيلَ: وَهُوَ وَارِدٌ فِي الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } (18) سورة الفتح .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (100) سورة التوبة ,
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) ِفي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (12) سورة الواقعة ,
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64) سورة الأنفال .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (9) سورة الحشر, فِي آيَاتٍ يَكْثُرُ إِيرَادُهَا وَيَطُولُ تَعْدَادُهَا .
وأمَّا السُّنَّة فَوَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّحَابَةَ مِثْلَ ذَلِكَ , وَأَطْنَبَ فِي تَعْظِيمِهِمْ , وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ , فَمِنَ الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى""
منها قولهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الحديثِ المتفقِ على صحتهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِى ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ » [9] .
وفي صحيح البخاري (2652 ) ومسلم (6635 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ » .
ومما ورد في إثبات عدالة مجهول الصحابة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ ، قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ يَعْنِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ:"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ:"أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟"، قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ:"يَا بِلَالُ ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا" [10]
وفي صحيح البخارى (5104 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عُبَيْدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ لَكِنِّى لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ أَرْضَعْتُكُمَا . فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ فُلاَنَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِى إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا . وَهْىَ كَاذِبَةٌ فَأَعْرَضَ ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ ، قُلْتُ إِنَّهَا كَاذِبَةٌ . قَالَ « كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا ، دَعْهَا عَنْكَ » وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِى أَيُّوبَ .
(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 445) و وانظر غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر - (ج 4 / ص 385)
(2) - معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (2113)
(3) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 13) (34489) وأحمد (20187 ) وشعب الإيمان للبيهقي (4144 ) والطيالسي ( 507 ) والإصابة في معرفة الصحابة - (ج 1 / ص 243) كلهم عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيَّ ؛ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالَ لَهُ: حُمَمَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , خَرَجَ إِلَى أَصْبَهَانَ غَازِيًا فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ حُمَمَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّ لِقَاءَك , فَإِنْ كَانَ حُمَمَةُ صَادِقًا فَاعْزِمْ لَهُ بِصِدْقِهِ ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَاعْزِمْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَرِهَ , اللَّهُمَّ لاَ تَرُدُّ حُمَمَةَ مِنْ سَفَرِهِ هَذَا ، قَالَ: فَأَخَذَهُ الْمَوْتُ , فَمَاتَ بِأَصْبَهَانَ ، قَالَ: فَقَامَ أَبُو مُوسَى ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ , أَلاَ إِنَّا وَاللهِ مَا سَمِعْنَا فِيمَا سَمِعْنَا مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَا بَلَغَ عِلْمُنَا إِلاَّ أَنَّ حُمَمَةَ شَهِيدٌ. 0 وهو حديث حسن)
(4) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 51)
(5) - صحيح البخارى ( 116 ) وصحيح مسلم (6642 ) عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِى آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ « أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ » . قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَوَهَلَ النَّاسُ فِى مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ. أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ.
ينخرم: ينقطع وينقضى وهل: ذهب وهمه إلى غير الصواب وقيل غلط ونسى
(6) - الإحكام في أصول الأحكام - (ج 1 / ص 337)
(7) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 207)
(8) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 45)
(9) - صحيح البخارى (3673 ) ومسلم (6651 ) النَّصيف: النصف
(10) - سنن أبى داود ( 2342) وسنن الترمذى (694) ومصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 68) (9560) ومسند أحمد (198) وهو حديث حسن