وقال نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ , يَقُولُ- وَقِيلَ لَهُ تَرَكْتَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ وَتُحَدِّثُ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ وَسَعِيدٍ وَفُلَانٍ , وَهُمْ كَانُوا فِي عِدَادِهِ ؟ قَالَ:"إِنَّ عَمْرًا كَانَ يَدْعُو" [1] .
وعن عبد الله بن المبارك قال:"يُكْتَبُ الْحَدِيثُ إِلَّا عَنْ أَرْبَعَةٍ , غَلَّاطٍ لَا يَرْجِعُ , وَكَذَّابٍ , وَصَاحِبِ هَوًى يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ , وَرَجُلٍ لَا يَحْفَظُ فَيُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ" [2] .
كما روى نعيم ، قال: قلت لا بن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد ؟ قال:"إن عمرًا كان يدعو"يعني إلى القدر [3] .
وقال عبد الرحمن بن مهدي:"مَنْ رَأَى رَأْيًا وَلَمْ يَدْعُ إِلَيْهِ احْتُمِلَ , وَمَنْ رَأَى رَأْيًا وَدَعَا إِلَيْهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ التَّرْكَ" [4] .
وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ:"ثَلَاثَةٌ لَا يُحْمَلُ عَنْهُمُ , الرَّجُلُ الْمُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ , وَالرَّجُلُ كَثِيرُ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ , وَرَجُلٌ صَاحِبُ هَوًى يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ" [5] .
وقال أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ , قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: يُكْتَبُ عَنِ الْقَدَرِيِّ ؟ قَالَ:"إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا".
قَالَ الْخَطِيبُ: إِنَّمَا مَنَعُوا أَنْ يُكْتَبَ عَنِ الدُّعَاةِ , خَوْفًا أَنْ تَحْمِلَهُمُ الدَّعْوَةُ إِلَى الْبِدْعَةِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهَا عَلَى وَضْعِ مَا يُحَسِّنُهَا , كَمَا حَكَيْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَنِ الْخَارِجِيِّ التَّائِبِ قَوْلَهُ: كُنَّا إِذَا هَوِينَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا" [6] ."
وقال أبو بكر المروذي:"كان أبو عبد الله ( يعني أحمد ) يحدِّثُ عن المرجئ إذا لم يكن داعية أو مخاصمًا" [7] .
وقال جعفر بن محمد بن أبان الحراني: قلت لأحمد بن حنبل: فنكتب عن المرجئ والقدري وغيرهما من أهل الأهواء ؟ قال:"نعم ، إذا لم يكن يدعو إليه ويكثر الكلام فيه ، فأما إذا كان داعيًا فلا" [8] .
وعن مَعْنَ بْنِ عِيسَى , قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ:"لَا تَأْخُذِ الْعِلْمَ مِنْ أَرْبَعَةٍ , وَخُذْ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ , لَا تَأْخُذْ مِنْ سَفِيهٍ مُعْلِنٍ بِالسَّفَهِ وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ , وَلَا تَأْخُذْ مِنْ كَذَّابٍ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ , إِذَا جُرِّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَلَا مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ , وَلَا مِنْ شَيْخٍ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ"قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيِّ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا , وَلَكِنْ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ بِهَذَا الْبَلَدِ يَعْنِي الْمَدِينَةَ مَشْيَخَةً لَهُمْ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ يُحَدِّثُونَ , مَا سَمِعْتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيثًا قَطُّ , قِيلَ: وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مَا يُحَدِّثُونَ [9] ""
وقال أَبُوعَبْدِ الرَّحْمَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَلَبِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَدِّثٍ كَذَبَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ , قَالَ:"تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ أَبَدًا". [10]
قلت: عبارات أحمد في ذلك جاءت بالتشديد في أمر الداعية ، في الكتابة عنه ، وليس في تخريج حديثه مطلقًا ، والفرق بين الصورتين: أنه عرف من منهج أحمد التشديد على المخالفين في الأصول ، والكتابة عن أحدهم تحسين لأمره عند من لا يعرفه ، وتغرير للناس به ، فكان يشدد في أمر هؤلاء تنفيرًا للناس عنهم ، وهذا إنما يؤثر في حقِّ الأحياء يقصد الراوي أن يحمل عن أحدهم الحديث ، أمَّا الأموات الذين لم يعرف الناس من أمرهم إلا ما خلَّفوه من علم أو رواية ، فهؤلاء خرَّج أحمد من حديثهم الكثير في كتبه ، من شتى طوائف أهل القبلة ، وفيهم من كان غاليًا ، ولا يبعد أن يكون داعية .
ولذا قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قِيلَ لِأَحْمَدَ يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ: فِي حَدِيثِكَ أَسْمَاءُ قَوْمٍ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ ؟ فَقَالَ:"نَحْنُ هُوَ ذَا نُحَدِّثُ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ"قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ: أَكَانَ يُحَدِّثُ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ قَوْمٍ عَنْهُمْ" [11] ."
وقال يحيى بن معين:"مَا كَتَبْتُ عَنْ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ , وَقَدْ سَمِعَ عَبَّادٌ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَدَرِيٌّ يَرْوِي عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . قُلْتُ لِيَحْيَى: هَكَذَا تَقُولُ فِي كُلِّ دَاعِيَةٍ , لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ إِنْ كَانَ قَدَرِيًّا أَوْ رَافِضِيًّا , أَوْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَهْوَاءِ , مِمَّنْ هُوَ دَاعِيَةٌ ؟ قَالَ: لَا يُكْتَبُ عَنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ , وَلَا يَدْعُو إِلَيْهِ كَهِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ وَغَيْرِهِ , مِمَّنْ يَرَى الْقَدَرَ وَلَا يَدْعُو إِلَيْهِ" [12]
(1) - الضعفاء ، للعقيلي ( 3 / 277 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية" ( ص: 203 - 204 ) (331) بإسناد صالح
(2) - الخطيب في"الكفاية" ( ص 227 ) (397)
(3) - أخرجه ابن أبي حاتم في"التقدمة" ( ص: 273 ) وإسناده صالح .
(4) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 203 ) رقم (329) وإسناده صحيح .
(5) - أخرجه عبد الله بن أحمد في"العلل" ( النص: 4947 ) وعنه: العُقيلي ( 1 / 8 ) وإسناده صحيح
(6) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 204 - 205 ) رقم (335) .
(7) - العلل رواية المروذي ( النص: 213 ) .
(8) - أخرجه ابنُ حبان في"المجروحين" ( 1 / 82 ) وإسناده صحيح .
(9) - الكفاية (294 )
(10) - الكفاية (295 ) وإسناده صحيح
(11) - الكفاية (340 )
(12) - الكفابة (332 )