5-رتبتُه:
يتبين من تعريفي المنكر المذكورين آنفًا أن المنكر من أنواع الضعيف جدًا ؛ لأنه إما راويه ضعيف موصوف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة أو الفسق ، وإما راويه ضعيف مخالف في روايته تلك لرواية الثقة ، وكلا القسمين فيه ضعف شديد ،
قلتُ: ومن كان بهذه الصفة لا يحتج بحديثه ولا يعمل لا في الفضائل ولا الأحكام ، على الراجح .
6-مظنة وجوده:
يوجد في كتب الضعفاء التي عنيت بذكر ما يؤخذ على الراوي أو بعض ما يؤخذ عليه ، مما يندرج تحت أسباب ضعفه ، مثل:"الكامل"لابن عدي ، و"الضعفاء"للعقيلي ، و"المجروحين"لابن حبان ، وهي أنفع الكتب في هذا الباب .
7-تفسير مصطلح ( المنكر ) في كلام المتقدمين:
وقع في كلام متقدمي أئمة الحديث إطلاق وصف ( المنكر ) على ما يأتي:
أولًا: تفرد الثقة ، وقع هذا في بعض كلام أحمد بن حنبل ، وقاله أبو بكر البرديجي [1] .
وكان يحيى القطان يتشدد في تفرد الثقة ، حتى ربما عدَّ ذلك من وهمه .
كما في مسند أحمد (6437) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَا أَنْكَرْتُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا حَدِيثَ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تُسَافِرِ امْرَأَةٌ سَفَرًا ثَلاَثًا إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ » .، قال أحمد: فأنكره يحيى بن سعيد عليه ، فقال لي يحيى بن سعيد:"فوجدته ، فوجدت به العمري الصغير [2] عن نافع عن ابن عمر ، مثله"، قال أحمد: لم يسمعه إلا من عبيد الله ، فلما بلغه عن العمري صححه [3] .
قلتُ: حكم بالنكارة للغرابة ، فلما زالت بالمتابعة حكم بصحته ، مع أنها متابعة من لين ، إذ العمري الصغير ضعيف ليس بالقوي في الحديث ، لكنه صالح في المتابعات .
وهذا مما لم تجرِ عليه طريقة الشيخين ولا غيرهما ، بل الثقة مقبول التفرد ، ما لم يأت بما يخالف فيه .
ثانيًا: أنواع من الحديث الضعيف لأسباب أخرى ، كالحديث الشاذ ، أو الحديث الفرد الذي قام الدليل على أنه قد وهم فيه الثقة ، والمدرج ، والمنقطع ، وحديث المجهول ، وقع ذلك في كلام غير واحد من الأئمة المتقدمين ، كيحيى بن سعيد القطان ، وأحمد بن حنبل ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، وأبي داود ، والنسائي ، وغيرهم ، يطلقون لقب ( المنكر ) على هذه الأنواع .
ثالثًا: الحديث الفرد الذي يرويه الصدوق النازل عن درجة أهل الإتقان ، وليس له عاضد يصحح به ، ترى هذا في كلام أحمد بن حنبل وأبي داود والنسائي والعقيلي وابن عدي وغيرهم .
وهذا هو ( الحديث الحسن ) وهو أحد قسمي ( الحديث المقبول ) .
فالنكارة هنا لا يراد بها غير معنى التفرد ، ويزول أثرها إذا استقصينا تحقيق شروط حسن الحديث .
رابعًا: الحديث الفرد الذي يرويه المستور ، أو الموصوف بسوء الحفظ ، أوالمضعف في بعض شيوخه دون بعض ، أو بعض حديثه دون بعض ، وليس له عاضد يقوي به .
وهذا يوجد في كلام كثير من أئمة الحديث .
مثل ما رواه جعفر بن سلميان الضبعي ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين ، ويقال له: يرحمكم الله ، وإذا قيل له: يرحمكم الله ، فليقل: يغفر الله لكم" [4] .
قال النسائي:"هذا حديث منكر ، ولا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء بن السائب بعد الاختلاط ، ودخل عطاء بن السائب البصرة مرتين ، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح ، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء".
وهذه الصورة يمكن إدراجها تحت السادسة الآتية ؛ من أجل أنها جاءت عن الراوي في حال الضعف ، وإن كان ذلك الراوي قد يقبل في حال أخرى .
خامسًا: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه من سبق وصفه في الصورة الثانية ، ويوصف الراوي بالضعف بحسب كثرة ذلك منه أو قلته ، وربما كثر منه حتى يصير متروكًا ، ...
وعلى هذه الصورة أكثر ما يقع إطلاق وصف ( المنكر ) .
سادسًا: الحديث الذي يتفرد به الضعيف بما لا يعرف من غير طريقه ، ولا يحتمل منه .
وهذه الصورة مع التي قبلها ينبغي أن يجري عليهما الاصطلاح على ما تقدم اختياره .
سابعًا: حديث المتروكين والكذابين .
وتسميته بـ ( المنكر ) أولى من غيره ، وهو غني عن التمثيل ؛ لكثرة وقوعه في كلام علماء الحديث .
وحديث هؤلاء كذلك يطلق عليه وصف: ( الحديث الواهي ) ، وذلك لأجل شدة ضعف راويه ، وسقوط الاعتبار به بمرة ، يقولون في ذلك: ( حديث واه ) ، و ( إسناده واه ) .
ثامنا- قد يوصف ( الحديث المنكر ) عندهم بـ ( الحديث الباطل ) ، ويكثر مثله في كلام الإمام أبي حاتم الرازي ، وربما أطلق هذا الوصف على أي من درجات النكارة المتقدمة ، وفيما تقدم بعض مثاله .
ومن ذلك قول ابن عدي في ( إبراهيم بن البراء الأنصاري ) :"ضعيف جدًا ، حدث عن شعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم من الثقات بالبواطيل"، وساق بعض حديثه ، ثم قال:"أحاديثه التي ذكرتها وما لم أذكرها ، كلها مناكير موضوعة ، ومن اعتبر حديثه علم أنه ضعيف جدًا ، وهو متروك الحديث. [5] "
قلت: بل فيه تسوية بين ( المنكر ) و ( الباطل ) و ( الموضوع ) ، ولا يخفى إمكان التناسب بينها ، وإن تفاوتت عند التفريق بينها دلالاتها .
ـــــــــــــــ
(1) - انظر: شرح علل الترمذي ( 1 / 450 -452 ) .
(2) - يعني عبد الله بن عمر العمري .
(3) - مسائل الإمام أحمد ، رواية ابن هانئ ( 2 / 216 ) .
(4) - أخرجه النسائي في"عمل اليوم والليلة" ( رقم: 224 ) وعنه: ابن السني في"اليوم والليلة"له ( رقم: 259 ) . وأخرجه الهيثم الشاشي في"مسنده" ( رقم: 751 ) والحاكم ( 2 / 266 رقم: 7694 ) وابن عبد البر في"التمهيد" ( 17 / 331 ) من طريق مُحمد بن عبد الله الرقاشي ، عن جعفر ، به .
تابع جعفرًا عليه: أبيض بن أبان . أخرجه الطبراني في"الكبير" ( 10 / 200 رقم: 10326 ) و"الأوسط" ( 6 / 320 رقم: 5681 ) و"كتاب الدعاء" ( رقم: 1983 ) والحاكم ، والبيهقي في"الشعب" ( 7 / 30 رقم: 9347 ، 9348 ) .
وذكر الطبراني كذلك أن المغيرة بن مسلم رواهُ عن عطاء كما رواهُ أبيض .
وقال الحاكم:"هذا حديث لم يرفعه عن أبي عبد الرحمن عن عبْد الله بن مسعود غيرُ عطاء بن السائب ، تفرد بروايته عنه جعفر بن سليمان الضُّبعي وأبيض بن أبان القُرشي ، والصحيح فيه رواية الإمام الحافظ المتقن سُفيان بن سعيد الثوري عن عطاء بن السائب"يعني موقوفًا من قوْل ابن مسعود.
وكذلك قال البيهقي في الموقوف:"وهو الصحيح".
والرواية الموقوفة أخرجها البُخاري في"الأدب المفرد" ( رقم: 934 ) والحاكم ( رقم: 7695 ) والبيهقي في"الشعب" ( 7 / 30 رقم: 9346 ) من طرق عن سفيان ، به .
وأخرجها ابن أبي شيبة ( 8 / 690 ) قال: حدثنا ابنُ فضيل ، عن عطاء ، بإسناد به موقوفًا كذلك .
كذلك ذكر الدارقطني أن جرير بن عبد الحميد وعلي بن عاصم روياه عن عطاء موقوفًا أيْضًا ، وقال:"والموقوف أشهر" ( العلل 5 / 334 ) .
(5) - الكامل ( 1 / 411 - 412 ) .