ومن قال: يجري أمرهم على التعديل تغليبًا للأصل ؛ لعدم الجرح ، ولعدم تنصيص العارفين على الجهالة ، والأصل السلامة من القدح ، فهذا من جهة التأصيل قوي [1] ، لكنه وإن مال بنا إلى اعتبار التعديل ، فإنه لا ينهض بمجرده للحكم به في حق ذلك الراوي .
غير أنه يمكن أن يستفاد من هذا: أن يعتبر لمجرد سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن الراوي منزلة هي أرفع من الحكم بالجهالة ، مائلة إلى الحكم بالتعديل ، وهي منزلة ( المستور ) عند بعض الأئمة .
والذي يتحرر لنا في هذا الأصل في الجملة أن نقول في هذا النوع من الرواة ، أنهم قسمان:
القسم الأول: الرواة المترجمون في كتب الجرح والتعديل ، لكن لم يذكروا بجرح ولا تعديل .
وهذا الصنف إذا اتبعنا فيهم النظر والتحري عند المتقدمين أمكن تمييز منازلهم في الرواية من حيث قبول حديثهم أو رده ، وذلك باتباع الطرق التالية:
الأولى: جمع مروياتهم .
الثانية: تحري موضع الموافقة لحديث الثقات ، والمخالفة له ، أو التفرد دونهم .
الثالثة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب كثرة من روى عنه .
الرابعة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب ما ورد عنه من أخبار .
فلو أخذت له مثالًا ( عبد الله بن عوف الكناني ) ، فهو راو لم يوثقه غير ابن حبان ، لكنه كان أحد عمال عمر بن عبد العزيز ، فهذا تعديل له في شخصه دون روايته ، لما عرف من صرامة عمر في الحق وعدله ، فما كان ليولي فاسقًا ، فبقيت عدالته في الرواية بحسب سلامته من التفرد بمنكر.
الخامسة: وجود التصريح بالتعديل لشيخ له لم يعرف ذلك الشيخ إلا من طريق هذا الراوي .
مثل: ( مالك بن الخير الزبادي ) رجل من أهل مصر ، فزعم ابن القطان أنه لم تثبت عدالته [2] ، وتعقبه الذهبي في ذلك وقال فيه:"محله الصدق" [3] .
قلت: وهذا الرجل تفرد بالرواية عن ( مالك بن سعد التجيبي ) ، لم يرو عنه أحد سواه ، وما عرف مخرج حديثه إلا من طريقه ، وقد قال أبو زرعة الرازي في هذا التجيبي:"مصري لا بأس به" [4] ، وذكر يعقوب بن سفيان في"ثقات التابعين من أهل مصر" [5] ، كما ذكره ابن حبان في"الثقات" [6] ، فإذا صح أن يكون هذا ثقة ، وجب أن يصح الطريق إليه ، ولا يصح إلا بعد أن يكون رواته ثقات .
والقسم الثاني: من وجدناه في الأسانيد ، لكن لم نقف له على ترجمة .
اعتنى الأئمة ومتأخروهم على التعيين بتتبع أسماء من تكلم فيه من الرواة على سبيل الاستيعاب ، وما وقعت العناية بتتبع جميع الرواة ، وإن حاولها بعضهم ، وأوعب ما ألف في جمع من تكلم فيهم:"ميزان الاعتدال"للحافظ الذهبي ، مع الزيادة عليه في"لسان الميزان"للحافظ ابن حجر العسقلاني ، والذي أورد فيه تراجم من تكلم فيهم ممن لا ترجمة لهم في"تهذيب الكمال"للمزي .
وقد ذكر ابن حجر في آخر كتاب"اللسان"فائدة حاصلها: أن من لم يترجم له في"الميزان"أو"اللسان"أو"تهذيب التهذيب"قال:"فهو إما ثقة ، أو مستور" [7] .
قلت: وهذا أصل نافع في رواة كثيرين ، إذا بحثت عن تراجم لهم لم تقف عليها ، وهم معروفون بالنقل ، فهذا طريق يعين على تنزيلهم ما يليق بهم ، لكن بعد التحقق على نفس منهاج متقدمي النقاد ، من اعتبار الشهرة بالحديث ، ورواية ما هو معروف ، إلى سائر ما تقدم بيانه في شرح منهجهم .
والعمل بهذا الطريق اقتداء بأئمة هذا الشأن ممن تعرضوا لبيان أحوال رواة لم يسبقوا إلى الكلام فيهم ، كابن عدي والعقيلي وابن حبان والدارقطني والخطيب البغدادي .
فهذا ابن عدي مثلًا ، قد تتبع المجروحين إلى زمانه في كتابه الفذ:"الكامل"، حتى قال في مقدمته:"لا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق ، وإن كان ينسب إلى هوى وهو فيه متأول" [8] .
ومنهجه في اتباع هذا الطريق واضح في كتابه ، ومن عبارته في بعض الرواة:
قوله في ( سليمان بن أبي كريمة ) بعد أن أذكر له جملة أحاديث:"وله غير ما ذكرت ، وليس بالكثير ، وعامة حديثه مناكير ، ويرويه عنه عمرو بن هاشم البيروتي ، وعمرو ليس به بأس ، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا ، وقد تكلموا فيمن هو أمثل منه بكثير ، ولم يتكلموا في سليمان هذا ؛ لأنهم لم يخبروا حديثه" [9] .
وقوله في ( سعد بن سعيد سعدويه الجرجاني ) وذكر له أحاديث:"لسعد غير ما ذكرت من الحديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنه ، وكان رجلًا صالحًا ، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها ، أو ضعف في نفسه ورواياته ، إلا لغفلة كانت تدخل عليه ، وهكذا الصالحون ، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا ؛ لأنهم كانوا غافلين عنه ، وهو من أهل بلدنا ، ونحن أعرف به" [10] .
وهذا المنهج رأيت عمل الحافظ الذهبي قد جرى عليه في تعديل طائفة من الرواة ، خصوصًا من طبقات من يأتي بعد طبقات رواة الأئمة الستة ، وذلك بالنظر إلى شهرته ، مع كون أمره على الستر والسلامة ، وأنه لم يوقف فيما روى على شيء منكر .
تنبيه وفائدة:
قال الثقة عبد الله بن أحمد الدورقي:"كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو عنده ثقة" [11] .
قلت: هذا يجب حمله على رجال جاءوا في معرض السؤال ليحيى ، فلم يذكر فيهم جرحًا ولا تعديلًا ، إذ من شأن يحيى أنه إذا سئل عن الراوي المجروح لم يسكت عنه ، وإذا كان لا يعرفه أجاب بذلك ، فحيث سكت عن جرحه وعن تجهيله ، فهو عنده في جملة المقبولين الموثقين ، والله أعلم . اهـ [12]
ــــــــــــــ
القول الفصل في الرواة المسكوت عنهم
لقد تبين لديَّ بالاستقراء أنَّ كلَّ راوٍ سكتَ عليه الإمامُ البخاري في التاريخ وآبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل وقال عنه الإمام الذهبي وُثِّقَ أو الحافظ ابن حجر (مقبول ) فحديثه حسنٌ إن شاءَ اللهُ تعالى .
وهو الذي يحِّسنُ له عادة الإمام الترمذي أو يصحح له ابن حبان أو ابن خزيمة أو الحاكم في المستدرك ، ويحسِّنُ له الإمام المنذري في الترغيب والترهيب أو الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد أو الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ، وهو عادة يكون من الرواة المقلين ، فليس له سوى حديث أو حديثين ، وغالب هؤلاء في التابعين .
وقد غفل عن هذه القاعدة أكثر الباحثين اليوم ، فتراهم من كان بهذه الشاكلة يضعفون حديثه ، فكم من حديث حسنه أو صححه الأقدمون بناء على هذه القاعدة فجاء المعصرون فضعَّفوه ، وذلك لعدم فهمهم هذه القاعدة ، التي جرى عليها العمل في الجرح والتعديل .
قال الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في تعليقه على كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي رحمه الله:
(( وعلى هذا ، فيكون اعتبار السكوت من باب التعديل أولى من اعتباره من باب التجهيل ، وهو الذي مشى عليه جمهور كبار الجهابذة المتأخرين
وفي كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 36)
باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه حدثنا عبد الرحمن قال سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه ؟ قال إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه.
حدثنا عبد الرحمن قال سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه ؟ قال أي لعمري، قلت: الكلبى روى عنه الثوري، قال إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبى يُتكلَّمُ فيه، والتعجب فتعلقوا عنه روايته .
فهذا نصٌّ في أن الثقة إذا روى عن رجلٍ لم يضعَّف ، نفعه ذلك ، فسكوت البخاري ِّ وابن أبي حاتم وغيرهما يدلُّ على تقويه الرجل إذا روى عنه الثقة ، ولذلك يقول ابن حجر مرارًا: إنَّ البخاريَّ أو ابن أبي حاتمَ ذكره وسكت عليه ، أو لم يذكر فيه جرحًا .
وخالف الجمهور في ذلك: الحافظُ ابن القطان أبو الحسن علي بن محمد الفاسي المغربي ، المشهور بابن القطان المتوفى سنة 628 هـ رحمه الله ، فاعتبر سكوت أحد هؤلاء الحفاظ النقاد عن الراوي تجهيلًا لهُ !!
وابن القطان هذا معروف بتعنته وتشدده في الرجال ، كما ذكر ذلك الإمام الذهبي في مواضع من كتبه ، منها في ترجمته في تذكرة الحفاظ 4/1407 ، ومنها في ترجمته في تاريخ الإسلام كما نقله الدكتور عواد بشار معروف في كتابه الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام ص 173 ، ومنها في الميزان 4/301 في ترجمة (هشام بن عروة ) ونكَّتَ عليه فيه ،وعاب تشدده وخلْطهُ الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلِّطين ...
وفي نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 1 / ص 491)
حَدِيثٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْجِلْدِ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي"سُنَنِهِ"عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ { نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدُكُمْ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ جِلْدٍ } انْتَهَى .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يَصِحُّ ذِكْرُ الْجِلْدِ انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي"كِتَابِهِ"وَعِلَّتُهُ الْجَهْلُ بِحَالِ مُوسَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ: وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَلَمْ يُعَرِّفْ مِنْ أَمْرِهِ بِشَيْءٍ ، فَهُوَ عِنْدَهُ مَجْهُولٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا مَجْهُولٌ ، قَالَ: وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّ مِمَّنْ يَذْكُرُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ رَأَى أَوْ سَمِعَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لِأَحَدِهِمْ التَّابِعِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ بِالصُّحْبَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وفي نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 2 / ص 65)
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي"كِتَابِهِ": كُلُّ مَنْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَعْرُوفٌ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحُصَيْنِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَمَجْهُولُ الْحَالِ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ .
والدراوردي يَقُولَانِ: عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَنْبَأَ قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ ، وَذَكَرَ هَذَا الِاخْتِلَافَ الْبُخَارِيُّ ، وَلَمْ يُعْرَفْ هُوَ ، وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَالِهِ بِشَيْءٍ ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا مَجْهُولٌ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وقد حمَّل ابنُ القطان: البخاريُّ وابن أبي حاتم ما لم يقولاه ، أما البخاري فإنه ما نصَّ على شيء في حكم سكوته عن الراوي ، فمن أين أضاف إليه: ( فهو عنده مجهول ) ؟
والعلماء الحفاظُ الجهابذة مثلُ المجد ابن تيمية والمنذري والذهبي وابن القيم وابن عبد الهادي والزيلعي وابن كثير والزركشي والهيثمي و ابن حجر وغيرهم ... فهموا من تتبع صنيع البخاري وعادته ودراسة أحكامه في الرجال: أن من سكت عنه لا يعدُّ مجروحًا ، ولا مجهولًا ،فقول ابن القطان بأنَّ من سكت عنه البخاري (فهو مجهول ) تقويلٌ وتحميلٌ غير سائغٍ .
وأما ابن أبي حاتم فإنه قال: على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتابُ على كلِّ من رويَ عنه العلمُ ،رجاءَ وجودِ الجرحِ والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم إن شاءَ اللهُ تعالى) اهـ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 13) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 38)
والجهالة جرحٌ بلا ريبٍ ، فلا يصحُّ لابن القطان رحمه الله أن يضيفه إلى ابن أبي حاتم فيقول: ( فهو عنده مجهول ) ، فإن ابن أبي حاتم قال: ( رجاء وجود الجرح فيهم ) فابن أبي حاتم لم يجعل توقفه فيمن توقف فيه ( جرحًا) له ، فجعل ابن القطان هذا التوقف ( جرحًا ) عند ابن أبي حاتم: تقويلٌ له ما لم يقلْه.
يضافُ إلى ذلك أن ابن أبي حاتم أو والده ، حين يصرح أحدهما في حكمه على الراوي بقوله ( مجهول) فقد جزمَ بجهالته عنده ، وأما حين يسكت عن الراوي فإنه لم يجزم بجهالته ، فكيف يجعلُ ابنُ القطان سكوتَ أحدهما عن الراوي مثل تصريحه ، ولا نصَّ عنهما في ذلك ؟ فهذا منه رحمه الله تعالى تقويلٌ لهما ما لم يقولاهُ .واضطرب فيها مسلك الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في هذه المسالة ، فمشى مرةً على نحو مسلك ابن القطان ، ومرةَ على مسلك الجمهور:
قال الزيلعي رحمه الله:"أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي"الْكَامِلِ"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُدْخِلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ: إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك ، وَأَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ كَانَ مَثْنَى مَثْنَى ، وَإِقَامَتَهُ مُفْرَدَةٌ ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً } ، قَالَ ( يعني ابن دقيق العيد) فِي"الْإِمَامِ": وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَدِيٍّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ ، فَهُوَ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَذَكَرَ تَضْعِيفَهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ كُلُّهُمْ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ حَالٌ ، انْتَهَى .نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 2 / ص 102) "
ويقال في الردِّ عليه ما قيل على ابن القطان .
وقال أيضا كما في نصب الراية:"قَالَ الشَّيْخُ فِي"الْإِمَامِ": وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ حَدَّثَ عَنْهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: كَانَ ثِقَةً ، وَوَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي"الثِّقَاتِ"أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، وَرَوَى لَهُ فِي"صَحِيحِهِ"، وَيُوسُفُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ غَيْرِ جَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ."نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 5 / ص 441)
وهذا الحديث نفسه أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 3/282 وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات اهـ
وهذا يدلُّ على أن سكوت ابن أبي حاتم ليس جرحًا ولا جهالة عند الحافظ الهيمثي ، فلذا قال في هذا الحديث (ورجاله ثقات) فمن سكت عليه ابنُ أبي حاتم - ومثله البخاري ...- يعدُّ ثقةً عند الحافظ الهيثمي رحمه الله .
ولكن ابن دقيق العيد رحمه الله له أقوال تدلُّ على أخذه بمذهب الجمهور ، فقد ذهب إلى أن خلوَّ كتب الضعفاء - ومنها الكامل لابن عديٍّ -عن ذكر الراوي المذكور بالرواية: يقتضي توثيقه ، فقد جاء في نصب الراية:" { حَدِيثٌ آخَرُ } : أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي"مُسْتَدْرَكِهِ"عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ دَاوُد الْحَرَّانِيِّ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ .وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ، فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ، وَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ لَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ } انْتَهَى ."
قَالَ الْحَاكِمُ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَرُوَاتُهُ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي"سُنَنِهِ"عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهِ ، قَالَ صَاحِبُ"التَّنْقِيحِ": إسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى صَدُوقٌ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى .
وَلَمْ يُعِلَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي"التَّحْقِيقِ"بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُدَّةِ الثَّلَاثِ ، قَالَ الشَّيْخُ فِي"الْإِمَامِ"قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا مِمَّنْ انْفَرَدَ بِهِ أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ ، وَأَسَدُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا مَدْخُولٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ تَفَرُّدِ أَسَدٍ بِهِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ ثَنَا حَمَّادٌ .
الثَّانِي: أَنَّ أَسَدًا ثِقَةٌ ، وَلَمْ يُرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الضُّعَفَاءِ لَهُ ذِكْرٌ ، وَقَدْ شَرَطَ ابْنُ عَدِيٍّ أَنْ يَذْكُرَ فِي"كِتَابِهِ"كُلَّ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ ، وَذَكَرَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ الْأَكَابِرِ وَالْحُفَّاظِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَسَدًا ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَوْثِيقَهُ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ تَوْثِيقَهُ عَنْ الْبَزَّارِ ، وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكُوفِيِّ"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 1 / ص 376) "
ومثل ذلك قول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره حيث قال عقب روايته لقصة هاروت وماروت - والتي لا يصح رفعها بحال- قال [13] :
"وَهَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَرِجَاله كُلّهمْ ثِقَات مِنْ رِجَال الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا مُوسَى بْن جُبَيْر هَذَا وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ السُّلَمِيّ مَوْلَاهُمْ الْمَدِينِيّ الْحَذَّاء وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي أُمَامَة بْن سَهْل بْن حُنَيْف وَنَافِع وَعَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك وَرَوَى عَنْهُ اِبْنه عَبْد السَّلَام وَبَكْر بْن مُضَر وَزُهَيْر بْن مُحَمَّد وَسَعِيد بْن سَلَمَة وَعَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة وَعَمْرو بْن الْحَرْث وَيَحْيَى بْن أَيُّوب وَرَوَى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي كِتَاب الْجَرْح وَالتَّعْدِيل وَلَمْ يَحْكِ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا هَذَا فَهُوَ مَسْتُور الْحَال"
وتابعه على هذا المسلك - وهو اعتبار المسكوت عليه مستور الحال- تلميذه الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه (( الدرر المنثورة في الأحاديث المشهورة ) )- مخطوط- فقال في الباب السابع في القصص والأخبار في كلامه على هذا الحديث: أخرجه أحمد في مسنده من جهة موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا ، وموسى بن جبير ذكره ابن أبي حاتم في كتابه ( الجرح والتعديل ) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ، فهو مستور الحال"اهـ"
والشاهد من هذا النصِّ عن الإمام ابن كثير خصوصُ حكمه في قوله ( ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، ولم يحكِ فيه شيئًا ، فهو مستور الحال ) ) بصرف النظر عما حول الحديث وراويه مما أشرت إليه آنفًا .
ورواية مستور الحال يحتجُّ بها لدى طائفةٍ معتبرةٍ من العلماء ، قال الحافظ العراقي [14] :
"مجهولُ العدالةِ الباطنةِ ، وهو عدلٌ في الظاهرِ ، فهذا يحتَجُّ به بعضُ مَنْ رَدَّ القسمَينِ الأولَينِ ، وبهِ قطعَ الإمامُ سُلَيمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ ، قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بالراوي ؛ لأنَّ روايةَ الأخبارِ تكونُ عندَ مَنْ تَتَعذَّرُ عليه معرفةُ العدالةِ في الباطنِ ، فاقتُصِرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ . وتُفَارِقُ الشهادَةَ ، فإنَّها تكونُ عند الحُكَّامِ،ولا يتعذّرُ عليهم ذلكَ ، فاعتُبِرَ فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطنِ. قالَ ابنُ الصّلاحِ [15] : ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم ، وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم ، واللهُ أعلمُ . وأطلقَ الشافعيُّ كلامَهُ في اختلافِ الحديثِ أنَّهُ لا يحتجُّ بالمجهولِ ، وحكى البيهقيُّ في"المدخلِ": أنَّ الشافعيَّ لا يحتجُّ بأحاديثِ المجهولينَ . ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ هذا القسمَ الأخيرَ ، قال: وهو المستورُ ، فقد قال بعضُ أئمتِنا: المَسْتُورُ مَنْ يكونُ عَدْلًا في الظَّاهرِ ، ولا تُعْرَفُ عدالتُهُ باطنًا . انتهى كلامُه . وهذا الذي نَقَلَ كلامَهُ آخرًا ، ولم يسمِّهِ ، هو البغويُّ ، فهذا لفظُهُ بحروفِهِ في"التهذيبِ"، وتَبِعهُ عليه الرافعيُّ. وحكى الرافعيُّ في الصومِ وجهين في قبولِ روايةِ المستورِ من غيرِ ترجيحٍ. وقالَ النوويُّ في"شرحِ المهذّبِ": (( إنَّ الأصحَّ قبولُ روايتِهِ ) )اهـ."
قلتُ:
قال الإمام النووي رحمه الله [16] :
"وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُغَفَّلُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ , وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَنْ نَقْبَلُهُ ."
(1) - وممن سلكه من المعاصرين العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة ، رحمه الله ، في بحث له نُشر في"مجلة كليَّة أصول الدين"الصادرة عن جامعة محمد بن سعود الإسلامية ، العدد الثاني لعام 1400 هـ ، وذلك بعنوان: ( سُكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يُجرح ولم يأتِ بمتنٍ منكر يُعدُّ توثيقًا له ) ، وكتب الشيخ عداب الحمش رداَّ عليه في كتاب سماه ( رواة الحديث الذي سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل ) ، وفي ردِّه فوائد ، وأنا أوافقه على بعض نتائجه وأخالفه في أخرى ، وربما أخذت عليه في نفسه فيه .
(2) - بيان الوهم والإيهام ، لابن القطان ( رقم: 1451 ) . وتقدم قريبًا في ( المبحث السابق ) التنبيه عليه .
(3) - ميزان الاعتدال ( 3 / 426 ) ، بل وجدت فيه فائدة عزيزة فاتت جميع من ترجم له ، وهي قولُ ناقد أهل مصر أحمد بن صالح المصري فيه:"ثقة" ( تاريخ أبي زُرعة 1 / 442 ) زيادةً على توثيق ابنِ حبان ، ولكن المقصود التمثيل بهذه الصورة في دَفع الجَهالة عن الراوي .
(4) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 209 ) .
(5) - المعرفة والتاريخ ، ليعقوب بن سُفيان ( 2 / 530 ) .
(6) - الثقات ( 5 / 385 ) .
(7) - لِسان الميزان ( 7 / 571 ) .
(8) - الكامل ( 1 / 79 ) .
(9) - الكامل ( 4 / 250 ) .
(10) - الكامل ( 4 / 398 ) .
(11) - أخرجه ابنُ عدي في"الكامل" ( 1 / 218 ) وإسناده جيد .
(12) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 333-335)
(13) - تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 353)
(14) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 114) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247)
(15) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 21) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 247)
(16) - المجموع شرح المهذب - (ج 6 / ص 277)