بخلاف المتأخرين فقواهم متفرقة، وهممهم متشعِّبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها بشعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام المصنِّفين والمشايخ -على اختلافهم فيما أرادوا به- قد أخذ منها شعبة، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلَّت وضعفت، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة، وهذا أمر محسوس مشاهد.
ثم قال:"إذا وجد للصحابي قول فلا يخلو أن يخالفه صحابي آخر، أو لا يخالفه: فإن لم يخالفه صحابي آخر، فإما أن يُشْتَهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر: فإن اشْتُهر فالذي عليه جماهير الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع."
وقال شرذمة من المتكلمين والفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة. وإن لم يشتهر قول الصحابي، أو لم يعلم هل اشتهر أم لا؟
فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، وهو قول جمهور الحنفية، وصرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًّا، وهو مذهب مالك وأصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه، واختيار جمهور أصحابه.
وإن خالفه صحابي آخر، فلا يخلو من أن يكون مثله في العلم، أو يكون أعلم منه: فإن كان مخالفه مماثلا له في العلم لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وإن كان مخالفه أعلم منه، كأن يكون المخالف أحد الخلفاء الراشدين أو جميعهم، فللعلماء في الأخذ بقول الأعلم قولان -وهما روايتان عن الإمام أحمد- وأصح القولين أن القول الذي ذهب إليه الخلفاء الراشدين أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به من قول الصحابي المخالف لهم.
فإن ذهب الخلفاء الأربعة إلى قول فالراجح أن الصواب معهم دون المخالف لهم، وإن ذهب بعض الخلفاء إلى قول وبعضهم إلى قول آخر فالصواب أغلب في قول الأكثر منهم، فإن انقسموا بالتساوي فذهب اثنان من الخلفاء إلى قول واثنان إلى قول آخر، فالأقرب إلى الصواب القول الذي ذهب إليه أبو بكر وعمر.
فإن اختلف أبو بكر وعمر، وذهب كل منهما إلى قول، فالأقرب إلى الصواب قول أبي بكر؛ إذ لا يحفظ للصدِّيق خلاف نص واحد، ولا يحفظ له فتوى ولا حكم مأخذها ضعيف أبدًا، وهذا تحقيق لكون خلافته خلافة نبوة.ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصدِّيق في الجد والإخوة، وأن الجد أب يُسْقط الإخوة، ورجحان قوله في كون الطلاق الثلاث بكلمة واحدة لا تقع إلا طلقة واحدة، فإن العالم المتَّصف إذا نظر في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبين له أن جانب الصدِّيق أرجح من الجانب الآخر، وكذك بالنسبة لفتاوى التابعين وأقوالهم". [1] "
ـــــــــــــــ
(1) - وانظر لقاءات الباب المفتوح - (ج 74 / ص 11) -حجية قول الصحابي: