480 حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا ، فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا ، فَرُبَّ حَامِلِ فَقِهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ"الْحَدِيثَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"فَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى اسْتِمَاعِ مَقَالَتِهِ وَحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا إِلَى مَنْ يُؤَدِّيهَا ، وَالْأَمْرُ وَاحِدٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَأْمُرُ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ إِلَّا مَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أَدَّى إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَدَّى عَنْهُ حَلَالٌ يُؤْتَى ، وَحَرَامٌ يُجْتَنَبُ ، وَحَدٌّ يُقَامُ ، وَمَالٌ يُؤْخَذُ وَيُعْطَى ، وَنَصِيحَةٌ فِي دَيْنٍ وَدُنْيَا"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَالَّذِي أَخْتَارُهُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي وَأَئِمَّةِ عَصْرِي أَنْ يَقُولَ فِي الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ ، وَمَا يَأْخُذُهُ عَنِ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا مَعَ غَيْرِهِ: حَدَّثَنَا فُلَانُ ، وَمَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ ، وَمَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَهُوَ حَاضِرٌ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ ، وَمَا عُرِضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتَهُ شَفَاهًا يَقُولُ فِيهِ: أَنْبَأَنِي فُلَانٌ ، وَمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ مَدِينَةٍ ، وَلَمْ يُشَافِهْهُ بِالْإِجَازَةِ يَقُولُ: كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ .
وفي الكفاية (887) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ أَبُو الْعَبَّاسِ ، ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحُسَيْنِ , قَالَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ يَقُولُ"الْقِرَاءَةُ عَلَيَّ أَثْبَتُ وَأَفْهَمُ لِي مِنْ أَنْ أَتَوَلَّى الْقِرَاءَةَ أَنَا أَوْ نَحْوَ هَذَا".
وقال صاحب البَدِيع, بعد اختياره التَّسوية: محل الخِلاف ما إذَا قرأ الشَّيخ في كِتَابه, لأنَّه قد يسهو، فلا فرقَ بينهُ وبين القِرَاءة عليه، أمَّا إذا قرأ الشَّيخ من حفظه، فهو أعلى بالاتفاق.
واختار الحافظ ابن حجر: أنَّ محل ترجيح السَّماع ما إذا استوى الشَّيخ والطَّالب، أو كان الطَّالب أعلم، لأنَّه أوْعَى لما يَسْمع, فإن كان مَفْضُولًا, فقراءته أوْلَى, لأنَّها أضْبط له.
قال: ولهذَا كان السَّماع من لفظهِ في الإملاء أرفع الدَّرجات, لِمَا يلزم منهُ من تحرير الشَّيخ والطَّالب, وصرَّح كثيرون بأن القِرَاءة بنفسه أعْلى مرتبة من السَّماع بقراءة غيره.
وقال الزَّركشي: القارىء, والمُستمع سواء.
والأحوط الأجود في الرِّواية بها أن يقول: قرأتُ على فُلان إن قرأ بنفسه أو قرىء عليه وأنا أسمع, فأقرَّ به, ثمَّ تلي ذلك عبارات السَّماع مُقيدة بالقِرَاءة, لا مُطْلقة كحدَّثنا بقراءتي, أو قِرَاءة عليه وأنا أسمع أو أخبرنا بقراءتي, أو قراءة عليه وأنا أسمع, أو أنبأنا, أو نبأنا, أو قال لنا كذلك وأنشدنا في الشِّعر قراءة عليه, ومنع إطلاق حدثنا وأخبرنا هنا عبد الله ابن المُبَارك, ويحيى بن يحيى التَّميمي, وأحمد بن حنبل, والنَّسائي, وغيرهم.
قال الخطيب [1] : 948 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ , قَالَ:"اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَارِئِ الْحَدِيثِ عَلَى الشَّيْخِ , إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ , أَوْ سَكَتَ عَنْهُ سُكُوتًا يَقُومُ مَقَامَ إِقْرَارِهِ بِهِ , هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا يُحَدِّثُ بِكَذَا , أَوْ"حَدَّثَنِي"فُلَانٌ بِكَذَا , أَمْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ لَهُ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ , وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا , وَلَا"حَدَّثَنِي"وَلَا"أَخْبَرَنِي", وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ , لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ سَمِعْتُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُحَدِّثَ نَطَقَ بِهِ , وَأَنَّ الْقَائِلَ سَمِعْتُهُ يَحْكِي لَفْظَهُ , وَذَلِكَ بَاطِلٌ , وَإِخْبَارٌ بِالْكَذِبِ , وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّهُ نَطَقَ وَتَحَدَّثَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ , وَذَلِكَ مَا لَا أَصْلَ لَهُ , وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ عِنْدَنَا جَوَازُ ذَلِكَ لِمَنْ عُلِمَ حَالُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إِيهَامَ سَمَاعِ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ وَإِخْبَارِهِ وَحَدِيثِهِ مِنْ لَفْظِهِ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ , وَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ سُكُوتَ مُقِرٍّ بِهِ , إِذَا كَانَ ثِقَةً عَدْلًا لَا يَقْصِدُ التَّمْوِيهَ وَالْإِلْبَاسَ , فَأَمَّا إِذَا عُرِفَ بِقَصْدِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ قَارِئُ الْحَدِيثِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ ؟ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ , لِيَرْفَعَ بِذَلِكَ الْإِيهَامَ لِسَمَاعِهِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ"وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْقَاضِي وُجُوبَهُ هُوَ مَذْهَبُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ , وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: يَكْفِي الرَّاوِيَ أَنْ يَقُولَ فِيمَا سَمِعَهُ قِرَاءَةً"أَخْبَرَنَا"وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقُولَ: قِرَاءَةً , وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ: الْبَيَانُ أَوْلَى , فَإِنْ كَانَ سَمِعَ بِقِرَاءَتِهِ يَقُولُ: قَرَأْتُ , وَإِنْ كَانَ سَمِعَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ يَقُولُ: قُرِئَ وَأَنَا أَسْمَعُ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ " حَدَّثَنَا"وَلَا"أَخْبَرَنَا " , وَأَجَازَ قَوْمٌ قَوْلَ ذَلِكَ , وَأَنْ يَقُولَ أَيْضًا: سَمِعْتُ وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَسْمَاءَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُمُ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ بِسِيَاقِهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ..
وجوزها طائفة, قيل: إنَّه مذهب الزُّهري, ومالك بن أنس, وسفيان ابن عُيينة, ويحيى بن سعيد القَطَّان, والبُخَاري, وجَمَاعات من المُحِّدثين, ومُعظم الحِجَازيين, والكُوفيين كالثَّوري, وأبي حنيفة, وصَاحبيه, والنَّضر بن شُميل، ويزيد بن هارون, وأبي عاصم النَّبيل, ووهب بن جرير, وثعلب, والطَّحاوي - وألَّف فيه جُزءًا - وأبي نُعيم الأصبهاني, وحكاهُ عياض عن الأكثرين, وهو رواية عن أحمد.
ومنهم من أجاز فيها سمعتُ أيضًا, ورُوِي عن مالك, والسفيانين, والصَّحيح لا يَجُوز.
وممَّن صحَّحه أحمد بن صالح , والقاضى أبو بكر البَاقلاني, وغيرهما.
ويقع في عِبَارة السِّلفي في كتابه «التسميع» سمعتُ بقراءتي, وهو إمَّا تسامح في الكِتَابة لا يستعمل في الرِّواية, أو رأي يفصل بين التَّقييد والإطلاق.
ومنعت طائفة إطلاق حدَّثنا, وأجازت إطلاق أخبرنا, وهو مذهب الشَّافعى وأصحابه, ومسلم بن الحجَّاج, وجُمهور أهل المشرق.
وقيل: إنَّه مذهب أكثر المحدِّثين عزاه لهم محمد بن الحسن التَّميمي الجوهري في كتاب «الإنصاف» قال: فإنَّ أخبرنا علَم يقوم مقام قائله أنا قرأته عليه, لا أنَّه لَفَظ به لي.
ورُوِيَ عن ابن جريج, والأوزاعي, وابن وهب.
قال ابن الصَّلاح [2] : وقيل: إنَّه أوَّل من أحدث الفَرْق بين اللَّفظين بِمصر, وهذا يدفعه النقل عن ابن جريج, والأوزاعى, إلاَّ أن يعني أنَّه أوَّل من فعل ذلك بمصر.
ورُوِيَ عن النَّسائي أيضًا, حكاه الجَوْهري المذكور.
وقال ابن الصلاح [3] : وصار الفرق بينهما هو الشَّائع الغالب على أهل الحديث وهو اصْطلاح منهم, أرادوا به التَّمييز بين النَّوعين, والاحتجاج له من حيث اللغة فيه عناء وتكلف. [4]
وفي الكفاية (974 ) ذَكَرَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْهَرَوِيَّ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ عَنْ الْفَرَبْرِيِّ , صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ , وَكَانَ يَقُولُ لَهُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: حَدَّثَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ , فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ لَهُ:"أَلَيْسَ حَدَّثَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ بِهَذَا الْكِتَابِ مِنْ لَفْظِهِ ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا , إِنَّمَا سَمِعْنَاهُ مِنْهُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ , فَقَالَ: تَسْمَعُنِي أَقُولُ حَدَّثَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ فَلَا تُنْكِرُ عَلَيَّ ؟ ثُمَّ أَعَادَ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ كُلِّهِ وَقَالَ لَهُ فِي جَمِيعِهِ: أَخْبَرَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ"
قال العِرَاقي [5] :"وكأَنَّهُ كانَ يرى أَنَّهُ لابُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّنَدِ في كُلِّ حديثٍ ، وإنْ كانَ الإسنادُ واحدًا إلى صاحبِ الكتابِ ، وهو من مذاهبِ أهلِ التشديدِ في الروايةِ ، وإلاَّ لاكتفى بقولهِ لهُ: أخبرَكُم الفِرَبْرِيُّ بجميعِ صحيحِ البخاريِّ . والصحيحُ أنَّهُ لا يحتاجُ إلى إعادةِ السَّنَد في كلِّ حديثٍ على ما سيأتي في موضوعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى."
فُروعٌ:
الأوَّل: إذا كان أصل الشَّيخ حال القراءة عليه بيد شخص موثوق به عند الشَّيخ مراع لمَا يقرأ, أهل له, فإنْ حفظَ الشيخُ ما يقرأ عليه فهو كإمْسَاكه أصلَه بيده وأوْلَى لتعاضد ذهني شَخْصين عليه.
وإن لم يحفظ الشَّيخُ ما يُقرأُ عليه فقيل: لا يصحُّ السَّماع حكاه القاضي عياض عن الباقلاني, وإمام الحرمين. [6]
والصَّحيح المُختار الَّذي عليه العمل بين الشِّيوخ وأهل الحديث كافة أنَّه صحيح.
قال السَّلفيُّ: على هذا عهدْنا عُلماءنا عن آخرهم.
فإن كان أصلُ الشَّيخ بيد القارىء الموثُوق بدينه ومعرفته يقرأ فيه, والشيخ لا يحفظه فأولى بالتَّصحيح خلافًا لبعض أهل التشديد.
ومتى كان الأصل بيد غير موثوق به القارىء, أو غيره, ولا يؤمن إهماله لم يصحَّ السَّماعُ إن لم يحفظه الشَّيخُ.
الثَّاني: إذا قرأ على الشَّيخ, قائلًا أخبركَ فُلان أو نحوه كقلت: أخبرنا فُلان والشَّيخُ مُصغٍ إليه, فاهمٌ له غيرُ منكرٍ ولا مقرٍّ لفظًا صحَّ السَّماعُ, وجازتِ الرِّواية به اكتفاءً بالقرائن الظَّاهرة.
ولا يشترط نُطقُ الشَّيخ بالإقرار, كقوله: نعم على الصَّحيح الَّذي قطع به جماهيرُ أصحاب الفُنون الحديث, والفقه والأُصول.
وشرط بعضُ الشَّافعيين كالشَّيخ أبي إسحاق الشِّيرازى, وابن الصَّباغ, وسليم الرَّازي و بعضُ الظَّاهريين المُقَلدين لداود الظَّاهري نُطقَه به.
وقال ابن الصبَّاغ الشَّافعيُّ من المُشترطين: وله أَنْ يعملَ بِمَا قُرِئَ عليهِ ، وإذا أرادَ روايتَهُ عنهُ ، فليس لَهُ أَنْ يَقُوْل: حَدَّثَنِي ، ولا أَخْبَرَنِي ، بَلْ قرأتُ عَلَيْهِ ، أو قُرِئَ عليهِ وَهُوَ يسمعُ..
وصحَّحه الغزالي, والآمدي, وحكاه عن المتكلمين, وحكى تجويز ذلك عن الفُقهاء والمُحدِّثين، وحكاهُ الحاكم عن الأئمة الأربعة [7] , وصحَّحه ابن الحاجب.
وقال الزَّركشى: يُشْترط أن يَكُون سُكوته لا عن غَفْلةٍ, أو إكراهٍ, وفيه نظرٌ.
ولو أشَار الشَّيخ برأسه, أو أصبعه للإقْرَار، ولم يتلفظ, فجزم في «المحصول» بأنَّه لا يقول: حدَّثني ولا أخبرني.
قال العِرَاقيُّ [8] : وفيه نظر.
الثَّالث: قال الحاكم [9] : الَّذي أختاره أنا في الرِّواية وعهدتُ عليه أكثر مشايخي، وأئمة عَصْري أن يقول الرَّاوي فيما سمعهُ وحده من لفظ الشَّيخ: حدَّثني بالإفراد و فيما سمعهُ منه مع غيره حدَّثنا بالجمع وما قرأ عليه بنفسه أخبرني, وما قرىء على المُحدِّث بحَضْرته أخبرنا.
ورُوي نحوه عن عبد الله ابن وهب صاحب مالك, روى التِّرمذي عنه في «العلل» (4389 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِىُّ الْمِصْرِىُّ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ مَا قُلْتُ حَدَّثَنَا فَهُوَ مَا سَمِعْتُ مَعَ النَّاسِ وَمَا قُلْتُ حَدَّثَنِى فَهُوَ مَا سَمِعْتُ وَحْدِى وَمَا قُلْتُ أَخْبَرَنَا فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى الْعَالِمِ وَأَنَا شَاهِدٌ وَمَا قُلْتُ أَخْبَرَنِى فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى الْعَالِمِ. يَعْنِى وَأَنَا وَحْدِى..
ورواه البَيْهقى في «المدخل» عن سعيد بن أبي مريم, وقال: عليه أدركتُ مشايخنا.
وهو معنى قول الشَّافعي وأحمد.
قال ابن الصَّلاح [10] : وهو حسن رائق.
قال العِرَاقي [11] : وفي كلامِ الحاكمِ وابنِ وَهْبٍ أَنَّ القارئَ يقولُ: أخبرني سواءٌ سمعَ معهُ غيرُه ، أَم لا.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في"الاقتراحِ": إنَّ القارئَ إذا كانَ مَعَهُ غيرُهُ يقولُ: أخبرنا فسوَّى بينَ مسألَتي التَّحْدِيثِ والإخبارِ في ذلكَ . ثُمَّ إِنَّ هذا التفصيلَ في أَلفاظِ الأَداءِ ليسَ بواجبٍ ، ولكنَّهُ مستحبٌ ، حكاهُ الخطيبُ عن أَهلِ العلمِ كافةً . فجائزٌ لِمَنْ سَمِعَ وحدَهُ أنْ يقولَ: أخبرنا وحَدَّثَنَا ولِمَنْ سَمِعَ معَ غيرهِ أَنْ يقولَ: أخبرني وحَدَّثَنِي، ونحوَ ذلكَ.. اهـ
قلتُ: الأوَّل أولى, ليتميز ما قرأهُ بنفسه, وما سمعهُ بقراءة غيره.
فإن شكَّ الرَّاوي هل كان وحده حالة التحمُّل فالأظهر أن يَقُول: حدَّثني, أو يقول: أخبرني, لا حدَّثنا, وأخبرنا لأنَّ الأصل عدمُ غيره, وأمَّا إذا شكَّ هل قرأ بنفسه, أو سمع بقراءة غيره.
قال العِرَاقي [12] :"إذا شكَّ الراوي هلْ كانَ وحدَهُ حالةَ التحمُّلِ فيقولُ في الأَداءِ: حَدَّثَنِي ، أو كانَ معهُ غيرُهُ ، فيقولُ: حَدَّثَنَا ؟! فيحتملُ أَنْ يُقالَ: يؤدى بلفظِ مَنْ سَمِعَ وحدَهُ ؛ لأَنَّ الأصلَ عدمُ غيرِهِ . أَمَّا إذا شكَّ في تحمَّلِهِ هلْ هوَ مِنْ قَبيلِ: أَخبرنا ، أو أَخْبَرَنِي ؟ فقدْ جمعها ابنُ الصلاحِ معَ مسألةِ الشكِّ هلْ هوَ من قبيلِ: حَدَّثَنَا ، أو حَدَّثَنِي ؟! وأنه يحتملُ أن يقولَ: أخبرني ؛ لأَنَّ عدمَ غيرهِ هو الأصلُ . وفيه نظرٌ ؛ لأَنَّ قبيلَ أخبرني أن يكونَ هو الذي قَرَأَ بنفسِهِ على الشيخِ على ما ذكرهُ ابنُ الصلاحِ ، وعلى هذا فهو يتحقَّقُ سماعَ نفسِهِ ، ويشكُّ هل قَرَأَ بنفسِهِ أم لا ؟ والأصلُ: أنَّهُ لَمْ يقرَأْ . وَقَدْ حَكَى الخطيبُ في"الكفايةِ"عن البَرْقانيِّ: أَنَّهُ ربُّما شَكَّ في الحديثِ هَلْ قرأَهُ هُوَ أو قُرِئَ وَهُوَ يَسْمَعُ فيقولُ فيهِ: قرأْنَا عَلَى فلانٍ ؟! وهذا حَسَنٌ فإِن إِفرادَ الضميرِ يقتضي قراءَتَهُ بنفسِهِ ، وجَمْعُهُ يُمكنُ حَمْلهُ على قراءةِ بعضِ مَنْ حَضَرَ لسماعِ الحديثِ ، بل لو تحققَ أَنَّ الذي قَرَأَ غيرُهُ فلا بأْسَ أَنْ يقولَ: قرأْنَا. قالَهُ أحمدُ بنُ صالحٍ حين سُئِلَ عنهُ . وقال النُفَيْليُّ: قرأْنَا على مالكٍ ، وإنَّما قُرِئَ على مالكٍ ، وهو يَسمَعُ . وأما مسألةُ الشكِّ هلْ هوَ من قَبِيلِ: حَدَّثَنَا أو حَدَّثَنِي ، فقدْ رأَى يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ: الإتيانَ بضميرِ الجمعِ حَدَّثَنَا في مسألةٍ تُشْبِهُهَا ، وهيَ إذا شكَّ في لفظِ شيخِه ، هلْ قالَ: حَدَّثَنِي أو حَدَّثَنَا ؟ ومقتضاهُ هنا أَنْ يقولَ: حَدَّثَنَا ، وكَأَنَّ وَجْهَهُ: أَنَّ حَدَّثَنِي أَكملُ مرتبةً فيُقتصَرُ في حالةِ الشكِّ على الناقصِ ، وقدِ اختارَ البيهقيُّ - بعد حكايتِهِ كلامَ ابنِ القَطَّانِ: أَنَّهُ يوحِّدُ فيقولُ: حَدَّثَنِي . اهـ"
ولا يَجُوز إبْدَال: حدَّثنا بأخبرنا, أو عكسه في الكتب المؤلفة وإن كان في إقَامة أحدهما مقام الآخر خلاف, لا في نفس ذلكَ التَّصنيف, بأن يُغير, ولا فيما ينقل منهُ إلى الأجزاء والتخاريج.
وما سمعتهُ من لَفْظ المُحدِّث فهو أي: إبداله على الخِلاف في الرِّواية بالمعنى فإن جوَّزناها, جَاز الإبدال إن كان قائله يرى التَّسوية بينهما, ويجوز إطْلاق كليهما بمعنى وإلاَّ فلا يجوز إبدال ما وقع منه.
ومنع ابن حنبل الإبدال جزمًا.
ـــــــــــــــ
(1) - الكفاية ص 428
(2) - علوم الحديث ص 169
(3) - علوم الحديث ص 170
(4) - انظر شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 130)
(5) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 130)
(6) - الإلماع ص 75 -76
(7) - معرفة علوم الحديث ص 259 ولكنه حكاه عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله ، ولم يذكر مالكا رحمه الله ، بل حكى عنه عكسه ، وذكر في ذلك أدلة عدة .
(8) - التبصرة 2/39 و شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 132) الشاملة 2
(9) - معرفة علوم الحديث ص 260 -261
(10) - علوم الحديث ص 172
(11) - التبصرة 2/40 و شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 133) الشاملة 2
(12) - التبصرة 2/41 وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 133) الشاملة 2