وقال أيضًا [1] :"قَالَ الْمُبْطِلُونَ لِلْحِيَلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَ الْفَرَائِضَ وَحَرَّمَ الْمَحَارِمَ وَأَوْجَبَ الْحُقُوقَ رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ الْكَامِلَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَغِذَاءً لِحِفْظِ حَيَاتِهِمْ ، وَدَوَاءً لِدَفْعِ أَدْوَائِهِمْ ، وَظِلَّهُ الظَّلِيلَ الَّذِي مَنْ اسْتَظَلَّ بِهِ أَمِنَ مِنْ الْحَرُورِ ، وَحِصْنَهُ الْحَصِينَ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ نَجَا مِنْ الشُّرُورِ ، فَتَعَالَى شَارِعُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْفَائِقَةِ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ أَنْ يَشْرَعَ فِيهَا الْحِيَلَ الَّتِي تُسْقِطُ فَرَائِضَهُ ، وَتُحِلُّ مَحَارِمَهُ ، وَتُبْطِلُ حُقُوقَ عِبَادِهِ ، وَيَفْتَحُ لِلنَّاسِ أَبْوَابَ الِاحْتِيَالِ ، وَأَنْوَاعَ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ ، وَأَنْ يُبِيحَ التَّوَصُّلَ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ ، إلَى الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا مُضْغَةً لِأَفْوَاهِ الْمُحْتَالِينَ ، عُرْضَةً لِأَغْرَاضِ الْمُخَادِعِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ، وَيُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ ، وَيَرْتَكِبُونَ الْعَبَثَ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ سِوَى ضِحْكَةِ الضَّاحِكِينَ وَسُخْرِيَةِ السَّاخِرِينَ ."
فَيُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ ، وَيَتَلَاعَبُونَ بِحُدُودِهِ كَتَلَاعُبِ الْمُجَّانِ ، فَيُحَرِّمُونَ الشَّيْءَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَهُ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ ، وَيَسْلُكُونَ إلَيْهِ نَفْسَهُ طَرِيقًا تُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُ ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ لَا غَيْرُهُ ، وَيُسْقِطُونَ الْحُقُوقَ الَّتِي وَصَّى اللَّهُ بِحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا بِأَدْنَى شَيْءٍ ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصُّورَةِ أَوْ الِاسْمِ أَوْ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِمَا ، وَيَسْتَحِلُّونَ بِالْحِيَلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِمَّا يُحَرِّمُونَهُ وَيُسْقِطُونَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ وُجُوبًا مِمَّا يُوجِبُونَهُ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّهَ شَرِيعَتَهُ عَنْ هَذَا التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ، وَجَعَلَهَا كَفِيلَةٍ وَافِيَةً بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ، وَجَعَلَهَا مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ ، وَنَصَبَهَا طَرِيقًا مُرْشِدًا لِمَنْ سَلَكَهُ إلَيْهِ ؛ فَهُوَ نُورُهُ الْمُبِينُ ، وَحِصْنُهُ الْحَصِينُ ، وَظِلُّهُ الظَّلِيلُ ، وَمِيزَانُهُ الَّذِي لَا يَعُولُ ، لَقَدْ تَعَرَّفَ بِهَا إلَى أَلِبَّاءِ عِبَادِهِ غَايَةَ التَّعَرُّفِ ، وَتَحَبَّبَ بِهَا إلَيْهِمْ غَايَةَ التَّحَبُّبِ ، فَأَنِسُوا بِهَا مِنْ حِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَتَمَّتْ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْهُ نِعَمُهُ السَّابِغَةُ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الَّذِي فِي شَرْعِهِ أَعْظَمُ آيَةٍ تَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَتَوَحُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، وَأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ، الْمُسْتَحِقُّ لِنُعُوتِ الْجَلَالِ ، الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ، فَلَا يَدْخُلُ السُّوءُ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا النَّقْصُ وَالْعَيْبُ فِي صِفَاتِهِ ، وَلَا الْعَبَثُ وَلَا الْجَوْرُ فِي أَفْعَالِهِ ، بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ عَمَّا يُضَادُّ كَمَالِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ .
تَبَارَكَ اسْمُهُ ، وَتَعَالَى جَدُّهُ ، وَبَهَرَتْ حِكْمَتُهُ ، وَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ ، وَقَامَتْ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّتُهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَنْ يَكُونَ فِي شَرْعِهِ تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَلْ هِيَ شَرِيعَةٌ مُؤْتَلِفَةُ النِّظَامِ ، مُتَعَادِلَةُ الْأَقْسَامِ ، مُبَرَّأَةٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ ، مُطَهَّرَةٌ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ، مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ ، وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ ، قَوَاعِدُهَا وَمَبَانِيهَا ، إذَا حَرَّمَتْ فَسَادًا حَرَّمَتْ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ أَوْ نَظِيرَهُ ، وَإِذَا رَعَتْ صَلَاحًا رَعَتْ مَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ شِبْهَهُ ؛ فَهِيَ صِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا أَمْتَ فِيهِ وَلَا عِوَجَ ، وَمِلَّتُهُ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ الَّتِي لَا ضِيقَ فِيهَا وَلَا حَرَجَ ، بَلْ هِيَ حَنِيفِيَّةُ التَّوْحِيدِ سَمْحَةُ الْعَمَلِ ، لَمْ تَأْمُرْ بِشَيْءٍ فَيَقُولُ الْعَقْلُ لَوْ نَهَتْ عَنْهُ لَكَانَ أَوْفَقَ ، وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ الْحِجَا لَوْ أَبَاحَتْهُ لَكَانَ أَرْفَقِ ، بَلْ أَمَرَتْ بِكُلِّ صَلَاحٍ ، وَنَهَتْ عَنْ كُلِّ فَسَادٍ ، وَأَبَاحَتْ كُلِّ طَيِّبٍ ، وَحَرَّمَتْ كُلِّ خَبِيثٍ ، فَأَوَامِرُهَا غِذَاءٌ وَدَوَاءٌ ، وَنَوَاهِيهَا حِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ ، وَظَاهِرُهَا زِينَةٌ لِبَاطِنِهَا ، وَبَاطِنُهَا أَجْمَلُ مِنْ ظَاهِرِهَا ، شِعَارُهَا الصِّدْقُ ، وَقَوَامُهَا الْحَقُّ ، وَمِيزَانُهَا الْعَدْلُ ، وَحُكْمُهَا الْفَصْلُ ، لَا حَاجَةَ بِهَا أَلْبَتَّةَ إلَى أَنْ تُكَمَّلَ بِسِيَاسَةِ مَلِكٍ أَوْ رَأْيِ ذِي رَأْيٍ أَوْ قِيَاسِ فَقِيهٍ أَوْ ذَوْقِ ذِي رِيَاضَةٍ أَوْ مَنَامِ ذِي دِينٍ وَصَلَاحٍ ، بَلْ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ أَعْظَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، وَمَنْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ فَلِاعْتِمَادِهِ وَتَعْوِيلِهِ عَلَيْهَا .
لَقَدْ أَكْمَلَهَا الَّذِي أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنَا بِشَرْعِهَا قَبْلَ سِيَاسَاتِ الْمُلُوكِ ، وَحِيلَ الْمُتَحَيِّلِينَ ، وَأَقْيِسَةِ الْقِيَاسِيِّينَ ، وَطَرَائِقِ الْخِلَافِيِّينَ ، وَأَيْنَ كَانَتْ هَذِهِ الْحِيَلُ وَالْأَقْيِسَةُ وَالْقَوَاعِدُ الْمُتَنَاقِضَةُ وَالطَّرَائِقُ الْقِدَدُ وَقْتَ نُزُولِ قَوْلِهِ { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } (3) سورة المائدة ؟ .
وَأَيْنَ كَانَتْ يَوْمَ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: « قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِى إِلاَّ هَالِكٌ .. » [2] . .
وَيَوْمَ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: { مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلَّا قَدْ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ } [3] ؟
وَأَيْنَ كَانَتْ عِنْدَ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ: تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ ، إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا ، قَالَ: فَقَالَ: - صلى الله عليه وسلم -:"مَا بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ ، إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ". [4]
وَعِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِسَلْمَانَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَأَنْ لاَ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ وَأَنْ لاَ يَسْتَنْجِىَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ يَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ. [5]
فَأَيْنَ عَلَّمَهُمْ الْحِيَلَ وَالْمُخَادَعَةَ وَالْمَكْرَ وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ ؟
كَلًّا وَاَللَّهِ ، بَلْ حَذَّرَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ ، وَأَوْعَدَهُمْ عَلَيْهِ أَشَدَّ الْوَعِيدِ ، وَجَعَلَهُ مُنَافِيًا لِلْإِيمَانِ ، وَأَخْبَرَ عَنْ لَعْنَةِ الْيَهُودِ لِمَا ارْتَكَبُوهُ ، وَقَالَ لِأُمَّتِهِ:"لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ , فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" [6] ، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ ، وَسَدَّ الذَّرَائِعَ ، وَفَصَّلَ الْحَلَالَ مِنْ الْحَرَامِ ، وَبَيَّنَ الْحُدُودَ ، وَقَسَّمَ شَرِيعَتَهُ إلَى حَلَالٍ بَيِّنٍ وَحَرَامٍ بَيِّنٍ ، وَبَرْزَخَ بَيْنَهُمَا ؛ فَأَبَاحَ الْأَوَّلَ ، وَحَرَّمَ الثَّانِي ، وَحَضَّ الْأُمَّةَ عَلَى اتِّقَاءِ الثَّالِثِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عُقُوبَةِ الْمُحْتَالِينَ عَلَى حِلِّ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ وَإِسْقَاطِ مَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ الْحِيَلِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسُ: لَقَدْ مُسِخَ الْيَهُودَ قِرَدَةً بِدُونِ هَذَا ، وَصَدَقَ وَاَللَّهِ لَآكِلُ حُوتٍ صِيدَ يَوْمَ السَّبْتِ أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقَلُّ جُرْمًا مِنْ آكِلِ الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ بِالْحِيَلِ وَالْمُخَادَعَةِ ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ: عُجِّلَ لِأُولَئِكَ عُقُوبَةُ تِلْكَ الْأَكْلَةِ الْوَخِيمَةِ وَأُرْجِئَتْ عُقُوبَةُ هَؤُلَاءِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ: وَهَلْ أَصَابَ الطَّائِفَةَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَسْخُ إلَّا بِاحْتِيَالِهِمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ بِأَنْ حَفَرُوا الْحَفَائِرَ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ فَمَنَعُوهَا الِانْتِشَارَ يَوْمَهَا إلَى الْأَحَدِ فَأَخَذُوهَا .
وَكَذَلِكَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي كَانَتْ تَأْخُذُ بِعُنُقِ الظَّالِمِ فَاحْتَالَ لَهَا صَاحِبُ الدُّرَّةِ إذْ صَيَّرَهَا فِي قَصَبَةٍ ثُمَّ دَفَعَ الْقَصَبَةَ إلَى خَصْمِهِ وَتَقَدَّمَ إلَى السِّلْسِلَةِ لِيَأْخُذَهَا فَرُفِعَتْ .
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَزْجَرَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُتَعَاطِينَ الْحِيَلَ عَلَى الْمَنَاهِي الشَّرْعِيَّةِ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِعِلْمِ الْفِقْهِ وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ ؛ إذْ الْفَقِيهُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الرِّبَوِيَّاتِ ، وَاسْتِعَارَةُ التَّيْسِ الْمَلْعُونِ لِتَحْلِيلِ الْمُطَلَّقَاتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَظَائِمِ وَالْمَصَائِبِ الْفَاضِحَاتِ ، الَّتِي لَوْ اعْتَمَدَهَا مَخْلُوقٌ مَعَ مَخْلُوقٍ لَكَانَ فِي نِهَايَةِ الْقُبْحِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ؟
وَقَالَ: وَإِذَا وَازَنَ اللَّبِيبُ بَيْنَ حِيلَةِ أَصْحَابِ السَّبْتِ ، وَالْحِيَلِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَرْبَابُ الْحِيَلِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَبْوَابِ ظَهَرَ لَهُ التَّفَاوُتُ وَمَرَاتِبُ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْحِيَلِ ، فَإِذَا عَرَفَ قَدْرَ الشَّرْعِ ، وَعَظَمَةَ الشَّارِعِ وَحِكْمَتَهُ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ شَرْعُهُ مِنْ رِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ تَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ الْحَالِ ، وَقَطَعَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَنَزَّهُ وَيَتَعَالَى أَنْ يُشَرِّعَ لِعِبَادِهِ نَقْضَ شَرْعِهِ وَحِكْمَتِهِ بِأَنْوَاعِ الْخِدَاعِ وَالِاحْتِيَالِ . اهـ
وقال في كتابه"إغائة اللهفان" [7] :
"ومن مكايده التى كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والمكر والخداع الذى يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه فإن الرأي رأيان: رأي يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذي اعتبره السلف، وعملوا به."
ورأي يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذي ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه.
ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالمًا، والظالم مظلومًا، والحق باطلًا والباطل حقًا، فهذا النوع الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض.
وقال الإمام أحمد رحمة الله: لا يجوز شئ من الحيل في إبطال حق مسلم.
وقال الميمونى: قلت لأبي عبد الله: من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فهل تجوز تلك الحيلة ؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. قلت: أليس حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولا في شئ اتبعناه ؟ قال: بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة ؟ قال: نعم.
فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة.. وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها.
وغرض الإمام أحمد بهذا: الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت لحصول مقصود الشارع، وبين الطريق التي تسلك لإبطال مقصوده.
فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن في النوع الثانى.
قال شيخنا: فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه:
الوجه الأول: قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8-9] ،وقال تعالى: {إِنَّ الُمْنَافِقِينَ يَخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهٌمْ} [النساء: 142] .
وقال في أهل العهد: { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ} [الأنفال: 62] .
فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء المخادعين مخدوعون، وهم لا يشعرون أن الله تعالى خادع من خدعه، وأنه يكفي المخدوع شر من خدعه.
والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود المخادع. وهذا موافق لاشتقاق اللفظ في اللغة. فإنهم يقولون: طريق خيدع، إذا كان مخالفًا للقصد لا يشعر به ولا يفطن له، ويقال للسراب الخيدع، لأنه يغر من يراه، وضب خدَعِ، أي مراوغ. كما قالوا: أخدع من ضب، ومنه:"الحرب خدعة"وسوق خادعة، أي متلونة، وأصله: الإخفاء والستر. ومنه سميت الخزانة مخدعًا.
فلما كان القائل"آمنت"مظهرًا لهذه الكلمة، غير مريد حقيقتها المرعية المطلوبة شرعًا، بل مريد لحكمها وثمرتها فقط مخادعًا، كان المتكلم بلفظ"بعت"و"اشتريت"و"طلقت"و"نكحت"و"خالعت"و"آجرت"، و"ساقيت"و"أوصيت"غير مريد لحقائقها الشرعية المطلوبة منها شرعًا، بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت له، أو ضد ما شرعت له مخادعًا. ذاك مخادع في أصل الإيمان، وهذا مخادع في أعماله وشرائعه.
قال شيخنا: وهذا ضرب من النفاق في آيات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين.
يؤيد ذلك: ما رواه سعيد بن منصور عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا , فَقَالَ:"إِنَّ عَمَّكَ عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ اللَّهُ وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا"قَالَ: أَفَلَا يُحْلِلْهَا لَهُ رَجُلٌ ؟ فَقَالَ:"مَنْ يُخَادِعِ اللَّهَ يَخْدَعْهُ". [8]
وعن أنس بن مالك: أنه سئل عن العينة، يعنى بيع الحريرة ؟ فقال: إن الله تعالى لا يخدع، هذا ما حرم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن سليمان الحافظ المعروف بمُطَين في كتاب البيوع له.
وعن ابن عباس: أنه سئل عن العِينة، يعنى بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله تعالى ورسوله، رواه الحافظ أبو محمد النخشى. [9]
فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصود به الربا خداعًا لله، وهم المرجوع إليهم في هذا الشأن والمعوّل عليهم في فهم القرآن. وقد تقدم عن عثمان، وعبد الله بن عمر، وغيرهما أنهما قالا في المطلقة ثلاثا: لا يحلها إلا نكاح رغبة، لا نكاح دِلسة.
قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة.
وقال أيوب السختيانى في المحتالين: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانًا كان أهون علىّ.
وقال شريك بن عبد الله القاضى في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة.
وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنهم يريدون سلمه، وهم يقصدون بذلك المكُر به من حيث لا يشعر. فيظهرون له أمانا ويبطنون له خلافه. كما أن المحلل والمرابي يظهران النكاح والبيع المقصودين، ومقصود هذا الطلاق بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد، من بيع الألف الحالة بالألف والمائتين إلى أجل، فمخالفة ما يدل عليه العقد شرعًا أو عرفًا خديعة. اهـ
ـــــــــــــــ
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 3 / ص 434)
(2) - مسند أحمد (17606) صحيح
(3) - أخرجه عبد الرزاق (707) حسن لغيره
(4) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 2 / ص 211) (1624) صحيح
(5) - سنن أبى داود (7 ) صحيح
(6) - إِبْطَالُ الْحِيَلِ لِابْنِ بَطَّةَ (56 ) وجود إسناده ابن كثير في تفسيره ( 2 / 257 ط الحلبي ) .
(7) - إغاثة اللهفان عن مصائد الشيطان ص -339- فما بعد وموسوعة كتب ابن القيم - (ج 66 / ص 346)
(8) - البيهقي في السنن ( 14020 ) صحيح
(9) - عون المعبود - (ج 7 / ص 453)