وَلَمْ تَكُنْ بَلَغَتْهُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بروع بِنْتِ وَاشِقٍ [1] .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَبْلُغُ الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَدَدًا كَثِيرًا جِدًّا .
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ ؛ فَإِنَّهُ أُلُوفٌ، فَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَعْلَمَ الْأُمَّةِ وَأَفْقَهَهَا وَأَتْقَاهَا وَأَفْضَلَهَا فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْقَصُ ؛ فَخَفَاءُ بَعْضِ السُّنَّةِ عَلَيْهِ أَوْلَى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ . فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ قَدْ بَلَغَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْ إمَامًا مُعَيَّنًا فَهُوَ مُخْطِئٌ خَطَأً فَاحِشًا قَبِيحًا .
وَلَا يَقُولَن قَائِلٌ: الْأَحَادِيثُ قَدْ دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ ؛ فَخَفَاؤُهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بَعِيدٌ . لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ الْمَشْهُورَةَ فِي السُّنَنِ إنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ ،وَمَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي دَوَاوِينَ مُعَيَّنَةٍ ،ثُمَّ لَوْ فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأَحَدِ . بَلْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الْكَثِيرَةُ وَهُوَ لَا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا ،بَلْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَثِيرِ [2] ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُمْ وَصَحَّ عِنْدَهُمْ قَدْ لَا يَبْلُغُنَا إلَّا عَنْ مَجْهُولٍ ؛ أَوْ بِإِسْنَادِ مُنْقَطِعٍ ؛ أَوْ لَا يَبْلُغُنَا بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَتْ دَوَاوِينُهُمْ صُدُورَهُمْ الَّتِي تَحْوِي أَضْعَافَ مَا فِي الدَّوَاوِينِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ عَلِمَ الْقَضِيَّةَ [3] .
وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا . لِأَنَّهُ إنْ اُشْتُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِعْلُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ: فَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مُجْتَهِدٌ [4] ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَالِمِ أَنْ يَعْلَمَ جُمْهُورَ ذَلِكَ وَمُعْظَمَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ التَّفْصِيلِ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنْ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ [5] .
إمَّا لِأَنَّ مُحَدِّثَهُ أَوْ مُحَدِّثَ مُحَدِّثِهِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ أَوْ مُتَّهَمٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ . وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مُسْنَدًا بَلْ مُنْقَطِعًا ؛ أَوْ لَمْ يَضْبُطْ لَفْظَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ لِغَيْرِهِ بِإِسْنَادِ مُتَّصِلٍ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ مِنْ الْمَجْهُولِ عِنْدَهُ الثِّقَةَ أَوْ يَكُونُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أُولَئِكَ الْمَجْرُوحِينَ عِنْدَهُ ؛ أَوْ قَدْ اتَّصَلَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الْمُنْقَطِعَةِ وَقَدْ ضَبَطَ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ الْحُفَّاظِ ؛ أَوْ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ مِنْ الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ مَا يُبَيِّنُ صِحَّتَهَا .
وَهَذَا أَيْضًا كَثِيرٌ جِدًّا . وَهُوَ فِي التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَى الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَوْ كَثِيرٌ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ،فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ قَدْ انْتَشَرَتْ وَاشْتَهَرَتْ لَكِنْ كَانَتْ تَبْلُغُ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، وَقَدْ بَلَغَتْ غَيْرَهُمْ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الطُّرُقِ فَتَكُونُ حُجَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلِهَذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَعْلِيقُ الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ فَيَقُولُ: قَوْلِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ بِكَذَا ؛ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ قَوْلِي [6] .
السَّبَبُ الثَّالِثُ: اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ .
بِاجْتِهَادِ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ مَعَهُمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ .
وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ:
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا ؛ وَيَعْتَقِدُهُ الْآخَرُ ثِقَةً .
وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ عِلْمٌ وَاسِعٌ [7] ؛ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْمُصِيبُ مَنْ يَعْتَقِدُ ضَعْفَهُ ؛ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبٍ جَارِحٍ وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ الْآخَرِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ غَيْرُ جَارِحٍ ؛ إمَّا لِأَنَّ جِنْسَهُ غَيْرُ جَارِحٍ ؛ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْجَرْحَ .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَلِلْعُلَمَاءِ بِالرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِر أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عُلُومِهِمْ [8] .
وَمِنْهَا: أَلَّا يَعْتَقِدَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ [9] وَغَيْرُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ لِأَسْبَابِ تُوجِبُ ذَلِكَ مَعْرُوفَةٍ [10] .
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لِلْمُحَدِّثِ حَالَانِ:
حَالُ اسْتِقَامَةٍ وَحَالُ اضْطِرَابٍ مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ [11] أَوْ تَحْتَرِقَ كُتُبُهُ [12] ،فَمَا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاسْتِقَامَةِ صَحِيحٌ وَمَا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاضْطِرَابِ ضَعِيفٌ فَلَا يَدْرِي ذَلِكَ الْحَدِيثَ مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ ؟ وَقَدْ عَلِمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مِمَّا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاسْتِقَامَةِ [13] .
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ قَدْ نَسِيَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ .
فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَا بَعْدُ أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ تُوجِبُ تَرْكَ الْحَدِيثِ . وَيَرَى غَيْرُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ [14] . وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ [15] .
وَمِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحِجَازِيِّينَ يَرَوْنَ أَلَّا يُحْتَجَّ بِحَدِيثِ عِرَاقِيٍّ أَوْ شَامِيٍّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ .
حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: نَزِّلُوا أَحَادِيثَ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِمَنْزِلَةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ [16] ، وَقِيلَ لِآخَرَ: سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حُجَّةٌ ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ فَلَا [17] ،
(1) - ففي سنن أبى داود برقم (2116 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا الصَّدَاقَ فَقَالَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ. فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِهِ فِى بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ. وهو صحيح
وفي رواية عنده برقم ( 2118 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُتِىَ فِى رَجُلٍ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ شَهْرًا أَوْ قَالَ مَرَّاتٍ قَالَ فَإِنِّى أَقُولُ فِيهَا إِنَّ لَهَا صَدَاقًا كَصَدَاقِ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ وَإِنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّى وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ.
فَقَامَ نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ فِيهِمُ الْجَرَّاحُ وَأَبُو سِنَانٍ فَقَالُوا يَا ابْنَ مَسْعُودٍ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَاهَا فِينَا فِى بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَإِنَّ زَوْجَهَا هِلاَلُ بْنُ مُرَّةَ الأَشْجَعِىُّ كَمَا قَضَيْتَ.
قَالَ فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَرَحًا شَدِيدًا حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . وهو صحيح
(2) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 6508) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 832)
(3) - قلت: وفي هذا ردٌّ على من يتسرع فينكر على الفقهاء حكما معينا لم يطلع على دليله أو أن دليله على حدِّ زعمه ضعيفٌ، دون أن يحيط علما بأدلتهم ، ككثير من فقهاء ومحدثي العصر مع الأسف !!!
(4) -يعني قد أحاط بالسنة النبوية كلها ، وهذا لم ولن يوجد حتى قيام الساعة
(5) - مجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 239) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 286) ومجموع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - (ج 31 / ص 5)
(6) - مثاله حديث في السنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 111) برقم (16837) عَنْ حَنَشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْكِنَانِىِّ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْيَمَنِ فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: اجْمَعُوا فِى الْقَبَائِلِ الَّذِينَ حَضَرُوا رُبُعَ الدِّيَةِ وَثُلُثَ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الدِّيَةِ وَالدِّيَةَ كَامِلَةً فَلِلأَوَّلِ الرُّبُعُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ يَلِيهِ وَالثَّانِى ثُلُثُ الدِّيَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ فَوْقَهُ وَالثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ فَوْقَهُ وَالرَّابِعِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَزَعَمَ حَنَشٌ أَنَّ بَعْضَ الْقَوْمِ كَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى أَتَوُا النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَقُوهُ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَاحْتَبَى بُرْدَهُ ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقْضِى بَيْنَكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ عَلِيًّا قَضَى بَيْنَنَا فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَجَازَهُ. فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أُرْسِلَ آخِرُهُ. {ج} وَحَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ قَالَ الْبُخَارِىُّ: حَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمُ ابْنُ رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُونَ فِى حَدِيثِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِىٍّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ حَمَّادٍ يَذْكُرُهُ عَنِ الْبُخَارِىِّ. {ق} وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ فِى الأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى وَثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ لأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ اثْنَيْنِ فَسَقَطَ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِفِعْلِ نَفْسِهِ وَوَجَبَ الثُّلُثَانِ وَفِى الثَّانِى ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَفِى الثَّالِثِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى وَالآخَرُ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَفِى الرَّابِعِ جَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَالثَّالِثِ فَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ تُرِكَ لَهُ الْقِيَاسُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(7) - قلت: نصف السنة النبوية قائم على رجال مختلف فيهم ، فمنه من وثقه قوم ، ومنهم من ضعفه قوم ، والعلماء في الجرح والتعديل ثلاثة أصنافٍ:
متشددون في الجرح ، يجرحون الراوي لأدنى شبهة ويردون حديثه.
والنوع الثاني متساهلون في الجرح والتعديل .
والنوع الثالث معتدلون في الجرح والتعديل .
وعلى ضوء ذلك يختلف الحكم على الحديث ، فمن أخذ بقول المتشددين في الحديث ترك كثيرا من الأحاديث لعدم صحتها عنده ,
ومن أخذ بقول المتساهلين يكون قد صحح أو حسن أحاديث واحتج بها وهي لا تستحق ذلك على الصحيح
ومن أخذ بقول المعتدلين كان وسطا بين الطرفين ، وهم الغالبية العظمى من علماء الجرح والتعديل أمثال البخاري وأحمد وابن سعد والترمذي وأبو داود والنسائ وابن خزيمة وابن حبان و الدارقطني وابن عدي والمنذري والبيهقي والحافظ العراقي والحافظ ابن حجر العسقلا ني والسخاوي والشوكاني
(8) - انظر مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
(9) - يعني فيكون الحديث منقطعا، لأنه روى عمن لم يره أولم يلقه
(10) - وذلك للاختلاف في سنه مثلا كالاختلاف في سنة ولادته ، أو سنة موته ، وكذلك كون الراوي عنه مدلسا أم غير غير مدلس ، فإن كان الأول فلا يقبل حديثه إلا إذا صرح فيه بالتحديث إذا كان يروي عن ثقات وغير ثقات ، وأما إذا كان لا يروي إلا عن ثقات فيقبل حديثه ، أو كان الذي يروي عنه من أهل بلده الذين لازمهم كثيرا أو عن شيوخه الكبار ، فروايته عن هؤلاء بالعنعنة لا تضر ، وتحمل روايته على السماع ..
وإذا لم يكن مدلسا فتقبل عنعنته مطلقا إذ أمكن اللقاء بينه وبين شيخه ، ومثل هذا كثير في الرواة
(11) - مثال على ذلك عطاء بن السائب ، وقد وثقه أكثر المحدثين ، ولكن قد اختلط قبل موته ، ومن ثم فقد اختلفوا في حديثه ،فمن روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حديث الثقات يحتج به ، ومن روى بعد الاختلاط يتوقف فيه ، فإن كان له شاهد أو متابع قبلناه وإلا فلا .
وقد اختلفوا في رواية حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب: قَالَ العقيلى: سمع حماد من عطاء بعد اختلاطه --
والصحيح أَنه سمع منه قبل الاختلاط وهومَا ذكره ابن الجارود فِى الضعفاء فقَالَ: حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عنه جيد --وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة وما روى عنه سفيان وشعبة وحماد بن سلمة سماع هؤلاء قديم ---التهذيب للحافظ ابن حجر 7/206-207 وهومَا رجحه ابن حجر فِى الفتح وغيره والهيثمى وأحمد شاكر وهو الحق .
ملاحظة الذين رووا عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط هم: سفيان الثورى وشعبة وزهير وزائدة وحماد بن سلمة ، حمادبن زيد ، أيوب وسفيان ابن عينيه --وحديثهم صحيح فهو ثقة اختلط بآخره ، وما رواه بعد الاختلاط يتوقف فيه
(12) - ومثاله عبد الله بن لهيعة المصري ، فقد احترقت كتبه بآخر عمره سنة 169 أو170 هـ ومات سنة 174 هـ فخلط بعدها
وقد اختلفوا فيه وخلاصة الأمر فيه ما قاله ابن عدي: وحديثه أحاديث حسان ، وما قد ضعفه السلف هو حسن الحديث يكتب حديثه ، وقد حدث عنه الثقات: الثوري وشعبة ومالك وعمرو ابن الحارث والليث ابن سعد
قلت: وقالوا رواية عبد الله بن وهب عنه وابن المبارك وعبد الله بن يزيد المقري وقتيبة بن سعيد أعدل من غيرها عنه ، وينبغي أن يضاف لهؤلاء مارواه عنه أبو الأسود والحسن بن موسى وقد روى الإمام أحمد في مسنده أحاديث ابن لهيعة من طريق الحسن بن موسى وأبي الأسود غالبًا .
راجع تهذيب الكمال [ ج 15 - ص 487 ] برقم (3513 ) م د ت ق
وتهذيب التهذيب [ ج 5 - ص 327 ] برقم (648 )
والجرح والتعديل [ ج 5 - ص 145 ] برقم (682 )
والكامل في الضعفاء [ ج 4 - ص 144 ] برقم (977 )
وتذكرة الحفاظ [ ج 1 - ص 237 ] برقم (224)
وتاريخ دمشق [ ج 32 - ص 136 ] برقم (3474)
(13) - ومثل سعيد بن أبى عروبة: مهران العدوى ، أبو النضر ، اليشكرى مولاهم ، البصرى -رواة التهذيبين - راو رقم 2365
الطبقة: 6: من الذين عاصروا صغارالتابعين
الوفاة: 156 هـ و قيل 157 هـ
روى له: خ م د ت س ق ( البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه )
رتبته عند ابن حجر: ثقة حافظ ، له تصانيف ، كثير التدليس ، و اختلط ، و كان من أثبت الناس في قتادة
رتبته عند الذهبي: أحد الأعلام ، قال أحمد كان يحفظ لم يكن له كتاب ، و قال ابن معين هو من أثبتهم في قتادة ، و قال أبو حاتم هو قبل أن يختلط ثقة
وقال ابن عدي في آخر ترجمته:
قال الشيخ وسعيد بن أبي عروبة من ثقات الناس وله أصناف كثيرة وقد حدث عنه الأئمة ومن سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة ومن سمع بعد الاختلاط فذلك ما لا يعتمد عليه وحدث بأصنافه عنه أرواهم عنه عبد الأعلى السامي والبعض منها شعيب بن إسحاق وعبدة بن سليمان وعبد الوهاب الخفاف وهو مقدم في أصحاب قتادة ومن أثبت الناس رواية عنه وثبتا عن كل من روى عنه إلا من جلس عنهم وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم وأثبت الناس عنه يزيد بن زريع وخالد بن الحارث ويحيى بن سعيد ونظراؤهم قبل اختلاطه وروى الأصناف كلها سعيد بن أبي عروبة عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف .الكامل في الضعفاء [ ج 3 - ص 396 ]
(14) - وفي سير أعلام النبلاء - (ج 5 / ص 422) برقم (186 ) وسير أعلام النبلاء - (ج 2 / ص 444)
حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ع) الْحَافِظُ الْحُجَّةُ الْمُعَمَّرُ أَبُو الْهُذَيْلِ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ ابْنُ عَمِّ مَنْصُورٍ. وُلِدَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ.
رَوَى أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ الْعِجْلِيُّ: كَوَفِيٌّ ثِقَةٌ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ، سَكَنَ بَلَدَ الْمُبَارَكِ بِأَخْرَةَ، وَالْوَاسِطِيُّونَ أَرَوَى النَّاسِ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قُلْتُ: لِأَبِي زُرْعَةَ، حُصَيْنٌ حُجَّةٌ ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَفِي آخِرِ عُمْرِهِ سَاءَ حِفْظُهُ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: تَغَيَّرَ.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: طَلَبْتُ الْحَدِيثَ وَحُصَيْنٌ حَيٌّ، كَانَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ نَسِيَ. وَعَنْ يَزِيدَ قَالَ: اخْتَلَطَ حُصَيْنٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَخْتَلِطْ.
قُلْتُ: احْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَمِنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَمَا هُوَ بِدُونِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ، وَمِنَ الْعُقَيْلِيِّ، وَابْنِ عَدِيٍّ، كَيْفَ تَسَرَّعُوا إِلَى ذِكْرِ حُصَيْنٍ فِي كُتُبِ الْجَرْحِ.
(15) - انظر المسألة في البحر المحيط - (ج 5 / ص 379) مَسْأَلَةٌ [ إنْكَارُ الشَّيْخِ مَا حَدَّثَ بِهِ ] إذَا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيثًا ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّيْخُ فَأَنْكَرَهُ ، ُ .
(16) - قلت: هذه المقولة باطلة ، ولا أساس لها من الصحة ، بل وجد في الكوفة والبصرة وبغداد فيما بعد آلاف المحدثين الثقات الأثبات ،فكيف يقال هذا الكلام الباطل بحقهم ؟؟!!!
(17) - قلت: هذا من أصح الأسانيد ، فكيف يقال هذا بحقه ، فقد أخرج البخاري حديثا بهذا السند في صحيح البخارى برقم (4886 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ..
بل هذا أصح أسانيد الكوفيين، وقد روى سائر أئمة الحديث بهذا السند أحاديث كثيرة ، وفي الكفاية: 1235 أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ هَارُونَ الْقَاضِي , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نُوحٍ الْبَلْخِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي , يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ , يَقُولُ:"مَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى شَيْءٍ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ"
انظر قواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 1 / ص 404) و الحد الفاصل - (ج 1 / ص 238) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 386) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 71)