فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 522

والدليل الثالث: التطبيق العملي لهذه القاعدة من قبل الحافظ ابن حجر نفسه، فهناك أحاديث كثيرة حسنها الحافظ ابن حجر- رحمه الله-، فإذا فحصت رجالها وجدت أن فيهم من وصفه الحافظ بأحد هذه الأوصاف الثلاثة، فمثلا حديث بُرَيْدَةَ ، قَالَ: خَرَجْتُ يَوْمًا أَمْشِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَظَنَنْتُهُ يُرِيدُ حَاجَةً فَعَارَضْتُهُ حَتَّى رَآنِي فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي جَمِيعًا فَإِذَا رَجُلٌ بَيْنَ أَيْدِينَا يُصَلِّي يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: تُرَاهُ مُرَائِيًا ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَأَرْسَلَ يَدِي فَقَالَ: عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا فَإِنَّهُ مِنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ. [1] .

هذا الحديث حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه حديث حسن، وإذا فتشت عن رجال إسناده وجدت أنهم ثقات، إلا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، فإن هذا إذا راجعت ترجمته عند الحافظ وجدته يصفه بصدوق، فإذا ربطته بين هذه الكلمة أو بين هذا الرجل ووصف حاله بأنه صدوق، مع تحسين الحافظ ابن حجر للحديث وليس فيه راو غير ثقة إلا هذا الراوي،تبين لك أن كلمة صدوق عند الحافظ تدلُّ على أن هذا الرجل حديثه حسن، وقد صححه غيره .

وكذلك أيضا حديث معاوية -رضي الله عنه- في تفرق هذه الأمة، فعَنْ أَبِي عَامِرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ ، أُخْبِرَ بِقَاصٍّ يَقُصُّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَوْلًى لِبَنِي فَرُّوخٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: أُمِرْتَ بِهَذِهِ الْقِصَصِ ؟ قَالَ: لاَ ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَقُصَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، قَالَ: نُنْشِئُ عِلْمًا عَلَمَنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ لَقَطَعْتُ مِنْكَ طَائِفَةً ، ثُمَّ قَامَ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ تَفَرَّقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ، وَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ ، فَلا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلا مَفْصِلٌ إِلاَّ دَخَلَهُ ، وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لَغَيْرُ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لاَ تَقُومُوا بِهِ" [2] "

هذا الحديث رجاله ثقات إلا الأزهر بن عبد الله الهوزني، ومع ذلك حكم الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بأنه حسن، والتحسين جاء؛ لأن هذا الراوي عبد الله بن أزهر؛ وصفه الحافظ ابن حجر بأنه صدوق، فإذا ربطت صدوق مع تحسين الحديث، ظهر لك أن كلمة صدوق عند الحافظ ابن حجر -رحمه الله- تدلُّ على تحسين حديث هذا الراوي.

وكلمة لا بأس به، أو ليس به بأس، الحافظ ابن حجر جمعها مع كلمة صدوق في هذه المرتبة، فهي والصدوق سواء ، فكلمة صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، هذه درجة واحدة، فإذا كان يحسِّن للصدوق فهو أيضا يحسِّن لمن قيل فيه لا بأس به، أو ليس به بأس، وقد وقع التطبيق العملي لهذا من الحافظ ابن حجر- رحمه الله- في حديث مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَائِشَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ؟ » . قَالُوا: إِنَّا لَنَفْعَلُ. قَالَ: « فَلاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ » [3] .

هذا الحديث رجال إسناده ثقات إلا محمد بن أبي عاشة، فإن الحافظ ابن حجر قال فيه: ليس به بأس، فهذا تطبيقٌ عملي من الحافظ ابن حجر أيضا لهذه المرتبة، أو لهذه اللفظة ، فإن لفظة ليس به بأس تعطي تحسين حديث الراوي، وهذه النتيجة أشار إليها باقتضاب ولم يذكر أمثلة عليها الشيخ أحمد شاكر في الباعث الحديث،وإن كان أهل هذه المرتبة وهي الصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس أصحابها ممن يعني: يحسن حديثهم.

والأمر الثالث: مما يستعان به على معرفة من يحسن حديثه الراوي الذي يصفه الحافظ الذهبي بأنه صدوق أو صالح الحديث، فهاتان المرتبتان عند الحافظ الذهبي يحسن حديثهما، لكن ينبغي أن ينتبه في الحافظ ابن حجر والحافظ الذهبي -رحمهما الله- أنا نشترط أن تكون هذه العبارات عبارة الحافظ نفسه، لا منقولة عن غيره، فلو نقل لنا الذهبي عن ابن معين أنه قال: ليس به بأس، أو نقل لنا عن ابن أبي حاتم أنه قال: صدوق أو غيرهما من الأئمة.

فهذه الأحكام المذكورة لا تأتي هنا، وكذلك الحافظ ابن حجر، وإنما يعني: به من تلخص من حاله للحافظ ابن حجر بأنه صدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس، أو تلخص من حال الرجل للحافظ الذهبي بأنه صدوق، أو صالح الحديث، وليس منقولا عن غيرهما من الأئمة الحفاظ ،فمن وصفه الحافظ الذهبي بأنه صدوق أو صالح الحديث فالتطبيق العملي في كتب الذهبي ظاهر جدا.

فمثلا: يونس بن بكير حكم عليه في موضع أنه صدوق، ثم جاء في الكتاب الآخر وقال: حسن الحديث، فإذا ربطت بين هذه وهذه، تبين لك صدوق أنها بمعنى حسن الحديث، وإذا قال الذهبي حسن الحديث، فإننا نصرفه على ما قرره من خفة ضبط راوي الحسن وتقاعده عن رتبة راوي الصحيح، مع ارتفاعه عن رتبه راوي الحديث الضعيف.

وكذلك في ترجمة الهوزني المتقدمة، ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله- أنه صدوق، ثم جاء في كتاب آخر وقال: إنه حسن الحديث، وفي ترجمة يحيى بن يمان العجلي ذكر في موضع: إنه صالح الحديث، ثم قال في موضع آخر: وحديثه من قبيل الحسن، فهذه التطبيقات العملية وهي كثيرة جدا من الحافظ الذهبي- رحمه الله-، تعطي أن هاتين اللفظين أي رجل يصفه الحافظ الذهبي بأحدهم، أو بهما فإن حديثه يكون حسنا، وهذه كما تقدم يستعان بها عند عدم القدرة على الترجيح بين كلام الأئمة.

والأمر الرابع: وهو قاعدة ذكرها التهانوي في"علوم الحديث"وعليها تطبيقات لأهل العلم، وهي أن الرجل المختلف فيه، أو الراوي المختلف فيه بين التوثق والتضعيف يحسَّن حديثه، إذا اختلف في الراوي بين التضعيف والتوثيق، فإنه يحسن حديثه، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، لكن ينبغي تقييده بشرطين.

الشرط الأول: أن يكون كل من الجارح والمعدل ممن له اعتبار في هذا الشأن، فإذا قابل قول أبي زرعة يضعف رجلا، وأحمد يوثق رجلا، مثل هذا يحسن حديثه، لكن إذا كان المجرِّح أو الموثق ليس له اعتبار عند الشأن وخالف الأئمة، فإن قوله يعتبر شاذا، ولا التفات إليه، كما لو وثق الأزدي رجلا قد ضعفه الأئمة، فلا التفات إلى توثيقه، أو ضعَّف رجلا وثقه الأئمة، كذلك فلا التفات إلى تضعيفه.

لو ضعفه يوسف بن عبد الرحمن بن خراش، فإنه لا يلتفت إليه، وكذلك ما يصنعه ابن حزم أحيانا، من أنه يخالف الأئمة فيضعف رجلا اتفقوا على توثيقه، أو العكس فهاهنا لا التفات؛ لأنه لا اعتبار لهذه الأقوال أو لأقوال هؤلاء، أو من كان مثلهم مع كلام الأئمة، وإنما المعتبر في هذا الباب كلام الأئمة، فهذا الشرط الأول: أن يكون الجارح والمعدل ممن لهم اعتبار في هذا الباب، ومن أئمة الشأن.

والأمر الثاني: ألا يكون هناك مرجحٌّ ظاهر قويٌّ لأحد الجانبين، إما جانب التضعيف أو جانب التوثيق، بل يكون الأمر مترددا ولا مرجح.

أما إذا وجد مرجح لأحد الجانبين، فإنه يحكم للجانب المرجح، أو الجانب الذي جاء له ما يرجحه مجيئا ظاهرا، فمثلا أحمد بن صالح هذا وثقه جمهور العلماء وضعفه النسائي- رحمه الله-، وإذا اطلعت على كلام أهل العلم، وجدت أن كلام الحافظ النسائي فيه تحامل وتعنت على أحمد بن صالح؛ لكونه أبعده من مجلسه، فهنا المرجح الظاهر لكلام الجمهور.

أولًًا: لأن هذا الرجل واسع الرواية جدا، وبعد سبر مروياته من قبل الأئمة، تبين أنه ليس له مناكير تذكر، مع سعة روايته.

والثانية: أن الإمام البخاري اعتمده في الصحيح وخرَّج عنه كثيرا في الاحتجاج.

والثالث: أن كلام النسائي في هذا الرجل من باب التعنت والتحامل، ولا وجه له، وحينئذ في مثل هذه الحالة ها هنا يردُّه كلام أهل العلم بمطالبتهم بتفسير الجرح، والحافظ النسائي ليس عنده جرح مفسر ظاهر، ينزل به هذه الرجل عن هذه المرتبة، بل إن العلماء وصفوا هذا الرجل بأنه ثقة حافظ، وهذه من أعلى مراتب التوثيق.

وكذلك مثلا الوليد بن شجاع اختلف الأئمة فيه، ولكن هناك مرجح ظاهر لتوثيقه، وهو أن الحافظ أو الإمام ابن معين- رحمه الله- ذكر: أنه يروي عن شيوخ ثقات مائة ألف حديث، فإذا قرنت هذا، مع قول الذهبي، وقلَّ أن يوجد له حديث منكر مع سعة روايته، دلَّ كذلك على أن كلام من تكلم فيه، فيه تشدد وغلظة، لا يصلح مع هذا الكلام، وهو كلام الحافظ الذهبي، وتقريره بأنه قلَّ أن يوجد له حديث منكر.

وليس من شرط الثقة ألا يخطئ، بل الثقة يقع منه الخطأ، لكن يكون هذا الخطأ على وجه القلة والندرة، في المقابل إذا وجدنا في الرجل ما يرجح أنه ضعيف، وكان هذا الترجيح ظاهرا، حكمنا عليه بأنه ضعيف، مثل المؤمل بن إسماعيل هذا اختلف فيه أهل العلم منهم من يوثقه، ومنهم من يضعفه.

لكن إذا نظرنا إلى المرجح الظاهر في تضعيفه لوجدنا أنه مرجحٌ قويٌّ، هذا المرجح ما هو؟ المرجح هو: أن سليمان بن حرب، وهو مشارك له في الطبقة وفي الأخذ عن الشيوخ، ذكر: إن مؤمل بن إسماعيل يروي عن شيوخهم الثقات المناكير، وهذا يدلُّ على أن ضبط المؤمل بن إسماعيل هو الذي حصل فيه أن هذا الخطأ.

وهذه المناكير إنما هي من قبل ضبط المؤمل بن إسماعيل، فكان هذا قولًا فصلا في حال المؤمل بن إسماعيل ممن عرفه وعرف شيوخه؛ لأن سليمان بن حرب وهو ثقة حافظ يعرف ما يرويه شيوخه، وهؤلاء الشيوخ شيوخ المؤمل بن إسماعيل، فكون المؤمل بن إسماعيل يروي أحاديث مناكير عن هؤلاء الشيوخ لا يرويها إلا هو، يدلُّ على أن ضبطه فيه أو حفظه فيه شيء، وأن رواية هذه المناكير جاءت من قبل سوء حفظه، فترجَّح فيه جانب الضعف، فهذا لا يحكم لحديثه بأنه حسنإذا خالف الثقات،وإنما يحكم له بأنه ضعيف، كما في حديث وضع اليدين في الصلاة على صدره ، فهي ضعيفة من أوهامه ، بخلاف المثالين السابقين، يحكم لحديثهما بأنه صحيح، ولا يقال بأنه حديث حسن، وهذا طبعا الكلام كله باعتبار الناظر في أحوال الرجلين، وليس على سبيل العموم؛ لأنه قد يظهر لأحد الأشخاص أن- مثلا- حديث المؤمل حسن، أو أن حديث الوليد بن شجاع حسن أو غير ذلك، فالشاهد أن هذا الكلام إنما هو باعتبار الناظر في أقوال المجرحين والمعدلين.

فهذه بعض الضوابط التي قد يستعان بها على فهم أو معرفة من خفَّ ضبطه، وهذه القاعدة الرابعة بالذات لها تطبيق عملي كثير عند الذهبي وعند الحافظ ابن حجر، وعند ابن القطان الفاسي وعند الحافظ المنذري وعند البوصيري في"مصباح الزجاجة"وقد أكثر من ذلك وعلل كثيرا بالاختلاف، علل تحسين الراوي بكونه مختلفا فيه، ومن أراد أن يطالع"مصباح الزجاجة"يجد ذلك ظاهرا جليا، والله تعالى أعلم. [4]

قلت: الصواب من القول أن حديث المختلف فيه حسن إذا لم يكن أنكر عليه هذا الحديث بعينه ، وسيمر زيادة تفصيل لهذا [5]

ـــــــــــــــ

(1) - مسند أحمد (23665) ومسند الطيالسي (847) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 18) (4930) وفتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 94) وهو حديث صحيح لغيره

(2) - المستدرك للحاكم (443) وهو صحيح لغيره

(3) - مسند أحمد (18557) وصححه الشيخ شعيب والسنن الكبرى للبيهقي (ج 2 / ص 166) (3039) وقال: هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. و التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير - (ج 1 / ص 566) وقال: إسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وهو صحيح لغيره

(4) - انظر مذكرة الجرح والتعديل أستاذ المقرر:د. عبد المحسن بن عبد الله التخيفي

(5) - هذا وقد فصلت القول في الرواة المختلف فيهم ، في مبحث الجرح والتعديل ، وفي كتابي (( الخلاصة في علم الجرح والتعديل ) )، وفي كتابي (( الحافظ ابن حجر ومنهجه في تقريب التهذيب ) )أثناء الكلام على أصحاب المرتبة الخامسة ، وكلاهما في مكتبة صيد الفوائد ، ومشكاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت