فَائِدَة: هَجَر: بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم ، قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة ، لَيست هجر الْبَحْرين . كَذَا قَالَه ابْن الصّلاح وَتَبعهُ النَّوَوِيّ .
وَحَكَى الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِي السّنَن» قولا آخر: أَنَّهَا تُنسب إِلَى هجر الَّتِي بِالْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْبَحْرين .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي كتاب «الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن» : هجَر - بِفَتْح الْجِيم - الْبَلَد ، قَصَبَة بِبِلَاد الْبَحْرين ، بَينه إِلَى (سِرَّين) سَبْعَة أَيَّام ، والهجر: بلد بِالْيمن ، بَينه وَبَين (عثر) يَوْم وَلَيْلَة .
وَقَالَ أَبُو عبيد فِي «مُعْجَمه» : هَجَر - بِفَتْح أَوله وثانيه - مَدِينَة الْبَحْرين ، مَعْرُوفَة ، وَهِي مُعَرَّفة لَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام ، وَهُوَ اسْم فَارسي ، مُعرب (أَصله) «هكر» ، وَقيل: إنَّما سمي (بهجر) بنت مِكْنَف من العماليق .
وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير» : هجر - وَيُقَال: الهجر بِالْألف وَاللَّام -: مَدِينَة جليلة ، قَاعِدَة الْبَحْرين ، بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل .
وَقَالَ مُحَمَّد بن عمر بن وَاقد: هِيَ عَلَى ثَمَان لَيَال من مَكَّة إِلَى الْيمن ، مِمَّا يَلِي الْبَحْر . قَالَه فِي «مغازيه» .
وَمَا ذكره ابْن دحْيَة - أَولا - تبع فِيهِ صَاحب «الْمطَالع» ، (فَإِنَّهُ قَالَ) : وهجر مَدِينَة بِالْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْبَحْرين ، بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم ، وَيُقَال فِيهِ: الهجر بِالْألف وَاللَّام بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل .
فَائِدَة أُخرى:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «لم يحمل الْخبث» ، مَعْنَاهُ: لَمْ ينجس بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ . كَمَا فَسَّره فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، الَّتِي (رَوَاهَا) أَبُو دَاوُد ، وَابْن حبَان ، وَغَيرهمَا: «إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ ، لم ينجس» .
وَهَذِه الرِّوَايَة: ذكرهَا الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْآتِي ، وَهِي صَحِيحَة من غير شكّ وَلَا مرية ، لَا مطْعن لأحد فِي اتصالها ، وثقة رجالها . قَالَ يَحْيَى بن معِين: إسنادها جيد ، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: مَوْصُول . وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين: لَا غُبَار عَلَيْهِ .
وتقديرها: لَا يقبل النَّجَاسَة ، بل يَدْفَعهَا عَن نَفسه ، كَمَا يُقال: فلَان لايحمل الضَّيْم ، أَي: لَا يقبله ، وَلَا يصبر عَلَيْهِ ، (بل) يأباه .
وقَالَ النَّوَوِيّ: وَأما قَول بعض المانعين للْعَمَل بالقلتين: إِن مَعْنَاهُ أَنه يَضْعُف عَن حمله . (فخطأ) فَاحش من أوجه:
أَحدهَا: أَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى مصرحة بغلطه ، وَهِي قَوْله: «لم ينجس» .
الثَّانِي: أَن الضعْف عَن الْحمل إِنَّمَا يكون فِي الْأَجْسَام ، كَقَوْلِك: فلانٌ لايحمل الْخَشَبَة ، أَي: يعجز عَنْهَا لثقلها . وَأما فِي الْمعَانِي فَمَعْنَاه: لَا يقبله ، كَمَا ذكرنَا .
ثَالِثهَا: أنَّ سِيَاق الْكَلَام يُفْسِدهُ ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد: أَنه يضعف عَن حمله ، لم يكن للتَّقْيِيد بالقلتين مَعْنَى ، فإنَّ مَا دونهَا أولَى بذلك .
فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بالإِجماع فِي الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة ؟
فَالْجَوَاب: أَنه عَام ، خص مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِالنَّجَاسَةِ ، فَيَبْقَى الْبَاقِي (عَلَى) عُمُومه ، كَمَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ .
فإنْ قيل: هَذَا الحَدِيث (يحمل) عَلَى الْجَارِي .
فَالْجَوَاب: أَن الحَدِيث يتَنَاوَل الْجَارِي والراكد ، فَلَا يَصح تَخْصِيصه بِلَا دَلِيل .""
وحديثُ: «خلقَ الله المَاء طَهُورًا لا يُنجسه شيء, إلاَّ ما غيَّر طَعْمه, أو لَوْنه, أو ريحه» .
قال ابن الملقن رحمه الله [1] :
"رُوي أَنه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «خَلَقَ اللهُ الماءَ طهُورا ، لَا يُنَجِّسُهُ شيءٌ ، إلاَّ مَا غَيَّر طعمه ، أَو رِيحه» ."
اعْلَم: أَن صدر هَذَا الحديثَ صحيحٌ ، كَمَا تقدم الْآن من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ السَّابِق ، وَلم أرَ فِيهِ لفظ: «خلق الله» ، فَتنبه لَهُ ، وَرُوِيَ أَيْضا من طُرُق أُخر:
فأولها: عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: «انتهينا إِلَى غَدِير ، فَإِذا فِيهِ جيفة حمَار ، قَالَ: فَكَفَفْنَا عَنهُ ، حتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: إنَّ الماءَ لَا يُنجسهُ شيءٌ فاستقينا وحملنا» . [2] رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح ، لَوْلَا (طريف) بن شهَاب السَّعْدِيّ ، فإنَّه واهٍ مَتْرُوك عِنْدهم ، حتَّى قَالَ فِيهِ ابْن حبَان: إِنَّه كَانَ (مغفلًا ، يَهِمُ) فِي الْأَخْبَار ، حتَّى يقلبها ، ويروي عَن الثِّقَات مَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات .
لَكِن يَقع فِي بعض نسخه (بدله) طَارق بن شهَاب ، فإنْ صَحَّ - مَعَ بعده - فَهُوَ الأحمسي ، صَحَابِيّ ، فَيصح السَّنَد .
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «المَاء لايُنَجِّسُهُ شَيْء» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ،وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث: سماك بن حَرْب ، عَن عِكْرِمَة ، عَنهُ .
وَرَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة ، مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» كَذَلِك ، لَكِن لَفظه: عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أَرَادَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَن يتَوَضَّأ ، فَقَالَت امْرَأَة من نِسَائِهِ: يَا رَسُول الله قد توضَّأتُ من هَذَا . فَتَوَضَّأ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - ، وَقَالَ: المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» .
وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» - أَيْضا - بِلَفْظ: اغْتسل بعض أَزوَاج رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من) جَفْنَة ، فجَاء رَسُول الله يغْتَسل مِنْهَا ، أَو يتَوَضَّأ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله ، إنِّي كنت جُنبًا . فَقَالَ: إنَّ المَاء لَا يَجْنُب» .
وَهُوَ فِي «السّنَن الْأَرْبَعَة» من حَدِيث سماك ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «اغْتسل بعض أَزوَاج رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي جَفْنَةٍ ، فَأَرَادَ رَسُول الله أَن يتَوَضَّأ (مِنْهَا أَو يغْتَسل) ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله ، إِنِّي كنت جُنبًا . فَقَالَ: إنَّ الماءَ لَا يَجْنُب» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح .
وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ ، عَن شريك ، عَن سماك ، فسمَّاها: مَيْمُونَة .
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْحَاق ، عَن وَكِيع ، عَن سُفْيَان ، عَن سماك ، أَن مَيْمُونَة ...
قَالَ الْحَازِمِي: لَا يُعْرَف مُجَوَّدًا إلاَّ من حَدِيث سماك ، وَسماك فِيمَا ينْفَرد بِهِ رَدَّه بعض الْأَئِمَّة ، (وقَبِلَه) الْأَكْثَرُونَ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج البُخَارِيّ بِأَحَادِيث عِكْرِمَة ، وَاحْتج مُسلم بِأَحَادِيث سماك بن حَرْب ، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح فِي الطَّهَارَة ، وَلَا تحفظ لَهُ عِلّة .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ورُوي مُرْسَلًا . قَالَ: وَمن أسْندهُ أحفظ .
قلت: وأمَّا ابْن حزم (فإنَّه وَهَّاه) فِي «محلاه» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يصحّ ، (لِأَنَّهُ بِرِوَايَة) سماك بن حَرْب ، وَهُوَ يقبل التَّلْقِين ، شهد عَلَيْهِ بذلك شُعْبَة وَغَيره ، (وَهَذِه جُرحة ظَاهِرَة) .
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن سهل بن سعد قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» .
رَوَاهُ قَاسم بن أصبغ - كَمَا تقدم فِي الحَدِيث قبله - بِسَنَد حسن ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، من حَدِيث مُحَمَّد بن مُوسَى (الْحَرَشِي) ، عَن (فُضَيْل) بن سُلَيْمَان النميري ، عَن أبي حَازِم ، عَن سهل .
و (فُضَيْل) هَذَا: تكلَّم فِيهِ يَحْيَى ، وَأَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم . لَكِن احتجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ،وَمُحَمّد هَذَا: وَهَّاه أَبُو دَاوُد ، ووثَّقه غَيره .
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» من حَدِيث: شريك ، عَن الْمِقْدَام بن شُريح ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . ثمَّ قَالَ: لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن الْمِقْدَام إلاَّ شريك . وَذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» بِحَذْف إِن .
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن بِئْر بضَاعَة ، فَقَالَ: «المَاء طهُور ، لَا يُنجسهُ شَيْء» .
ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» من حَدِيث سعيد المَقْبُري عَنهُ ، وَقَالَ: إنَّه حَدِيث غير ثَابت .
وَأما الِاسْتِثْنَاء الْوَاقِع فِي آخِره ، فَروِيَ أَيْضا من طَرِيقين:
أَحدهمَا: عَن ثَوْبَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المَاء طهُور ، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه ، أَو طعمه» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث رشدين ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد بن سعد عَنهُ .
وَرشْدِين هَذَا: هُوَ ابْن سعد - وَيُقَال: ابْن أبي رشدين - وَهُوَ ضَعِيف ، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي ، وَأَبُو زرْعَة ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مُنكر الحَدِيث ، فِيهِ غَفلَة ، يحدث بِالْمَنَاكِيرِ عَن الثِّقَات . وَقَالَ (النَّسَائِيّ) : مَتْرُوك الحَدِيث . وَضَعفه أَحْمد ، وَقَالَ فِي رِوَايَة: هُوَ رجل صَالح ، وَلكنه لَا يُبَالِي عمَّن يروي . وَمرَّة قَالَ: أَرْجُو أنَّه صَالح الحَدِيث . وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ رجلا صَالحا ، لَا يُشَكُّ فِي صَلَاحه وفضله ، فَأَدْرَكته غَفلَة الصَّالِحين ، فَخَلَّط فِي الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني: عِنْده (معاضيل) ، ومناكيره كَثِيرَة ، وَسمعت ابْن أبي مَرْيَم يثني عَلَيْهِ فِي دينه .
قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يقْرَأ كل مَا (دفع) إِلَيْهِ ، سَوَاء كَانَ من حَدِيثه أَو لم يكن . وَكَذَلِكَ قَالَ (قُتَيْبَة) .
وَقَالَ ابْن عدي: رشدين ضَعِيف ، وَقد خُصَّ نَسْله بالضعف: حجاج بن رشدين ، وَمُحَمّد بن الْحجَّاج ، وَأحمد بن مُحَمَّد .
وَمُعَاوِيَة بن صَالح: هُوَ قَاضِي الأندلس ، وَهُوَ ثِقَة ، كَمَا قَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَغَيرهمَا . وَأما رَاشد بن سعد: فوثَّقه ابْن معِين ، وَأَبُو حَاتِم ، وَابْن سعد ، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس بِهِ ، وشذَّ ابْن حزم ، فَقَالَ: ضَعِيف . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يُعتبر بِهِ ، لَا بَأْس) .
أخرج لَهُ مُسلم ، وَقَالَ يَحْيَى: هُوَ صَالح . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث لم يرفعهُ غير رشدين ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ .
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أبي أُمَامَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء ، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه وطعمه ولونه» .
وَهَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين:
أَحدهمَا مُسندَة: رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مَحْمُود بن خَالِد ، وَغَيره ، عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد ، نَا رشدين ، نَا مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد بن سعد ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا كَمَا تقدم .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» كَذَلِك .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْأَوْسَط» ، من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف الغضيضي ، عَن رشدين (بن) سعد ، عَن مُعَاوِيَة بِهِ . وَلم يذكرَا: «ولونه» .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن مُعَاوِيَة بن صَالح إلاَّ رشدين ، تَفرَّد بِهِ مُحَمَّد بن يُوسُف .
قلت: لَا ، فقد تَابعه مَرْوَان بن مُحَمَّد ، كَمَا أخرجه ابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِيمَا سلف .
وَقد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» - أَيْضا - من حَدِيث مَرْوَان بن مُحَمَّد الطاطري ، عَن رشدين بِهِ .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا - من رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد ، عَن [ رَاشد ] بن سعد بِهِ ، وَلَفظه: «إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يُنجسهُ شَيْء ، إلاَّ مَا غلب رِيحه أَو طعمه» . وَقَالَ: كَذَا وجدته ، وَلَفظ الْقلَّتَيْنِ فِيهِ غَرِيب .
قَالَ ابْن عدي: وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ يرويهِ عَن ثَوْر إلاَّ حَفْص بن عمر .
قلت: قد رَوَاهُ بَقِيَّة أَيْضا عَنهُ ، أخرج ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَلَفظه: «إنَّ المَاء طَاهِر ، إلاَّ إنْ تغيَّر رِيحه ، أَو طعمه ، أَو لَونه بِنَجَاسَة تحدث فِيهِ» .
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة: مُرْسلَة رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث الْأَحْوَص بن حَكِيم ، عَن رَاشد بن سعد قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه أَو طعمه» .وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِزِيَادَة: «أَو لَونه» .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا مُرْسل ، قَالَ: وَوَقفه أَبُو أُسَامَة عَلَى رَاشد . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: الصَّحِيح أَن هَذَا الحَدِيث مُرْسل . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث يرويهِ رشدين بن سعد ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد ، (عَن) أبي أُمَامَة مَرْفُوعا ، وَخَالفهُ الْأَحْوَص بن حَكِيم فَرَوَاهُ عَن رَاشد بن سعد مُرْسلا ، عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - . وَقَالَ أَبُو أُسَامَة: عَن الْأَحْوَص ، عَن رَاشد قَوْله وَلم (يُجَاوز بِهِ راشدًا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَلَا يثبت الحَدِيث .
قلت: فَتَلَخَّصَ أَن الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور ضعيفٌ ، لَا يحلّ الِاحْتِجَاج بِهِ ، لِأَنَّهُ مَا بَين مُرْسل وَضَعِيف .وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى تَضْعِيفه .
وَقد أَشَارَ إمامنا الْأَعْظَم ، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي إِلَى ضعفه فَقَالَ: وَمَا قلت من أنَّه إِذا تغيَّر طعم المَاء وريحه ولونه كَانَ نجسا ، يُروى عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - من وَجه لَا يُثْبِتُ أهل الحَدِيث مثله ، وَهُوَ قَول الْعَامَّة ، لَا أعلم بَينهم (خلافًا) . وَتَابعه عَلَى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ ، فَقَالَ فِي «سنَنه» : هَذَا حَدِيث غير قوي ، (إلاَّ أنَّا) لَا نعلم (فِي) نَجَاسَة المَاء إِذا تغيَّر خلافًا .
وَابْن الْجَوْزِيّ ، (قَالَ) فِي «تَحْقِيقه» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح .
فَإِذا عُلم ضعف الحَدِيث ، تعيَّن الِاحْتِجَاج بالإِجماع ، كَمَا قَالَه الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ ، وَغَيرهمَا ، (من الْأَئِمَّة) .
قَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمع الْعلمَاء عَلَى أنَّ المَاء الْقَلِيل أَو الْكثير ، إِذا وَقعت فِيهِ نَجَاسَة ، فغيَّرت طعمًا أَو لونًا أَو ريحًا فَهُوَ نجس .
وَنقل الإِجماع كَذَلِك جمع (غَيره) .
وَذكر الإِمام الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الحَدِيث بعد هَذَا الْبَاب بِلَفْظ: «الطّعْم والرائحة» دون «اللَّوْن» ثمَّ قَالَ: نُصَّ عَلَى الطّعْم وَالرِّيح ، وقاس الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه اللَّوْن عَلَيْهِمَا .
وَكَأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ قلَّد فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ ، فإنَّه قَالَ فِي « (الْمُهَذّب» ) ، (كقولته) ، وَلم يقفا رحمهمَا الله عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا «اللَّوْن» الَّتِي قَدَّمناها من طَرِيق ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ .فَإِن قلت: لعلهما رأياها فتركاها لأجل ضعفها ونَزَّلا وجودهَا وَالْحَالة هَذِه كعدمها؟ قلت: هَذَا لَا يصحّ ، لِأَنَّهُمَا لَو رَاعيا الضعْف واجتنباه ، لتركا جملَة الحَدِيث ، لضَعْفه الْمُتَّفق عَلَيْهِ .
وَاعْلَم: أَن هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْآتِي ، وَوَقعت لنا مَعَه فِيهِ مناقشة ، فإنَّه قَالَ: وَقَالَ مَالك: لَا ينجس المَاء الْقَلِيل إلاَّ بالتغيُّر كالكثير ، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «خُلَقَ المَاء طهُورا ، لَا يُنَجِّسه شَيْء ، إلاَّ مَا غَيَّر طعمه أَو رِيحه» ، وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ ، وَالشَّافِعِيّ حمل هَذَا الْخَبَر عَلَى الْكثير ؛ لِأَنَّهُ ورد فِي بِئْر بضَاعَة ، وَكَانَ ماؤهاكثيرًا . انْتَهَى .
وَهَذِه الدَّعْوَى: أَن هَذَا الْخَبَر ورد فِي (بِئْر) بضَاعَة لَا تُعرف ؛ نعم صَدْرُه ورد فِيهَا كَمَا قَدمته ، وَأما هَذَا الِاسْتِثْنَاء فَفِي حَدِيث آخر كَمَا قَرّرته لَك فاعلمه .
والإِمام الرَّافِعِيّ ، الظَّاهِر أَنه تبع الْغَزالِيّ فِي هَذِه الدَّعْوَى ، فقد ذكر ذَلِك فِي «الْمُسْتَصْفَى» حَيْثُ قَالَ (لما) سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة فَقَالَ: خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ إلاَّ مَا غيَّر طعمه أَو لَونه أَو رِيحه» .
وَوَقع فِي «الْكِفَايَة» لِابْنِ الرّفْعَة ، عزو الِاسْتِثْنَاء إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد ، (فَقَالَ: وَرِوَايَة أبي دَاوُد) : «خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ إلاَّ مَا غير طعمه أَو رِيحه» وَهَذَا لَيْسَ فِي أبي دَاوُد فاعلمه .""
قلتُ:
فإنَّ الأوَّلَ ظَاهرهُ طَهَارةُ القُلَّتين, تغيَّرَ أم لا, والثَّاني ظاهرُه طهارة غير المُتغيِّر, سواء كانَ قُلَّتين أم أقل, فخصَّ عُموم كلٍّ منهما بالآخر. [3]
مثال آخر:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ عَدْوَى ، وَلاَ صَفَرَ ، وَلاَ هَامَةَ » . فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِى الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ ، فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ » .
وَعَنْ أَبِى سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ » . وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لاَ عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ .قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِىَ حَدِيثًا غَيْرَهُ [4]
وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ » . [5]
(1) - البدر المنير - (ج 1 / ص 393) فما بعدها
(2) - سنن ابن ماجه (562)
(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 92)
(4) - صحيح البخارى (5770و5771 ،5707 ، 5717 ، 5757 ، 5773 ، 5775 )
(5) - صحيح البخارى (5707 ) معلقًا بصيغة الجزم ومسند أحمد (9973) وهو صحيح
وفي المنتقى - شرح الموطأ - (ج 4 / ص 366) : وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ الْمُمْرِضُ ذُو الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ ذُو الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ ، أَوْ غَنَمِهِ الجربة فَيَحُلَّ بِهَا عَلَى مَاشِيَةٍ صَحِيحَةٍ فَيُؤْذِيَهُ بِذَلِكَ قَالَ: وَلَكِنَّهُ عِنْدِي مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَا عَدْوَى قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا عَدْوَى إِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ وَالتَّكْذِيبِ بِقَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْعَدْوَى فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّهْيِ يُرِيدُ لَا تَكْرَهُوا دُخُولَ الْبَعِيرِ الْجَرِبِ بَيْنَ إبِلِكُمْ غَيْرَ الجربة وَلَا تَمْنَعُوا ذَلِكَ وَلَا تَمْتَنِعُوا مِنْهُ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا قَالَ: أَوَّلًا وَإِنْ تَعَلَّقْنَا بِالظَّاهِرِ فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: لَا عَدْوَى وَرَدَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَا وَرَدَ بَعْدَهُ ، أَوْ لِمَا لَا يَدْرِي وَرَدَ قَبْلَهُ ، أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ إنَّمَا يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمٍ قَدْ ثَبَتَ قَبْلَهُ . وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْمُزَنِيَّةِ: سَمِعْت أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ بِهِ الْجُذَامُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُ الصَّحِيحُ مَعَهُ وَلَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ يُؤْذِيَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَنْفِرُ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إنَّهُ أَذًى فَهَذَا تَنْبِيهٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ لِلْأَذَى لَا لِلْعَدْوَى وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلْيَنْزِلْ مَحَلَّةَ الْمَرِيضُ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ قِيلَ لَهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ ، أَوْ غَنَمِهِ الجربة فَيَحِلَّ بِهَا الْمُورَدَةَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَاشِيَةَ قَالَ: لَعَلَّهُ قَدْ قِيلَ ذَلِكَ وَمَا سَمِعْته وَإِنِّي لَأَكْرُهُ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَهُ إِنْ كَانَ يَجِدُ غِنًى عَنْ ذَلِكَ الْمَوْرِدِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَكُونُ بِهِ الْمَرَضُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مُورَدَةَ الْأَصِحَّاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَجِدُ غِنًى عَنْهَا فَيَرِدُهَا وَقَدْ رَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَا عَدْوَى وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ يُورِدَ مُمْرِضٍ عَلَى مُصِحٍّ فَقَالَ: الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رِئَابٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ كُنْت أَسْمَعُك تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ تَقُولُ لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ فِي ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ: لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَاذَا قُلْت قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْت أَتَيْت قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا عَدْوَى وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ وَيَصِحُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ عَرَفَ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم -: لَا عَدْوَى إنَّمَا نَفَى بِهِ أَنْ يَكُونَ لِمُجَاوَرَةِ الْمَرِيضِ تَأْثِيرٌ فِي مَرَضِ الصَّحِيحِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ابْتِدَاءً كَمَا فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ ابْتِدَاءً وَأَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهَذَا الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى . وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْبَارِئُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْخَالِقُ لِلْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ فَنَفَى بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا عَدْوَى اعْتِقَادَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْمَرِيضِ الصَّحِيحَ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى عَادَةٍ فَقَدْ يُجَاوِرُ الْمَرِيضُ الصَّحِيحَ فَلَا يَمْرَضُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ اسْتِضْرَارًا غَيْرَ التَّكَرُّهِ لِمُجَاوَرَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مُجَاوَرَتِهِ فَلَا مَعْنَى لِنَهْيِهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّك إِذَا اسْتَضْرَرْت بِرَائِحَتِهِ وَكَرِهْت مُجَاوَرَتَهُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي قَرْيَتِهِمْ شُرَكَاءَ فِي أَرْضِهَا وَمَائِهَا وَجَمِيعِ أَمْرِهَا فَيُجْذَمُ بَعْضُهُمْ فَيَرِدُونَ الْمُسْتَقَى بِآنِيَتِهِمْ فَيَتَأَذَّى بِهِمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَيُرِيدُونَ مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانُوا يَجِدُونَ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ غِنًى مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِهِمْ ، أَوْ يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ بِئْرٍ أَوْ إجْرَاءِ عَيْنٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِهِمْ وَلَا فَدْحٍ بِهِمْ فَأَرَى أَنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ وَلَا يُضَارُّوا وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُونَ عَنْ ذَلِكَ غِنًى إِلَّا بِمَا يَضُرُّهُمْ ، أَوْ يَفْدَحُهُمْ قِيلَ لِمَنْ يَتَأَذَّى بِهِمْ وَيَشْتَكِي ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتَنْبِطْ لَهُمْ بِئْرًا ، أَوْ أَجْرِ لَهُمْ عَيْنًا ، أَوْ أَقِمْ مَنْ يَسْتَقِي لَهُمْ مِنْ الْبِئْرِ إِنْ كَانُوا لَا يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ بِئْرٍ ، أَوْ إجْرَاءٍ وَيُكْفَوْنَ عَنْ الْوُرُودِ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا فَكُلُّ امْرِئٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ وَالضَّرَرُ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأً مِنْ مَالِهِ وَلَا يُقِيمُ لَهُ عِوَضًا مِنْهُ .