الوجه الثاني: أن نقول: بل الشرع صحَّح بيع المعدوم في بعض المواضع؛ فإنه أجاز بيع الثمر بعد بُدُوِّ صلاحه والحبِّ بعد اشتداده [1] ، ومعلومٌ أن العقدَ إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يُخلق [2] بعد، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيعه قبل بدوّ صلاحه، وأباحه بعد بدو الصلاح، ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصَّلاح بشرط القَطْع كالحصرم جاز، فإنما نُهي عن بيعه إذا كان قصدهُ التَّبْقِية إلى الصلاح [3] ، ومن جوّز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقًا وجعل موجب العقد القطع، وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا؛ لم يكن عنده [4] لظهور الصلاح فائدة، ولم يكن فرق بين ما نُهي عنه من ذلك وما أُذن فيه؛ فإنه يقول: موجب العقد التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحُه أو لم يُبد.
والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والقياسُ الصحيح.
(1) رواه أحمد (3/ 221، 250) ، وابن أبي شيبة (7/ 116) ، وأبو داود (3371) في (البيوع) : باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، والترمذي (1228) في (البيوع) : باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وابن ماجه (2217) في (التجارات) : باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وأبو يعلى (3744) ، وابن حبان (4993) ، والطحاوي في"شرح معاني الآثار" (4/ 24) ، والدارقطني (3/ 47 - 48) ، والحاكم (2/ 19) ، والبيهقي (5/ 301) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع العنب حتى يسوَدَّ، وعن بيع الحب حتى يشتدَّ.
وقال الترمذي: حسن غريب.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وفي النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها دون قوله والحب حتى يشتد أحاديث في"الصحيحين"منها: حديث ابن عمر، رواه البخاري (1486 و 2194) ، ومسلم (1534) ، وحديث أنس رواه البخاري (1488 و 2189 و 2196 و 2381) ، ومسلم (1555) .
وعن جابر رواه البخاري (1487، 2189، 2196، 2381) ، ومسلم (1536) .
(2) في (ك) و (ق) :"يوجد".
(3) انظر:"تهذيب سنن أبي داود" (5/ 154 - 155) ، و"زاد المعاد" (4/ 262) كلاهما لابن القيم -رحمه اللَّه-.
(4) في (ن) :"عقده".