الإمام أحمد في"مسنده""أن رجلًا شكا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من جاره أنه يؤذيه، فأمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَطْرَحَ متاعه في الطريق، ففعل، فجعل كل مَنْ مرّ يسأل عن شأن المتاع، فيُخْبَر بأن جار صاحبه يؤذيه، فيسبّه ويلعنه، فجاء إليه وقال:"رُدَّ متاعك إلى مكانه فواللَّه لا أوذيك بعد ذلك أبدًا" [1] فهذا من أحسن المعاريض الفعلية، وألطف الحيل التي يتوصل بها إلى دفع ظلم الظالم."
ونحن لا ننكر هذا الجنس، وإنما الكلام في الحيل على استحلال مَحَارم اللَّه، وإسقاط فرائضه، وإبطال حقوق عباده؛ فهذا النوع هو الذي يفوت أفرادُ الأدلة على تحريمه الحَصْرَ [2] .
وأما قولكم:"جعل العقود حِيَلًا على التوصل إلى ما لا يباح إلا بها إلى آخره"فهذا موضع الكلام في الحيل، وانقسامها إلى الأحكام الخمسة [3] ، فنقول:
(1) رواه أبو داود (5153) في (الأدب) : باب حق الجوار، والبخاري في"الأدب المفرد" (124) ، وأبو يعلى (6630) ومن طريقه ابن حبان (520) ، والحاكم (4/ 165) والبيهقي في"الشعب" (9547) من طريقين عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وجود ابن مفلح في"الآداب الشرعية" (2/ 16) إسناده.
تنبيه: لم أجو الحديث في"المسند"عن أبي هريرة، ولا عزاه له ابن حجر في"أطراف المسند" (7/ 406 - 407) ولا في"إتحاف المهرة" (15/ 348 رقم 19447) .
وللحديث شاهد من حديث أبي جحيفة رواه البخاري في"الأدب المفرد" (125) والبزار (1903 - زوائده) والطبراني -كما في"المجمع" (8/ 170) - والحاكم (4/ 166) والبيهقي في"الشعب" (9548) من طريق شريك عن أبي عمر الأودي -كذا في"إتحاف المهرة" (13/ 696) وفي مطبوع"المستدرك":"الأزدي"!! وأهمل في سائر المواضع- تفرد به شريك، وهو صدوق يخطئ كثيرًا وأبو عمر مجهول. وفي الباب عن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، رواه ابن أبي شيبة (8/ 546) والحاكم (4/ 165 - 166) وابن أبي الدنيا في"مكارم الأخلاق" (ص 81) والخرائطي في"مكارم الأخلاق" (رقم 394) ، وفيه شهر بن حوشب، وهو مرسل.
وحسنه شيخنا الألباني -رحمه اللَّه- في"صحيح الأدب المفرد" (رقم 92، 93) ، وذكره الذهبي في"جزء حق الجار" (ص 17 - 18) وعزاه لابن الجعد عن محمد بن يوسف ومن حديث ابن عباس.
(2) انظر:"إغاثة اللهفان" (2/ 105) .
(3) في المطبوع:"أحكامها الخمس"، وفي (ك) و (ق) :"وأقسامها".