المضاربة، فقالوا: المضاربة المال فيها من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البَذْر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس -مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة- فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البَذْر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأجل [1] الباقي؛ فالعامل إذا أخرج البَذْرَ ذهب عمله وبذره، ورب الأرض يذهبُ نفعُ أرضه، وبدن هذا [2] كأرض هذا؛ فمن جعل البَذْرَ كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، كيف ولو اشترط رب البذر عَوْد نظيره لم يجوّزوا ذلك؟
وأما الحوالة فالذين قالوا:"إنها على خلاف القياس" [3] قالوا: هي بيع دين بدين، والقياس يأباه، وهذا غلطٌ من وجهين [4] :
أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ [5] ، والكالئ: هو المؤخَرُ الذي لم يُقْبَضْ [6] ، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مُؤخَّر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ [7] ، وأما بيع الدَّيْن بالدَّيْن فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا،
= باب المزارعة مع اليهود ونحوه، ومسلم (1551) (كتاب المساقاة) : باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، عن ابن عمر.
(1) في المطبوع و (ق) و (ك) :"بالأصل".
(2) في (ق) و (ك) :"وبذر هذا".
(3) هذا قول كثير من المالكية والشافعية انظر:"المهذب" (1/ 344) ،"فتح العزيز" (10/ 338) ،"شرح منح الجليل" (6/ 187) .
(4) انظر:"إغاثة اللهفان" (1/ 364) ،"مجموع فتاوى ابن تيمية" (20/ 513) وذهب معظم فقهاء الحنفية والحنابلة إلى أنه موافق للقياس، انظر:"البناية" (6/ 808) ،"إحكام الأحكام" (3/ 198 - 199) لابن دقيق العيد،"فتح الباري" (4/ 465 - 466) ،"شرح النووي على صحح مسلم" (10/ 228) ،"المغني" (4/ 576) ،"حاشية الروض المربع" (2/ 191) .
(5) سيأتي تخريجه.
(6) زاد هنا في (ك) :"بالمؤخر الثاني".
(7) "وصورته: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل، لم يجد ما يقضي به، ="