وأما الحاكم فحكمه جزئي [1] خاص، لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله؛ فالمفتي يفتي حكمًا عامًا كليًا أنَّ: مَنْ فَعَلَ كذا [ترتب عليه كذا] [2] ، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاء معينًا على شخص معين، فقضاؤه خاص مُلْزِم، وفتوى العالم عامة غير ملزِمة، وكلاهما [3] أجْرُهُ عَظيم، وخَطَرُه كبير.
وقد حرم اللَّه -سبحانه- القول عليه بلا علم [4] في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات [5] ، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] [6] وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فرتَّبَ المحرماتِ أربعَ مراتبَ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريمًا وهو [7] الإثم والظلم، ثم ثلَّثَ بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به [8] سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117] .
فتقدم عليهم [9] سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما
(1) في (ق) :"فحكمه جزؤ".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) .
(3) في المطبوع و (ك) و (ق) :"فكلاهما".
(4) في المطبوع و (ك) :"بغير علم"، وفي (ق) :"حرم اللَّه عليه القول بغير علم".
(5) سيأتي بحث قيم لابن القيم -رحمه اللَّه- في تحريم الفتيا بغير علم، وانظر:"إغاثة اللهفان" (1/ 158) ، و"الداء والدواء" (209 - 210) ، و"الفوائد" (ص: 98 - 99) ، و"مدارج السالكين" (1/ 372 - 374) ، و"بدائع الفوائد" (3/ 275) .
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) :"إلى قوله".
(7) في (ق) :"أشد تحريمًا منه وهو".
(8) في (ق) :"باللَّه".
(9) في المطبوع و (ك) و (ق) :"إليهم"، وسقطت لفظة"سبحانه"من (ق)