ولهذا قال نَصرُ بن حاجب [1] : سُئل ابنُ عُيَيْنة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرِّف القول فيه ليرضيه، لم يأثم [2] في ذلك؛ فقال: ألم تسمع قوله:"ليس بكاذب مَنْ أصلح بين الناس فكذب فيه" [3] ؛ فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم في [4] بعض، وذلك إذا [5] أراد به مرضاة اللَّه، وكره أذى المؤمن [6] ، ويندم على ما كان منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعًا [7] في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخص في ذلك ورخص [8] له إذا كره مَوْجِدَتهم وخاف عداوتهم.
قال حذيفة: إني أشتري ديني بعضَه ببعض مخافة أن أُقدم [9] على ما هو أعظم منه [10] . [وكره -أيضًا- أن يتغير قلبه عليه] [11] ، قال سفيان: وقال الملكان: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص: 22] أرادا معنى شيء ولم يكونا خَصْمين فلم يصيرا بذلك كَاذِبَيْن، وقال إبراهيم: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ، وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] ، وقال يوسف: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] [أراد معنى أمرهم] [12] ، فبيَّن سفيان أن هذا [كله] [13] من المعاريض المباحة [مع تسميته كذبًا، وإن لم يكن في الحقيقة كذبًا كما تقدم التنبيه على ذلك] (13) .
وقد احتجَّ بعضُ الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصُّلُ إلى
(1) من هنا يستأنف ابن القيم النقل عن شيخ الإسلام، فانظر:"بيان الدليل" (ص 267 - 277) ، وفي (ق) :"الحاجب".
(2) في"بيان الدليل":"أياثم".
(3) في نسخ"الإعلام":"يكذب فيه"، ومضى تخريج الحديث.
(4) في نسخ"الإعلام":"من".
(5) في"بيان الدليل":"أنه".
(6) في"بيان الدليل":"وكراهته أذى المؤمن"، وفي (ك) :"وكره أذى المؤمنين".
(7) في"بيان الدليل":"ولا لطمع".
(8) في (ق) :"وأرخص".
(9) في"بيان الدليل":"أتقدم"، وقال محققه:"في الأصل أهدم".
(10) مضى تخريجه.
(11) و (12) ما بين المعقوفتين من"بيان الدليل"إذ إن ابن القيم ينقل عنه حرفيًا.
(13) ما بين المعقوفتين من"بيان الدليل".