فإن قيل: فشرطُ صحَّةِ القياس ذكر الأصل المقيس عليه، ولم يذكر في الحديث؟.
قيل: هذا من حُسْن الاختصار، [والاستغناء] [1] بالوصف الذي يستلزم ذكر الأصل [المقيس عليه] [2] ؛ فإن المتكلَّم قد يُعَلل بعلةٍ يغني ذكرُها عن ذكر الأصل، ويكون تركه لذكر الأصل أبَلَغَ من ذكره، فيعرف السامع الأصْلَ حين يسمع ذكر العلة؛ فلا يُشْكِل عليه، ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين علَّل عدمَ وجوب [3] الصلاة مع هذا الدم بأنه عِرقٌ صار الأصل الذي يُرَدُّ إليه هذا الكلام معلومًا، فإنَّ كل سامعٍ سَمِعَ هذا يفهم منه أن دم العرق لا يوجب ترك الصلاة، [ولو قال:"هو عرق فلا يوجب ترك الصلاة] [4] كسائر دم العروق"؛ لكان عيًّا، وعُدَّ من الكلام الركيك، ولم يكن لائقًا بفصاحته، وإنما يليق هذا بِعَجْرفة المتأخّرين وتكلُّفهم وتطويلهم.
ونظيرُ هذا قوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-] [5] لمن سأله عن مَسِّ ذكره:"هلْ هُوَ إلا بضعة منك" [6] فاستغنى بهذا عن تكلف قوله: كسائر البضعات.
ومن ذلك قوله [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (5) للمرأة التي سألته:"هل على المرأة من غسْلٍ إذا هي احتلَمَتْ؟ فقال: نعم، فقالت أم سليم: أَوَ تحتلمُ المرأةُ يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"إنما النساء شَقَائِقُ الرجال" [7] فَبيَّن أن النساء والرجال شقيقان"
(1) في (د) :"والاستغناه"، ووقع في (ق) :"من أحسن".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) .
(3) قال في هامش (ق) :"لعله: عدم ترك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) وقال الناسخ في الهامش:"لعله: ولو قال".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) .
(6) نقدم تخريجه قريبًا.
(7) رواه أحمد في"مسنده" (6/ 256) ، وأبو دود (236) في (الطهارة) : باب في الرجل يجد البلة في منامه، والترمذي (113) في (الطهارة) : باب ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللًا، ولا يذكر احتلامًا، وأبو يعلى في"مسنده" (4694) ، والبيهقي في"سننه الكبرى" (1/ 168) ، والدارقطني (1/ 133) ؛ كلهم من طريق عبد اللَّه العمري، عن أخيه عبيد اللَّه العمري، عن القاسم، عن عائشة به، وقال الترمذي:"وعبد اللَّه بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث".
أقول: وقد ضَعّفه غير واحد، لكن يقبل حديثه في المتابعات، وله شاهد من حديث أنس بن مالك، رواه الدارمي (1/ 195) ، وأبو عوانة (1/ 290) ، وعزاه السيوطي في"الجامع الصغير"للبزار -ولم أجده في"كشف الأستار"، ولا"مجمع الزوائد"وساق ابن القطان في"بيان الوهم والإيهام" (5/ 271) إسناده ولفظه- من طريق محمد بن كثير، عن =