في الإسلام الذي أبطله النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله:"لا رهبانية في الإسلام" [1] ؟
يوضحه أن من شرط التعزُّب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى اللَّه، فقصد أن يتعبد الموقوف عليه بتركه، وهذا هو الذي تبرأ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منه بعينه فقال:"مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي" [2] ، وكان قصد أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا ترفيه [3] أنفسهم على العبادة وترك النكاح الذي يشغلهم تقربًا إلى اللَّه بتركه، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه؛ وهذا في غاية الظهور، فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّ مَنْ رغب عنه فليس منه؟ هذا ممَّا لا تحتمله الشريعة بوجه.
فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة [4] غيره عرض شروط الواقفين على كتاب اللَّه سبحانه وعلي شرطه، فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح، وما خالفه
(1) قال في"كشف الخفاء" (2/ 377) :"قال ابن حجر: لم أره، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي: إن اللَّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة"اهـ.
قلت: هو عند البيهقي في"السنن الكبرى" (8/ 78) .
وأخرج عبد الرزاق (10375) ، وأحمد (6/ 106، 226، 268) ، والبزار (1458 - زوائده) ، وابن حبان (9 - الإحسان) عن عائشة مرفوعًا:"يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا".
وإسناده قوي
وأخرجه الدارمي في"سننه" (كتاب النكاح) : باب النهي عن التبتل (2/ 133) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول اللَّه لعثمان بن مظعون: يا عثمان إني لم أؤمر بالرهبانية. . ."."
(2) أخرجه البخاري في"صحيحه" (كتاب النكاح) : باب الترغيب في النكاح (9/ 104/ رقم 5063) ، ومسلم في"الصحيح" (كتاب النكاح) : باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة (2/ 1020/ رقم 1401) من حديث أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه-، وأخرجه البخاري في"الصحيح" (كتاب فضائل القرآن) : باب قول المقريء للقاريء: حسبك، (9/ 94/ رقم 5052) دون لفظة:"من رغب. . ."، وهي ثابتة من طريق سند البخاري؛ كما عند اللالكائي في"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (1/ 97) .
(3) الترفيه:"التسكين والأقامة على الشيء" (د، ط، ح) ، وقال (و) :"رفا فلانًا سكن من الرعب، والمقصود جعل أنفسهم تسكن إلى العبادة".
قلت: وانظر:"لسان العرب" (3/ 1698 - 1699) ، ووقع بدلها في (ق) :"توفية".
(4) في (ق) :"لا يسوغ في الشريعة".