وقال علي بن شقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؛ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي [1] .
وقيل ليحيى بن أكثم: متى يجب للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر [2] .
قلت: يريدان بالرأي القياسَ الصحيح والمعانيَ والعللَ الصحيحة التي عَلّق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طَرْدًا وعكسًا [3] .
قال اللَّه [4] : {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [5] [القصص: 50] فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إمَّا الاستجابة للَّه والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكُلُّ ما لم يأتِ به الرسول فهو من الهوى.
[[6] وقال تعالى: يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ] } [7] [ص: 26] فقسَّم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحقِّ، وهو الوحي الذي أنزله اللَّه على رسوله [8] ، وإلى الهَوَى، وهو ما خالفه.
وقال تعالى لنبيه [-صلى اللَّه عليه وسلم-] (7) : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ
(1) رواه الخطيب في"الفقيه والمتفقه" (2/ 332/ 1050) ، بسند جيد.
وأخرجه البيهقي في"المدخل" (187) ، وابن عبد البر في"الجامع" (1532) .
(2) علقه الخطيب في"الفقيه والمتفقه" (2/ 333/ 1051) عن أبي نعيم عن إبراهيم بن محمد بن حاتم الزاهد عن الفضل بن محمد الشعراني عنه.
(3) من قوله:"وقال في رواية أبي إلى هنا بدله في (ن) :"إلى أن قال -رحمه اللَّه-"."
ووقع في (ق) :"يريد".
(4) في (ق) :"اللَّه سبحانه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) .
(6) من هنا إلى قوله (ص 92) :"وإن عاقبته أحسن عاقبة"بدله في (ن) :"إلى أن قال -رحمه اللَّه-".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) .
(8) في (ق) :"رسله".