وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحلَّ مَنْ استحل المسكر من غير عصير العنب وقال: لا أسميه خمرًا وإنما هو نبيذ، وكما يستحلها طائفة من المجَّان إذا مُزِجت ويقولون: خرجت [بالمزج] [1] عن اسم الخمر، كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق، وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدًا ويقول؛ هذه عقيد [2] لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر اللَّه وعن الصلاة لا تزول بتبديل الأسماء والصور [عن ذلك] [3] ، وهل هذا إلا من سوء الفهم وعدم الفقه عن اللَّه ورسوله؟
وأما استحلال السُّحت باسم الهدية -وهو [4] أظهر من أن يذكر- كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما، فإن المرتشي ملعونٌ هو والراشي [5] ؛ لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعًا أنهما لا يخرجان عن الحقيقة، وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية [6] ، وقد عَلِمنا وعلم اللَّهُ وملائكتهُ ومَنْ له اطلاع على الحيل أنها رِشْوَة. وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه وُلَاة الجور سياسة وهيبة [7] وناموسًا وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر [8] .
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) "هي الخمر غليظة" (و) .
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) .
(4) في (ك) و (ق) :"فهو".
(5) ورد ذلك في حديث رواه أحمد (2/ 164 و 190 و 194 و 212) ، وأبو داود (3580) في"الأقضية": باب في كراهية الرشوة، والترمذي (1337) في"الإحكام": باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، وابن ماجه (2313) في"الإحكام"باب: التغليظ في الحيف والرشوة، والطيالسي (2276) ، وابن الجارود (586) ، وابن حبان (5077) والحاكم (4/ 102 و 103) والبيهقي (10/ 138 - 139) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة. انظر"التلخيص الحبير" (4/ 189) .
(6) انظر"إغاثة اللهفان" (1/ 363) و"بدائع الفوائد" (1/ 6 و 3/ 145، 146) .
(7) في (و) :"رهيبة"براء في أوله!
(8) انظر:"ببان الدليل" (ص 107) ، و"زاد المعاد" (3/ 202) ، و"تهذيب السنن" (6/ 266) ، و"الطرق الحكمية" (ص 108، 306 - 307) ، و"الحدود والتعزيرات" (ص 484 - 486) .
(تنبيه) نقل الشاطبي في"الاعتصام" (2/ 437 - بتحقيقي) هذا الكلام بتصرف يسير.