ليتوصل بذلك إلى أخذه وَكَيْد إخوته، فنقول لأرباب الحيل:
أولًا: هل تجوِّزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجةً لكم؟ وإلا فكيف تحتجون بما لا تجوِّزون فعله؟! فإن قلتم: فقد كان جائزًا في شريعته، قلنا: وما ينفعكم إذا لم يكن جائزًا في شرعنا؟
قال شيخنا [1] -رضي اللَّه عنه-: و [من هذا الباب] (2) مما قد يُظنُّ أنه من جنس الحيل التي بيَّنا تحريمها وليس من جنسها قصةُ يوسف [-صلى اللَّه عليه وسلم-] [2] حين كاد اللَّه له في أخذ أخيه كما قَصَّ ذلك سبحانَه [3] في كتابه، فإن فيه ضروبًا من الحيل الحسنة:
أحدها: قوله لفتيانه [4] : {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: 62] فإنه تسبَّبَ بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا في ذلك معاني:
منها: أنه تخوَّف أن لا يكون عندهم وَرِق يرجعون بها.
ومنها: أنه خشي أن يضرَّ أخذ الثمن بهم.
ومنها: أنه رأى لومًا [إذا] [5] أخذ الثمن منهم.
ومنها: أنه أراهم كرمه في رد البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العَوْد، [وقد قيل] [6] ؛ إنه علم أن أمانتهم تُحْوجهم إلى العَوْد ليردوها إليه [7] ؛ فهذا المحتالُ به عملٌ صالح، والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم [وله] [8] ، وهو مقصود صالح، وإنما لم يعرِّفهم نفسه لأسباب أُخر فيها أيضًا منفعة له ولهم [9] ولأبيهم وتمام لما أراده اللَّه بهم من الخير في البلاء.
الضرب الثاني: أنه في المرة الثانية لما فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي
(1) قال (و) :"هو شيخ الإسلام في فتاويه" (ص 209 ج 3 فتاوى نشر دار الكتب الحديثية) . قلت: والكلام بطوله في"بيان الدليل" (ص 263 - 267) ، وعليه قابلت.
(2) ما بين المعقوفتين من"بيان الدليل".
(3) في نسخ"الإعلام":"تعالى".
(4) في (ك) و (ق) :"لفتيته".
(5) ما بين المعقوفتين من (و) فقط.
(6) ما بين المعقوفتين في نسخ"الإعلام":"ومنها".
(7) في"بيان الدليل":"الرجعة ليؤدوه إليه".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) .
(9) في نسخ"الإعلام":"لهم وله".