فإن قيل: فماعزٌ جاء تائبًا والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد.
قيل: لا ريبَ أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيمَ عليهما، وبهذا [1] احتج أصحاب القول الآخر، وسألتُ شيخَنا [2] عن ذلك؛ فأجاب بما مضمونه بان الحد مُطهِّر، وإن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة [3] ، وأبيا إلا أن يُطهرا بالحد، فأجابهما [4] النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعزٍ:"هلَّا تركتموه يتوب فيتوب اللَّه عليه" [5] ولو تعيَّن الحدُّ بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخيَّر بين
= و"الداء والدواء" (ص: 11، 125، 214) ، و"الوابل الصيب" (ص: 14، 16) ، و"الحدود والتعزيرات" (ص: 71 - 85) للشيخ الفاضل بكر أبو زيد، و"سقوط العقوبات في الفقه الإسلامي" (2/ 141 - 157) .
(1) في المطبوع:"وبهما".
(2) انظر:"الاختيارات الفقهية" (296) .
(3) في (ق) و (ك) :"عن التطهير بالتوبة".
(4) في (ق) و (ك) :"فأجابه".
(5) رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" (10/ 71) ، و"المسند" (2/ 161 رقم 648) ، وأحمد في"مسنده" (5/ 216 - 218) ، وأبو داود (4419) في (الحدود) : باب رجم ماعز، ومن طريقه ابن الأثير في"أسد الغابة" (573/ 4) ، والنسائي في"سننه الكبرى" (7205) في (الحدود) : باب: إذا اعترف بالزنا ثم رجع عنه، و (7274) في الستر على الزاني، والطحاوي في"مشكل الآثار"رقم 435)، وابن أبي عاصم في"الآحاد والمثاني" (رقم 2393) ، والحاكم في"المستدرك" (4/ 363) ، والبيهقي (8/ 330 - 331) كلهم من طريقي هشام بن سعد وزيد بن أسلم، كلاهما عن يزيد بن نعيم بن هَزَّال عن أبيه به.
أقول: هذا إسناد رجاله روى لهم مسلم، غير نعيم بن هزال، وقد اختلف في صحبته، قال ابن حبان: له صحبة، وذكره ابن السكن في الصحابة، وظاهر صنيع أبي داود والحاكم إثبات الصحبة له، وذكره ابن أبي عاصم في الصحابة، أما ابن عبد البر فقال: إنه لا صحبة له، وإنما الصحبة لأبيه هَزَّال، وهو أولى بالصواب. ولم يرجح الحافظ ابن حجر شيًا، بشيء، وإنما قال: سيأتي حديثه في ترجمة هَزَّال. وقال في"التلخيص الحبير": إسناده حسن. ولم يجزم ابن عبد الهادي في"التنقيح"بشيء أيضًا -كما في"نصب الراية" (3/ 307) ، وإنما قال: فإن لم يثبت صحبته؛ فالحديث مرسل.
أقول: حديث هَزَّال الذي أشار إليه الحافظ هو في قصة ماعز، وليس فيه:"فهلا تركتموه"بل فيه:"يا هَزّال لو سترته بثوبك كان خيرًا لك"، وقد وقع في إسناده اختلاف ذكره النسائي في"سننه الكبرى" (3/ 306 - 307) ينظر فإنه هام.
وقد روى أبو داود (4420) ، والنسائي (7207) ما يدل على أن قوله في الحديث". . . يتوب فيتوب اللَّه عليه"ليس من كلام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما قال:"هلا تركتموه وجئتموني به"أي أراد أن يتثبت منه، وقال النسائي بعده: هذا الإسناد خير من الذي قبله. أي حديث نعيم بن هَزَّال. =