معناه: أما الأول فهو حديثٌ لا يصح موصولًا، وإنما هو صحيح مرسلًا؛ فمن لم يحتج بالمرسل لم يَرِد عليه، ومن رأى قبول المرسل مطلقًا أو مراسيل سعيد بن المسيب فهو حجة عنده، قال أبو عمر [1] :"لا أعلم حديث النَّهي عن بيع اللحم بالحيوان متصلًا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب كما ذكره مالك في"موطئه" [2] ."
وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه؛ فكان مالك يقول: معنى الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد [حيوانه بلحمه] ، وهو عنده من باب المُزابَنة والغَرر [والقمار] ؛ لأنه لا يَدْري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطي أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلًا" [3] ."
(1) في"التمهيد" (4/ 322 - 324) وما بين المعقوفتين ليس في مطبوعه.
(2) رواه مالك في"الموطأ" (2/ 655) في (البيوع) : باب بيع الحيوان باللحم، ومن طريقه رواه الشافعي في"الأم" (3/ 82) ، وأبو داود في"المراسيل" (178) ، والدارقطني (3/ 71) ، والحاكم (2/ 35) ، والبيهقي (5/ 296) و"المعرفة" (8/ 65 - 66) ، وابن حزم في"المحلى" (8/ 517) عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
وقال البيهقي: هذا هو الصحيح، ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
أقول: هذه الرواية الموصولة، وصلها الدارقطني (3/ 70 - 71) ، وابن عبد البر في"النمهيد" (4/ 322 - 323) ، وأبو نعيم في"الحلية" (6/ 334) من طريق يزيد بن مروان به.
ويزيد بن مروان هذا قال فيه ابن معين: كذاب، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال ابن عبد البر:"وهذا حديث إسناده موضوع، لا يصح عن مالك، ولا أصل له في حديثه".
وله شاهد من حديث الحسن عن سمرة: رواه الحاكم (2/ 35) ومن طريقه البيهقي (5/ 296) . وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة عده موصولًا ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب، والقاسم بن أبي بزة وقول أبي بكر الصديق. وانظر مفصلًا:"التلخيص الحبير" (3/ 10) ، و"إرواء الغليل" (5/ 196 - 199) وتعليقي على"سنن الدارقطني" (3021، 3022) .
(3) "المدونة" (3/ 178 - ط دار الفكر) ، و"التفريع" (2/ 126) ، و"الرسالة" (215) ، و"الكافي" (313) ، و"الشرح الصغير" (3/ 103 - 104) ، و"عقد الجواهر الثمينة" (2/ 417) ، و"جامع الأمهات" (ص 346) ، و"المعونة" (2/ 967) ، و"الإشراف" (2/ 457 مسألة 776 - بتحقيقي) للقاضي عبد الوهاب.