توقَّف عبد اللَّه بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد اللَّه بن عباس وأبي هريرة، فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أفْتِهِ فقد جاءتك مُعْضلة، ثم أفتياه بالوقوع [1] ؛ فالصحابة -رضي اللَّه عنهم- ومُقدَّمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولبَّسوا على أنفسهم ولم يتقوا اللَّه في التطليق الذي شرعه لهم، وأخذوا بالتَّشديد على أنفسهم ولم يَقِفُوا على ما حدَّ لهم ألزموهم بما التزموه، وأمضوا عليهم ما اختاروه لأنفسِهم من التشديد الذي وسَّعَ اللَّه عليهم ما شرعه لهم بخلافه، ولا ريب أن مَنْ فعل هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة اللَّه وتيسيره ومهلته، ولهذا قال ابن عباس لمن طلق مئة: عصيتَ ربك وبانت منك امرأتك؛ إنك لم تتق اللَّه فيجعل لك مخرجًا، ومن يتق اللَّه يجعل له مخرجًا [2] . وأتاه رجل فقال: إن عمي طلق ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى اللَّه فأندمه [اللَّه] [3] وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، فقال: أفلا تحللها له؟ فقال: مَنْ يخادع اللَّه يخدعه [4] .
(1) رواه مالك في"الموطأ" (2/ 571 و 1630 - رواية أبي مصعب) ومن طريقه الشافعي في"مسنده" (2/ 36) والبيهقي (7/ 335) عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج أنه أخبره عن معاوية ابن أبي عياش الأنصاري أنه كان جالسًا مع عبد اللَّه بن الزبير فذكر القصة. . .
أقول: هكذا في إسناد مالك (معاوية) وعند الشافعي (ابن أبي عياش) والمعروف بابن أبي عياش هو"النعمان"وقد ورد هكذا في إسناد حديث عند مالك قبل هذا يرويه عنه كذلك بكير بن الأشج الراوي عنه هنا، ثم وجدت ابن عبد البر يقول في"الاستذكار" (17/ 258) :"معاوية والنعمان أخوان، والنعمان أسن وأبوهما أبو عياش الزرقي له صحبة"ومعاوية ترجمته في"ثقات ابن حبان" (7/ 467) و"التاريخ الكبير" (4/ 1/ 332) .
(2) هو بهذا اللفظ: رواه البيهقي في"سننه الكبرى" (7/ 337) من طريق عبيد اللَّه بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج عن مجاهد عنه، ورواه سعيد بن منصور (1064) من طريق الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن أبي عياش، وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات مشهورون، وقد روى معناه عبد الرزاق (6/ 396 - 398) ، وابن أبي شيبة (5/ 12) ، والبيهقي (7/ 337) من طرق عنه.
(3) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(4) رواه سعيد بن منصور (1064) وابن أبي شيبة (5/ 10 - 11) ، وعبد الرزاق (10779) -ومن طريقه ابن حزم في"المحلى" (10/ 181) -، وابن بطة في"إبطال الحيل" (ص 48) ، والبيهقي (7/ 337) من طرق عن الأعمش عن مالك بن الحارث عنه.
وهذا إسناد صحيح رجاله من رواة"الصحيح"إلا مالك بن الحارث وهو ثقة.=