الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التّوَى [1] والهلاك، ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي، ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويُسْرَته والتمكن [من مطالبته] [2] . والناسُ يستقبحون هذا، ويعدون فاعله متعديًا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عَوْنًا له عليه، وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح. وهذا القول في القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب عن مالك [3] . ولا ينافي هذا قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:"الزعيم غارم" [4] فإنه لا عموم له، ولا يدل على
(1) "التوى: [هو] الهلاك، [فالعطف في كلام المؤلف للتفسير] ، كذا في (ط) ، و (د) ، وما بين المعقوفتين من (د) ، وانظر:"لسان العرب" (1/ 458 - دار المعارف) ."
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ق) :"منه".
(3) "المدونة" (5/ 262) ،"عقد الجواهر" (2/ 663) .
(4) رواه أحمد (5/ 267) ، وعبد الرزاق (14796 و 16308) ، وابن أبي شيبة في"مصنفه" (6/ 154) ، وسعيد بن منصور في"سننه" (427) ، والطيالسي (1128) ، وأبو داود (3565) في (البيوع والإجارات) ، باب ما جاء في تضمين العارية، والترمذي (1265) في (البيوع) : باب ما جاء في أن العارية مؤداة، و (2120) في (الوصايا) : باب ما جاء لا وصية لوراث، وابن ماجه (2398) في (الصدقات) : باب العارية، وابن الجارود في"المنتقى" (1023) ، والطبراني في"الكبير" (7615 و 7621) ، والقضاعي في"مسند الشهاب" (50) ، وابن عدي (1/ 290) ، والبيهقي في"السنن الكبرى" (6/ 72 و 88) ، والدارقطني (3/ 41) من طريق إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني عن أبي أمامة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: فذكره، وفيه زيادة.
وقال الترمذي:"حديث حسن"، وفي الموطن الثاني: حسن صحيح.
أقول: إسماعيل بن عياش صحيح الرواية عن الشاميين، وهذه منها، وشرحبيل هذا فيه لين، فهو حسن الحديث.
وله شاهد؛ رواه أحمد (5/ 293) من طريق ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (في المطبوع: عن جابر) عن سعيد بن أبي سعيد عمن سمع النبي -عليه السلام-.
وهذا إسناد رجاله ثقات، كما قال الهيثمي في"مجمع الزوائد" (4/ 145) . ثم تبيَّن في أن سعيد هذا هو الساحلي، وهو غير محتج به، كما في"تحفة الأشراف" (1/ 225) و"التهذيب" (4/ 39 - 40) ، و"إتحاف المهرة" (2/ 22) .
لكن رواه الدارقطني (4/ 70) والبيهقي (6/ 264) من طريق عمر (وفي مطبوع"سنن الدارقطني": "عمرو، والتصويب من المخطوط و"إتحاف المهرة"(2/ 22 ) ) بن عبد الواحد ="