الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنِّ رجحان بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرها [1] فإذا تلدَّدوا [2] وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن [ذلك] [3] في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة، فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- [ورضي اللَّه عنهم] (3) الذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم [تعالى] (3) وسنة نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم [4] من أقوى الظنون [5] وهو أقوى من [الظن] [6] المستفاد من كثير [من] (3) الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد [الرأي] الذي لا رأي سواه، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو دلالة أو شبه [7] أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب [8] ، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصول الظن الغالب في القلب ضروري [9] كحصول الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك.
الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكم [10] أو
(1) في (ق) :"من أكمل العقول وأوفاها".
(2) تحيروا وتلفتوا يمينًا وشمالًا بحثًا عن بينة أو دلالة (س) .
وقال (و) :"تلفت يمينًا وشمالًا أو تحير".
قلت: وانظر:"لسان العرب" (3/ 390) مادة"لدد"- ط دار الفكر).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) ، وما بين المعقوفتين بعدها من (ق) فقط.
(4) في (ق) :"من جانبهم".
(5) وهو ظن راجح يدخل في معنى العلم المتعبد به (س) .
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ك) .
(7) جاء في النص"أو دلالة أو شبه"وحذف (أو) أليق بما قبلها (س) .
(8) يراد به العام الذي يحتمل التخصيص بسببه ظاهرًا في التخصيص (س) .
(9) أي أن التحقق من وجوه الظن الغالب أمر يعلمه الإنسان من نفسه ويدركه ولا يغيب عن معرفته وإحساسه (س) .
(10) في (ك) :"حكمًا".