فريق يزعم أن الصواب ما ادعاه دون منازعه، ويقدح فيما ادعاه [الآخر، ولا] [1] يتهيأ له قدح في قول منازعه [2] ، إلا ويتهيأ [3] لمنازعه مثله أو أكثر منه أو دونه، فلو ظن آخرون فقالوا: العلة كونها [4] مما تُنبته الأرضُ، واحتجَّ بأنَّ اللَّه سبحانه امتن على عباده بما تنبته لهم الأرض، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] ، وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يُباع بعضُه ببعض متفاضلًا، لكان قولُه واحتجاجُه من جنس قول الآخرين واحتجاجهم، وما هذا سبيلُه فكيف يكون من الدين بسبيل؟ [5] .
قالوا: وأيضًا فإذا كان النَّصُّ [في الأصل قد دل على شيئين: ثبوت الحكم فيه نطقًا، وتعديته إلى ما في معناه بالعلة، فإذا نُسخ الحكم] [6] في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول؟ فإنْ قلتم:"يبقى"فهو محال، وإنْ قلتم:"يزول"تناقضتم؛ إذ من أصلكم أنَّ نسخَ بعض ما يتناوله النص لا يوجبُ نسخَ جميع ما يتناوله [7] كالعام إذا خُصَّ بعضُ أفراده لم يوجب ذلك تخصيصَ [8] غيره؛ فإذا كان حكم الأصل قد دلَّ على شيئين فارتفع أحدُهما فما الموجب لارتفاع الثاني؟ وإن قلتم:"يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس"قيل: إنما أثبتُّموه لوجود العلة الجامعة عندكم، والعلة لم تزلْ بالنسخ، وهي سبب ثبوته، وما دام السبب قائمًا فالمسبَّب كذلك، ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيحُ قولِكم.
فإن قلتم: نسخُ حكمِ الأصلِ[يقتضي نسخ كون العلَّةِ علةً.
قيل: هذه دعوى لا دليلَ عليها، فإن النص اقتضى ثبوتَ حكم الأصل] (6) ، وكون وصف كذا علة تقتضي [9] التعدية على قولكم، فهما حكمان متغايران؛ فزوالُ أحدهما لا يستلزم زوالَ الآخر.
قالوا: ولو كان القياسُ من الدين لقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأمته:"إذا أمرتكم بأمرٍ أو نهيتكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثله أو شبهه"ولكان هذا أكثر شيء في
(1) في (ق) :"والآخر، لا".
(2) في (ق) و (ك) :"منازعيه".
(3) في (ق) و (ك) :"إلا وتهيأ".
(4) في المطبوع و (ق) و (ك) :"كونه".
(5) في (ق) و (ك) :"كيف يكون من الرب سبيل إذًا".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) .
(7) انظر:"مفتاح دار السعادة" (ص 361 - 364، 370) ، و"زاد المعاد" (2/ 183) ، و"شفاء العليل" (ص 405 - 406) .
(8) في (ك) :"تخليص".
(9) في المطبوع و (ن) :"مقتضى".