ونفاسًا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس، فما الذي فَرَّق بينه وبين الحيض؟ ولم يأتِ عن اللَّه ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديدُ أقل الحيض بحد [أبدًا] [1] ، ولا في القياس ما يقتضيه.
والعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود حيث لم يحدّه الشارع، ثم ناقضتم فقلتم: حد أَقلِّه يومٌ وليلة.
وأما أصحابُ الثلاث فإنما اعتمدوا على حديث توهَّموه صحيحًا وهو غير صحيح باتفاق أهل الحديث [2] ، فهم أعذر من وجه؛ قال المُفرِّقون: بل فرَّقنا بينهما بالقياس الصحيح؛ فإن للنفاس علمًا ظاهرًا يدل على خروجه من الرَّحم وهو تقدم الولد عليه، [فاستوى قليله وكثيره؛ لوجود علمه الدال عليه] [3] ، وليس مع الحيض علم يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتد زمنه صار امتداده علمًا ودليلًا على أنه حيض معتاد، وإذا [4] لم يمتد لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض [5] فصار كدم الرُّعاف.
ثم ناقضوا [6] في هذا الفرق نفسه أبْيَنَ مناقضة؛ فقال أصحاب الثلاث: لو امتد يومين ونصف يوم دائمًا لم يكن حيضًا حتى يمتد ثلاثة أيام.
وقال أصحاب اليوم [7] : لو امتد من غدوة إلى العصر دائمًا لم يكن حيضًا حتى يمتد إلى غروب الشمس؛ فخرجوا بالقياس عن محض القياس.
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) .
(2) وهو حديث أبي أمامة رفعه:"لا يكون الحيض للجارية والثيب التي قد أيست من الحيض أقل من ثلاثة أيام".
أخرجه الدارقطني (1/ 218) ، والطبراني في"الأوسط" (603) ، و"مسند الشاميين" (1515، 3420) ، و"الكبير" (7586) ، وابن حبان في"المجروحين" (2/ 182) ، والبيهقي (1/ 326) ، و"المعرفة" (2266) ، و"الخلافيات" (1040، 1041 - بتحقيقي) بسند واهٍ جدًا كما بينته في تعليقي على"الخلافيات" (3/ 376 - 379) .
وقال ابن رجب في"فتح الباري" (2/ 150) عن أحاديث التوقيت:"وروي مرفوعًا من طرق، والمرفوع كله باطل لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ"، وقال: (2/ 151) :"ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف، وإنما رجعوا فيه إلى ما حُكي من عادات النساء خاصة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك) .
(4) في (ك) :"وإنما".
(5) في (ك) :"حيضة".
(6) في (ك) :"ناقضوه".
(7) في (ك) :"الثلاث".