فهرس الكتاب

الصفحة 1600 من 6724

لا أمد له. ومعلوم أنه من قامت عليه الحجة في مسألة علم أو حق من حقوق العباد التي يتخاصمون فيها أو قال أنا لا أقبل حجة حتى تقوم عليه حجة ثانية وثالثة كان ظالما متعديا ولا يمكن الحكام الخصوم من ذلك. فحق الله الذي أوجب على عباده من توحيده والإيمان به وبرسله أولى إذا قامت بينة أوجبت على الخلق الإيمان برسله أن لا يجب إجابة إلى ثانية وثالثة. ثم قد يكون في تتابع الآيات حكمة فيتابع الله سبحانه بين الآيات، فإن الأدلة كلما كثرت وتواردت على مدلول واحد كان أوكد وأظهر وأيسر لمعرفة الحق، فقد يعرف دلالة أحد الأدلة من لا يعرف دلالة الآخر وقد يبلغ هذا ما لا يبلغ هذا، كما فعل بآيات موسى ومحمد صلى الله عليهما وكما صد المكذبين عن الإيمان بمحمد حتى يمانعوه ويسعوا في معارضته والقدح في آياته فيظهر بذلك عجزهم عن معارضة القرآن وغيره من آياته فيكون ذلك من تمام ظهور آياته وبراهينه، بخلاف ما لو اتبعوا ابتداء بدون ذلك فإنه قد كان يظن أنهم قادرون على معارضته، وكذلك أيضا يكون في ذلك من يقينه وصبره وجهاده ويقين من آمن به وصبرهم وجهادهم ما ينالون به عظيم الدرجات في الدنيا والآخرة. وقد تقتضي الحكمة أن لا يرسل بالآيات التي توجب عذاب الاستئصال كما ذكره الله في كتابه من أن الكفار كانوا يقترحون على الأنبياء آيات غير الآيات التي جاءوا بها. فتارة يجيبهم الله إلى ذلك لما فيه من الحكمة والمصلحة، وتارة لا يجيبهم لما في ذلك من المضرة والمفسدة. وقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما طلب تلك الآيات رغبة منه في إيمانهم فيجاب تلك الآيات لا تستلزم الهدى، بل تستلزم إقامة الحجة وتوجب عذاب الاستئصال [لمن كذب بها] والله تعالى قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبعه على قلب الكافر كفرعون وأبي لهب وغيرهما لما في ذلك من الحكمة العظيمة كما دل على ذلك القرآن والتوراة وغيرهما. وقد تبين أنه لا يظهرها لانتفاء الحكمة فيها أو لوجود المفسدة، قال تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} الآيتين بعدها وقال {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} الآية، بين سبحانه أنه ما منعه أن يرسل بالآيات إلا تكذيب الأولين بها الذي استحقوا به الهلاك، فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت