ذكر الوليد بن المغيرة
قال ابن إسحاق: ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم قولوا وأسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره. فأنزل الله في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله تعالى {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} إلى قوله {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} وأنزل الله في النفر الذين كانوا يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الله {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} أي أصنافا {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} الآية.
وعن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ علي. فقرأ عليه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} الآية، قال: أعد. فأعاد عليه قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر. وفي رواية: فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم، إن قومك