وجعلت قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه عليه السلام. وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع، وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد، وجعل عضادتيه الحجارة. وقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: لا عريش كعريش موسى. وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بالجريد والجذوع.
فلما فرغ من البناء بنى بعائشة رصي الله عنها في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد شارعا إلى المسجد، وهو مكان حجرته اليوم، وجعل لسودة بيتا آخر.
وفي الصحيح عن عائشة قالت:"تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعري، فأتتني أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي، فأتيتها ولا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى وقفتني على باب الدار وإني لأنهج، حتى سكن نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن وأصلحن من شأني. فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين".
وفيه عن عروة قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث، فلبث سنتين أو قريبا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين. قال أبو عمرو وكان نكاحه عليه السلام لها في شوال، وابتنى بها في شوال، وكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها في شوال على أزواجهن، وكانت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكانت إذا هويت الشيء تابعها عليه، ولم يتزوج بكرا غيرها. وكانت مدة مقامها معه عليه السلام تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة. وكانت فقيهة عالمة فصيحة، كثيرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.