قال بعضهم: قد كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وكان صلى الله عليه وسلم يبعث الحرس على إلى المدينة خوفا على الذراري من بني قريظة. وأنزل الله {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} الآيات، وقال رجال معه {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} وقال بعضهم: يا رسول الله إن بيوتنا عروة من العدو، فأذن لنا فنرجع إلى ديارنا خارج المدينة. فأنزل الله {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} .
فلما اشتد البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقم الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك، فبعث رسول الله إلى سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا؟ قال:"بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا به نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم بحكمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فأنت وذلك". فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا."
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة ابن أبي وهب وضرار بن الخطاب أقبلوا على خيلهم حتى وقفوا على الخندق، قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من