وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". فلما ارتحل قال:"قولوا آيبون عابدون، لربنا حامدون". قال العلماء: فانظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع الصحابة واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع عليه الصلاة والسلام يتعرى من ذلك ويرد الأمر كله لمولاه لا لغيره. وانظر إلى قوله عليه السلام"وهزم الأحزاب وحده"، فنفى ما تقدم ذكره، وهذا هو التوكل على الله حقا، لأن الإنسان وفعله خلق لربه، فهو الذي خلق ودبر وأعان وأجرى الأمور على أيدي من يشاء ومن أختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء الله أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل، قال الله تعالى {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فيثيب الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين.
ولما قيل له صلى الله عليه وسلم: ادع الله على ثقيف قال:"اللهم اهد ثقيفا وائت بهم". وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وهو محاصر ثقيفا:"يا أبا بكر إني رأيت أني أهديت إلي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهرق ما فيها"وكان أبو بكر ماهرا في تعبير الرؤيا مشهورا به بين العرب فقال: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله:"وأنا لأرى ذلك". ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف مارا على دحنا ثم على قرن المنازل ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة ونزلها وهي إلى مكة أدنى وبها قسم غنائم حنين. وفي هذا السفر أسلم صفوان بن أمية.
واستأنى صلى الله عليه وسلم بهوازن أي انتظر أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة، ثم بدأ يقسم الأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم قبل الناس وهم سادات العرب من قريش وغيرهم من وجوه القبائل. فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل.
روي أن أبا سفيان بن حرب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأموال من نقود وغيره مجموعة عنده فقال: يا رسول الله أنت اليوم أغنى قريش، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان: حظنا من هذه الأموالز فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة، فقال: حظ ابني يزيد، فأعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية.