وعلى كلٍّ فإن جملة من هذا التعبّد مما ليس مشروعًا، قلد يلحظ في ثنايا كتب الفقه عند متأخري الحنابلة، فكتاب كشاف القناع عن الإقناع للبهوتي -رحمه الله- يحوي أمثلة متعددة على ذلك، مثل الذكر الجماعي، والتوسل بذوات الصالحين، والدعاء وقراءة القبور عند القبور، وشدّ الرحال لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم- [1] .
والبهوتي ومؤلفاته لها مكانتها ومنزلتها عند علماء نجد آنذاك، مع أن جملة من المسائل التي أباحها في كشاف القناع، قد منعها في"شرح منتهى الإرادات، وقد أشار -رحمه الله- في خطبة شرح منتهى الإرادات إلى أنه استفاد من كشاف القناع، فالكشاف متقدِّم على شرح منتهى الإرادات."
ومهما يكن فإن التصوف المحدث، وما يشتمله من عبادات مبتدعة، وأذكار غير مشروعة، وغلو في الأولياء ونحوهم، والافتتان بالقبور، وسائر البدع المتنوعة .. إن ذلك ليظهر على عموم الناس، بخلاف الأثر الكلامي النظري، فقد لا يظهر إلا على خاصة الناس من العلماء وأشباههم.
وهذا ما نلمسه في واقع نجد، فإن رسوم التصوف وشطحاته تلحظ من خلال معلومات متفرقة سواءً في رسائل العلماء وتقريراتهم، أو كتب التراجم والتاريخ، والأشعار والمنظومات.
ومن ذلك أن رسالة الشيخ عبدالوهاب بن سليمان بن علي -والد الشيخ الإمام- تكشف شيئًا من مخاريق التصوف ودجلهم"وأخذهم النار، وضربهم أنفسهم بالحديد ونطوطهم من السطوح، ولعبهم بذكر الله، حتى إنهم يفعلونه كالنبح .. [2] "
(1) انظر: رسالة"المسائل العقدية التي خالف فيها بعض فقهاء الحنابلة إمام المذهب - كتاب كشاف القناع أنموذجًا-"لحمود السلامة، رسالة ماجستير- غير منشورة - جامعة الملك سعود.
(2) مجموعة الرسائل النجدية 1/ 523.