ورأيت يومًا عند شيخنا (1) قدس الله روحه رجلًا من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعفت القوى عن حمله فالتفت إلي وقال:
مجالسة الثقيل حمى الرِبْع (2) ، ثم قال: ولكن أدمنت أرواحنا على الحمل (3) ، فصارت لها عادة أو كما قال.
وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى الربع، ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب، وليس له بد من معاشرته ومخالطته، فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله فرجًا ومخرجًا.
القسم الرابع:
من مخالطته الهلك كله (4) ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإذا اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء.
وما أكثر هذا الضرب في الناس - لا كثّرهم الله - هم أهل البدع والضلالة الصادّون عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الداعون إلى خلافها، فيجعلون البدعة سنة والسنة بدعة إن جردت التوحيد، قالوا: تنقصت الأولياء الصالحين وإن جردت المتابعة للرسول، قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير، قالوا: أنت من المشبهين وإن أمرت بما أمر الله ورسوله من المعروف ونهيت عن المنكر، قالوا: أنت من المفتين وإن اتبعت السنّة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من الملبسين وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم، فأنت عند الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين، فالحزم كل الحزم التماس مرضات الله ورسوله بإغضابهم وألا تبالي بذمهم ولا بغضبهم فإنه عين كمالك كما قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ *** فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ
وقد زادني حبًا لنفسي بأنني *** بغيض إلى كل امرئ غير طائلُ
فمن كان بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم: وهي فضول النظر والكلام والطعام والمخالطة، واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرز بها من الشيطان، فقد أخذ بنصيبه من التوفيق وسد على نفسه باب جهنم وفتح له باب الرحمة، ويوشك أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء فعند الممات يحمد العبد التقي، وعند الصباح يحمد القوم السري، والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه.
هذا آخر الكلام على السورتين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه خاتم النبيين والمرسلين.
(1) هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
(2) وهي حمى تأخذ صاحبها يومًا وتدعه يومين ثم تجيء في اليوم الرابع، وهي نوع من أنواع الملاريا.
(3) في نسخة (أ) عبارة (الحمى) .
(4) في نسخة (ب) عبارة (هلكه) .